توني موريسون والاغتراب في وطن الغريب

بين وعد العولمة ووعيدها يرزح الملايين من البشر تحت وطأة نظامٍ يتقاطع مع الإمبريالية والقومية، ويتحكم في حركات الهجرة حيث يتلاشى الانتماء.

منذ أعمالها الأولى، انشغلت توني موريسون بمواضيع العرق والنوع والهجرة والتاريخ والسوسيولوجيا. وعكست رواياتها هذا الانشغال في تقاطعه مع تيمة الإنسان المركب التائه بين طيات هاته الحياة.

وحضر طيف هذا الهم الذي تحمله موريسون لا في كتاباتها الروائية فحسب، بل في محاضراتها ومقالاتها العديدة. ولعل أهم تجسيد لهذا الانشغال كتابها «أصل اعتبار الذات: مقالات وخطابات وتأملات» (The Source of Self-Regard: Essays, Speeches, Meditations)، الصادر في نسخته البريطانية تحت عنوان «فم متخم بالدم: مقالات وخطابات وتأملات».

تناول الكتاب مواضيع العرق والنوع والعولمة، وانقسم إلى قسمين: وطن الغريب ولغة الإله، عادت فيهما موريسون لتناول أعمالها القديمة، وغطّت مقالات وخطبًا لم تنشر من قبل. نتناول في هذا المقال مقاطع من الجزء الأول الذي يأخذ بالتمحيص حالة الاغتراب التي تنتاب الفرد اليوم والأسباب المودية لها. 

موجة المهاجرين الكبرى 

تستمد الدول حول العالم سيادتها من تركيبة معقدة من الأنظمة والهياكل، على رأسها حدودها البحرية والجوية والبرية.

لكن الحركة العنيفة للحشود في هذا القرن، وخصوصًا العقدين الأخيرين، أثارت عديدًا من التساؤلات حول الحق الأخلاقي لهذه الدول في منع أو التحكم في حركة الهجرة هذه، وكذا تبعات التوتر الناتج عن هذه الحركة ومن بعدها هذا التحكم على شعورنا بالاغتراب وعلاقتنا بالوطن، تحت رزخ نظام العولمة الثقيل.

فترى موريسون بأننا «إذا ما استثنينا فورة تجارة العبيد في القرن التاسع عشر، يمكن عدّ الهجرة الجماعية آخر القرن العشرين ومطلع الواحد والعشرين أكبر حركة حشود شهدناها قط. فهي حركة عمال ومثقفين ولاجئين وجنود يعبرون المحيطات والقارّات؛ ومهاجرين يمرّون من مكاتب الجمارك ويقطعون الدروب الخفية، يتحدثون لغات تجارة مختلفة ويتدفقون من بلدان قلّبها التدخل السياسي والاضطهاد والمنفى والعنف والفقر.»

تعترف موريسون باستحالة تجاهل هذه الحركة التي أثرت على شكل العلاقات السياسية وخلقت صورًا اقتصادية واجتماعية غير مألوفة، فتقول:

«لا شك أن إعادة توزيع البشر أكانت اختيارية أم لا، تفوق كل أجندات الحكومات والمجالس والأحياء والشارع. ولا تقتصر محاولات السيطرة على هذه الحركة في المناورات السياسية التي تتمثل في مراقبة المحرومين فحسب. فحتى وإن وُصف جزء كبير من هذا النزوح برحلة المستعمَر لأخذ مكان المستعمِر من جهة (كما هُجر المستعبدون من مزارعهم)، وبينما يأخذ لاجؤو الحرب حصة النزوح الأكبر، لا يمكن أن يكون نقل وزرع الإدارات والطبقات الدبلوماسية في بؤرها الاستيطانية المعولمة، وكذا نشر الوحدات والقواعد العسكرية، إلا محاولات تشريعية للسيطرة على التدفق المستمر للأفراد.»

وعد العولمة ووعيدها

لكلّ قارة الآن نصيبها من الأوضاع المزرية على إحدى حدودها. فبين الأطفال غير المسجلين القادمين من المكسيك والمحشورين في معسكرات اعتقال على الحدود الأميركية المكسيكية، وآخرين فارّين من ويلات الحرب، ابتلعهم البحر الأبيض المتوسط حينما ألقت بهم اليونان خارج حدودها البحرية، وأزمات سياسية عالقة على الحدود الباكستانية الهندية من جهة، والصينية الهندية من جهة، وغيرها؛ تخيم أسئلة كثيرة عن «تلك الأماكن المنخورة والنقاط الهشة التي تشوه مفهوم الوطن عند الفرد وتدفعه ليرى الأجانب كتهديد»، كما تعبر موريسون. وتضيف:

«يبدو لي أن ما يغذي كثيرًا من التوتر على الحدود وعتبات البوابات شيئان: وعد العولمة ووعيدها، والعلاقة غير المستقرة مع اغترابنا وشعورنا بالانتماء الآخذ في التفكك»

تتقاطع العولمة مع الأنظمة التي سبقتها. فتستمد من الإمبريالية عطشها للسيطرة، ومن الشعارات القومية حاجتها للتماهي وطمس الاختلاف.

وترى موريسون بأن لها «نفس رغبات وتوق أسلافها. إذ يُرى المفهوم تقدميّا وفق السياق التاريخي، معزّزًا ومحتومًا وموحّدًا ومثاليًا [..] وحسب فهمنا الحالي، لا يمكن عد العولمة نسخة عن نموذج (بريطانيا تسيطر) الذي سرى في القرن التاسع عشر، رغم أن اضطرابات ما بعد الاستعمار تذكرنا بسيطرة أمة واحدة على البقية. كما لا يحمل المفهوم أجندة (يا عمال العالم، اتحدوا) التي كان النظام الأممي القديم يسير بها. ولو أن العبارة نفسها وردت على لسان رئيس الاتحاد الأميركي للعمل ومجلس شيوخ المنظمات الصناعية (AFL-CIO)، أثناء اجتماع المجلس التنفيذي لرؤساء النقابات.»

وتستطرد موريسون، فتقول:

«ليست العولمة رغبة في عالم واحد مثلما روجت لها الخطابات بعد الحرب، وشوّشت الخمسينيات لتكون السبب في تأسيس الأمم المتحدة. وليست كونية الستينيات والسبعينيات، أكانت التماسًا لنشر السلام أو إصرارًا على الهيمنة الثقافية»

العولمة، عكاز مهترئ 

قد يكون تعريف العولمة ملتبسًا، فتشدّقاتٌ من قبيل «العالم قرية صغيرة» التي روجت لها الدول القوية لا يفي بأي حالٍ دهاء هذا النظام. تحاول موريسون منح تعريف مقتضب فتقول:

«يمكن القول بأن العولمة تعني الحركة الفورية لرأس المال والتوزيع السريع للبيانات والسلع وعملها في بيئة محايدة سياسيًا، وتشكل المشهدَ مطالبُ الشركات متعددة الجنسيات»

«لكن التعريف الضمني ليس بهذه البراءة»، تعود موريسون للاستطراد:

«تشمل [العولمة] لا شيطنة الدول تحت وطأة الحظر، ولا تبخيس أهمية مفاوضات الحرب فحسب، بل سقوط الدول القومية تحت رزخ الاقتصادات العابرة للقارات ورؤوس الأموال والعمل؛ وكلها تجليات الثقافة والاقتصاد الغربي. وكذا أمركة الدول النامية والتي في طور النمو عبر اختراق الثقافة الأميركية للثقافات الأخرى، وفي المقابل تسويق ثقافات العالم الثالث للغرب عبر الأزياء والأفلام والمطبخ»

صار من الواضح استناد العالم على العولمة كعكاز مهترئ سيسقطه من على سفحٍ، تنطمس معه الهويات والاختلافات، وتهيمن في أسفله ثقافات الدول الأقوى.

فحتى وإن «كادت العولمة تبلغ في تقديسها حد التطرّف، يكشف هذا النظام عن شرٍّ يقارب ديستوبيا خطيرة، بدءًا بتجاهله للحدود والبنى التحتية الوطنية والبيروقراطية المحلية ورقابة الإنترنت والتسعيرات والقوانين واللغات، مرورًا باستخفافه بالأراضي الهامشية والمهمشين المقيمين عليها. تلك الخصائص الهائلة والمجتاحة التي تسرّع المحو وتوحد الاختلافات وخصائص السوق.»

وبدل أن تحقق العولمة ما وعدت به من رخاء وسهولة وصول وانفتاح، صرنا «نشمئز من التنوع. نتخيل التماهي وإقصاء لغات الأقليات وثقافة الأقليات في أعقابها. نتكهن برعب ما لا يمكن نقضه من اكتساح مُضعِف لتناوب اللغات الرئيسة والثقافات الرئيسة. وحتى إن لم تتجل تلك العواقب المرعبة، فهي تلغي ضمانات العولمة بحياة أفضل عبر تحذيرات من الموت الثقافي المبكر.»

التلصص على حياة الإنسان 

انشغلت موريسون بفهم أثر العولمة على حياة الإنسان بوجهيها العام والخاص. إذ تتحكم العولمة بالمعرفة والذائقة والإطلاع، وتتذرّع بمختلف الأسباب حتى تتلصّص على دواخل الإنسان ومساحاته الخاص.

فترى موريسون بأن «من أخطار العولمة الأخرى تقويض العام وهدم الخاص. إذ نكتشف ما هو عام أساسًا لا حصرًا من خلال وسائل الإعلام. ويُطلب منا أن نتخلى عما كان يومًا أمرًا خاصًا لصالح متطلبات جمع البيانات، لأسباب حكومية وسياسية واقتصادية، والآن، أمنيّة. وينبع شيءٌ من القلق بشأن التفرقة بين ما هو عام وما هو خاص عبر التطبيقات المتهورة للمفهومين.»

سيطرة العام على الخاص

لم تغفل موريسون الإشارة لتدخل العولمة في قلب ما هو عام بما هو خاص، والعكس. واستبينت تداعيات الأمر على الفرد وعلى النسيج المجتمعي، كقضية الخصخصة ووضع مؤسسات من أولوية الحكومات في يد شركات يسيرها هدفها الربحي.

وتأتي خصخصة السجون على رأسها، تلك القضية المحورية في أميركا. إذ نما التزام نظام السجون الفيدرالي بالخصخصة في الأعوام الأخيرة بشكل كبير. فتقول:

«هناك خصخصة السجون، وهي سيطرة الشركات الخاصة على منشأة عامة، وخصخصة المدارس العامة. ثم الحياة الخاصة التي يمكن التنازل عنها بحرية في البرامج الحوارية أو التفاوض بشأنها في قاعات المحاكم من المشاهير والشخصيات العامة وقضايا حقوق الخصوصية. وهناك أيضًا الأماكن الخاصة كالحدائق والصالات مفتوحة للعموم. والأماكن العامة كالمتنزهات وباحات اللعب والشواطئ في بعض الأحياء، والمحصورة للاستعمال الخاص. وهناك ظاهرة الزجاج المكشوف المتمثلة في تأثير العام على حياتنا الخاصة الداخلية. فتبدو التصميمات الداخلية لمنازلنا كنوافذ عرض المحلات (إلى جانب رفوف المجاميع المتراكمة)، وواجهات المحلات المرتبة كسرائر منازلنا»

تعزو موريسون شعورنا بالاغتراب لهذا التماهي الذي خيم على علاقتنا بما هو خاص وما هو عام. إذ صار من العسير استبيان معالم كل وجه، وفقدنا القدرة على التمييز بين الأصل والنتيجة. وتضرب مثالًا عن ذلك بالإعلام:

«يقال بأن سلوكيات الشباب صدىً لما تعرضه الشاشات، وبأن الشاشات صدىً وعرضٌ لاهتمامات الشباب وسلوكياتهم، لا مصدرها. ومادامت المساحة التي يُعاش فيها العام والخاص قد صارت غير قابلة للتمييز من الباطني والظاهري، من الخارج والداخل، رُصَّ هذان العالمان في ضبابية عارمة، زعزعت مفهوم الموطن عندنا»

الانتماء والاغتراب

تزعم موريسون بأن زعزعة مفهوم الموطن التي سببها تماهي العام والخاص أثرت على شعورنا بالاغتراب والانتماء المتلاشي. فبين تمزقنا بين الرقع الجغرافية أو تصميمنا على حماية ثقافتنا من هيمنة واحدة أخرى تستقوي بالعولمة، تتساءل موريسون:

«لمن نولي ولاءنا الأكثر؟ العائلة أم اللغة أم الثقافة أم البلد أم النوع؟ أم هو الدين أو العرق؟ وإن لم يكن أيٌّ من هذا مهمًا، أنحن حضريون أم كونيون أم ببساطة وحيدون؟ بعبارة أخرى، كيف نحسم انتماءنا؟ ما الذي يقنعنا بأننا نفعل؟ أو حتى، ما العيب في الاغتراب؟»

التيه في الأدب

قد يكون الأدب الذي أنتجته إفريقيا، وخصوصًا الجيل الأول والثاني ما بعد الاستعمار، نموذجًا أساسيًا لفهم هذه المفارقة التي وصفتها موريسون بـ«تيه الداخل والخارج الذي يمكن أن يرسخ الحدود الحقيقية والمجازية والنفسية، ونحن نصارع في بحثنا الطويل عن الانتماء تعريفات القومية والمواطنة والعرق والإيديولوجيا وما يسمى بصراع الثقافات.»

وتؤكد على ذلك حينما تشير إلى أنه «لا يمكن حصر التصالح مع هذه المسائل على الكتاب الإفريقيين والأميركيين من أصل إفريقي، لكن لهؤلاء تاريخٌ طويلٌ وخاص في مواجهتها، ألّا تشعر بالانتماء في أرضك، أن تُنفى حيث تشعر بالانتماء.»

«سماع اسم إفريقيا جميلٌ، لكنه مُزِّق بالمشاعر المختلطة المرتبطة به. وبخلاف الصين الجائعة، كانت إفريقيا ملكنا وملكهم، مرتبطة بنا بحميمية وغريبة بشكل كبير.» تقول موريسون، التي اكتشفت الأدب الإفريقي في السبعينيات عن طريق أعمال الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي والغيني كامارا لاي، وغيرهم من العظماء الذين يكتبون ليعدّلوا كفة الميزان من النظرة الاستعمارية البيضاء إلى قوة الجسد والتاريخ والفلكلور والمنطوق الإفريقي الأسود.

بين أفواج المستعبدين السود المهجّرين من أرضهم، وتتالي محطات تاريخية حاسمة انتهت بنظام معولم بدّد مفهوم الموطن، وألقى بظله على الحدود والمعابر، تبقى علاقة الأميركيين السود بإفريقيا مركبة «فهي مسقط رأس جبّار ومحتاجٌ، قيل لنا بأننا ننتمي له، لكن لا أحد منا رآه أو اهتم برؤيته. يسكنه أناس تجمعنا بهم علاقة حساسة متأرجحة بين التجاهل المتبادل والازدراء، ونشاركهم أسطورة الآخر السلبي المصدوم التي غذتها المقررات والأفلام والرسوم المتحركة والتنمّر العنيف بالألقاب الذي يتلقّنه أطفالنا بحب.»

الإنسانالعولمةالهجرةالهويةالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية