المسافة بين السجن والمسجد

لمحمد ديريه
18 نوفمبر، 2019

مراجعة للفلم الوثائقي “اقبل المكالمة (Accept The Call)” للمخرجة يونس ليو.

كل الذي تمناه يوسف عبدالرحمن فرصة جديدة في بلاد بعيدة. لا يختار اللاجئ عادة البلاد التي يفضل الانتقال إليها، لكن لا أحد يرفض الانتقال إلى الولايات المتحدة الأميركية. من الصومال التي ضربتها الحرب الأهلية، سينتقل الشاب الطويل وسيم الملامح، إلى مدينة شديدة البرودة في الغرب الأوسط الأميركي.

عليه أن يتعلم الإنگليزية ولاحقًا اللغة الإسبانية، ليدخل في نسيج الحياة الأميركية نهارًا، في حين أن عليه مساءً تعلم كيف يحلم بطريقة جديدة. أن يطارد حلمه الأميركي الخاص به، أن ينشئ عائلة صغيرة، أن يعمل بجد واجتهاد، ألا يتأخر في دفع الضرائب المستحقة عليه، ليكون أميركيًا بجدارة كما تقتضي شروط المرحلة.

سيرزق يوسف بـ “زكريا”، وتأتي بعده “إكران” فتاته التي يحبها كثيرًا. سيحكي لهما حكاية الآباء الصوماليين، سيضع يده على الزاوية الشرقية لقارة إفريقيا. الأم ستحرص على أن يتمّا حفظ القرآن الكريم.

هذه بلاد الأحلام، هذه أميركا التي تعطي لكل مجتهد نصيبه من حلمه. لا أستطيع أن أترشح للرئاسة، لكن أنتما يا زكريا ويا إكران تستطيعان أن تكونا كباراك أوباما، ادرسا جيدًا، والتزاما بالقوانين، وتأكدا من إجادة شروط اللعبة. هذه قصة حياة عائلة صومالية أميركية في ولاية مينيسوتا.

لكن اتصالًا من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي سيغير حياة يوسف عبدالرحمن وعائلته الصغيرة للأبد.

في فلمها الوثائقي الجديد “اقبل المكالمة (Accept The Call)”، تخوض يونس ليو المخرجة السنغافورية الأميركية المقيمة بنيويورك، تجربة جديدة على مدى 86 دقيقة. توثق بإمكانات محدودة وبتمويل ذاتي، حياة عائلة صومالية أميركية تتعرض لنكبة اعتقال ابنها البكر، وزجّه خلف القضبان، لمجرد إيمانه بفكرة دون أن يصل إلى ما أراد تنفيذه. السجن عشر سنوات مع تحفظ احترازي وقائي لعشرين عامًا أخرى.

هجرة الصوماليين

كأغلب المهاجرين المسلمين للولايات المتحدة، تعبّر الجاليات عن وجودها وأحيانًا عن نجاحها ببناء مسجد في الحي الذي تقطن فيه. لذا، ليس من المدهش أن يتزايد عدد المساجد في ولاية مينيسوتا من 4 مساجد سنة 1998، إلى 50 مسجدًا في ظرف عشرين عامًا بتزايد أعداد المسلمين في الولاية

بدأت هجرة الصوماليين إلى هذه الولاية الباردة المليئة بفرص العمل مطلع تسعينات القرن الماضي. وتقدر اليوم بين 150,000 إلى 180,000 مواطن ومقيم إقامة دائمة، ولاجئ ينتظر الحكم في أوراقه.

ليس ذلك فحسب بل أرسلت أول نائب مسلم للكونگرس الأميركي بعد أقل من عشرة أعوام، من حصول أغلب بنيها على حق التصويت. كيث إليسون ليس فقط الرجل الذي من مقعده انطلقت إلهان عمر لتصبح الصداع الدائم في رأس دونالد ترامب، بل هو أيضًا أول مسلم ينتخب إلى الكونگرس وأول أميركي أسود ينتخب إلى مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا.

كيث إليسون، أول نائب ديموقراطي مسلم في الكونگرس الأميركي

الصومالي بطبعه كثير الترحال، قليل السكون. لكنه لا يغيب عن مكانين: اجتماع القبيلة تحت الشجرة، أو صلاة الجماعة في أقرب مسجد.

ولانتفاء الحاجة للجلوس تحت الشجرة الكبيرة في البادية بعد سنين الترحال هذه؛ يحافظ الصومالي على الذهاب والتردد على المسجد القريب. تمسك الصوماليين بالدين الإسلامي مدهش، ولا يترددون في قول أن هويتهم الأولى هي الإسلام، وبفخرٍ شديد.

ومن هنا تبدأ حياة “زكريا” عبدالرحمن ابن صاحبنا يوسف. ففي المسجد سيتعرف الصبي ذو التسعة عشر عامًا على أصدقاء المسجد المجاور. فالمسجد في المهجر ليس مكانًا للصلوات الخمس فحسب، بل هو مكان للدراسة والحفاظ على الهوية، والنظرة الأولى لزوجة المستقبل. وفي المجتمع الأميركي الذي يُتهم دائمًا بالإقصاء للسود والمسلمين، يصبح المسجد مكان طرح الأسئلة الوجودية والبحث عن إجابات لها.

تبدع المخرجة في التقاط مشاهد قصيرة عميقة الأثر لدى المتلقي الصومالي في المقام الأول، ومن ثم للمتلقي الأميركي الذي يفهم أثر القانون، وانحيازاته عليه شخصيًا. وأخيرًا على من عاش في المملكة العربية السعودية، أو ربما لديه تجربة مع تصورات الناس عن التدين على الطريقة السعودية الكلاسيكية. وقد وجدت نفسي أفكر طويلًا بعد مشاهدة هذا الوثائقي الذي يعتبر أول وثائقي -على حد علمي- يطرح إشكالات المهجر والتدين لدى الفرد الصومالي أيًا كان موقعه ساعة كتابة هذه السطور.

تشويقة  فلم اقبل المكالمة (Accept The Call Trailer)

المشاهد الأولى

من المشاهد الأولية المؤثرة في الفلم، مشهد الشيخ الجالس دون اكتراث على الأرض في غرفة كل جدرانها مغطاة بستائر زاهية الألوان، وصفّان من الرجال الذين يتمايلون على ذكر الحبيب والصلاة عليه.

حضرة صوفية في بيت بعيد بمينيسوتا الباردة، السبح في الأيدي والشيخ جالس، بينما المريدون على الطريق حيارى واقفون. شريط فيديو مكتوب عليه بعربية كبيرة الخط -يتعلم الصوماليون العربية عن طريق كتابة القرآن على الألواح الخشبية- لذا يسهل تمييز خط يد الصومالي الذي تعلم الكتابة في الخلاوي وعلى الأخشاب بسهولة كبيرة. 

نعود إلى الجلسة الافتتاحية: للشيخ حق الجلوس وعدم الانتباه، والستائر -في المخيال الصومالي- دلالة إجادة ربة البيت للخياطة، وخوف من شؤم الفقر الذي يطل من الجدران البيضاء، فكلما زادت الستائر في البيت كانت الحالة المادية أكثر استقرارًا ورخاء. والسبحة طريق الصوفي لقلبه خوف الغفلة، والمولد والحضرة وصلتا محبة للنبي العربي الذي أعطانا كل شيء، ورحل دون أن يملك أي شيء.

في الوقت الذي تصعد فيه روح الذاكر وسط الحضرة، تتمايل روح يوسف عبدالرحمن وتسافر في قصائد المديح العربية.

يجلس زكريا في المسجد المجاور، يحاور أبناء جيله الذين يجدون في المسجد ملاذًا آمنًا من الشوارع الخلفية، التي تباع فيها المخدرات والأسلحة الخفيفة، وتصدح أغاني الراب الغاضبة على أميركا التي تضرب العراق وتحتل أفغانستان، وتطير طائراتها فوق جبال الصومال وسهولها، بحثًا عن إسلام معتدل يشبه ابتسامة باراك أوباما وهو يلقي كلمته في الجامعة الأميركية بالقاهرة.

إكران -أخت زكريا- التي تتزلج بحجابها على الجليد، وبابتسامة محافظة تتقدم في التحصيل العلمي، وتشارك مجتمعها الصومالي الذي يدار -في الحقيقة- من شاي الأمهات الصوماليات.

تراقب أمها التي أصرت على البقاء في هذه الولاية حتى يستقيم لسانهم الصومالي، وكي لا يكون الحجاب غريبًا في ولاية أخرى، وتكون على مقربة من أخبار المجتمع الصومالي التي تصل إلى مقاهي مينيسوتا ومساجدها قبل أن تكون على شاشة الأخبار.

تتكلم إكران الإنگليزية كأنها رضعتها من أمها، وحين يتحدث والدها بالإنگليزية، تشعر أن صوماليًا يكلمك، وأنه لو جاء أبكر قليلًا لأصبح شاعرًا بهذه اللغة، يمضي نهار العائلة سعيدًا حتى يصل اتصال من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي: زكريا مقبوض عليه في مطار “جي اف كينيدي” بولاية نيويورك متجهًا إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم داعش الإرهابي!

زكريا في السجن
زكريا في السجن

صدمة تصيب الجميع!

يستقل يوسف عبدالرحمن أول حافلة باتجاه شيكاگو حيث يقابل ابنه الذي انتقل إلى هناك، في غرفة صغيرة تصور يونس ليو الحوار الذي دار بين الأب والابن:

–   ألم أفعل كل شيء لتكون مواطنًا أميركيًا صالحًا؟

–   من دلك على هذا الطريق؟

–   ماذا فعلت لتجازي العائلة الصغيرة بسفرك للإنضمام إلى أخطر تنظيم إرهابي يا بني؟

في الحوار القصير الساخن، شاهدت عيني كأس ماء على الطاولة التي تفصل الأب عن الابن، في البيوت الصومالية يحدث أن يرمي الوالد ابنه بالكأس والمفاتيح التي في يده وأن يلاكمه رجلًا لرجل.

لكن مسافة الطاولة الصغيرة هذه ليست موجودة في الصومال، هذا الحوار نادر الحدوث في البيوت الصومالية، في لغة كل شيء فيها يعتمد على الإحالة والإشارة بعيدًا عن التصريح المباشر الذي يعكس فقرًا في اللغة.

وحين تعجز الكلمات تتحرك الأيدي باللكمات وأحيانًا بقذف أقرب شيء في اليد، وكثيرًا بالأسلحة المتوفرة هناك، لكن هذا الحوار القصير عنى لي الكثير،وكأس الماء أشغلني أكثر، المسافة بين الأب والابن كانت أقرب، لكن لم يحدث أن مد الوالد يده على ابنه.

يعود الوالد بولده إلى الولاية الباردة، يتعهد زكريا باستكمال دراسته الجامعية والانضباط، لكن المسجد مازال قريبًا. وهذه المرة سيأتي مصل جديد للانضمام إلى جماعة المسجد، مصل يحمل مسجلًا صغيرًا ويخفي كل شيء خلف ابتسامة منتقم. 

هذا المصل هو مخبر مبعوث من مكتب التحقيقات الفيدرالي، مخبر فخور جدًا بعمله، فوالده مقتول على أيدي مسلمين متطرفين، ومكتب التحقيقات الفيدرالي يدفع جيدًا للرجال العقائديين في تنفيذ مهامهم.

واحد وأربعون ألفًا من الدولارات الأمريكية هي قيمة هذه الجملة التي سجلها عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي على لسان زكريا عبدالرحمن: “تنظيم الدولة الإسلامية رائع، كم أتمنى أن أنال شرف الشهادة”.

جملة واحدة كهذه كافية لوضعك عشر سنين خلف القضبان، وعشرين سنة تحت المراقبة الشديدة. ليس زكريا وحده، بل تسعة من الشبان الصوماليين الآخرين سيحاكمون بفترات مختلفة، وبذات النية التي لم يغادروا بها إلى ساحات المعارك، بين تنظيم الدولة المجنون والعالم الذي يحاربهم في سوريا.

لماذا حدث كل هذا؟

من حلقات الذكر وساعات العمل الطويلة، إلى جمع الأدلة لبراءة ابنه البكر. تصبح حياة يوسف عبدالرحمن حياة متعبة مربكة، ينذر فيها نفسه للإجابة عن سؤال: لماذا حدث كل هذا؟

الإسلام في نظر يوسف عبدالرحمن دين السلام والمحبة والخير، ودين البحث عن المعنى وعدم اقصاء الآخر، ودين الذكر والإحسان والاعتراف بالفضل والمعروف لمن أحسن إليك وإن لم يكن مسلمًا. دين لا يصادر حق الاختلاف ولا يحمل السلاح إلا في حده الأدنى خوفًا على النفس أو العرض أو المال، دين فيه أن تكون المظلوم لا الظالم.

هذه أميركا التي من يوم دخولك لها يمكنك أن تتبّع حلمك، وأن يكون لك حق التصويت وحق الشكوى، وقبل ذلك حق الاختيار الشخصي. لكن الحوارات -وهي أجمل مافي الفلم الوثائقي- تظهر الجانب الآخر من الحكاية.

Accept The Call لقطة من فلم
لقطة من فلم Accept The Call، الحقوق لـ (Film at Lincoln Center)

زكريا الذي يحق له الاتصال بوالده بين الحين والآخر -في مكالمات هاتفية مسجلة مطولة- ومنها أيضًا أخذت المخرجة عنوان الفلم ينافح عن فكرته التي لم تكتمل، وفي إحدى أغرب الإجابات يقول:

“أنت أخبرتني بأنني صومالي ومسلم، أنا في عين الآخر مسلم أسود، وأنا فخور بكوني صوماليًا ومسلمًا وأميركيًا. وإذا كانت دولتي -الولايات المتحدة الأميركية- تقصف مسلمين وتقتل المدنيين فلا يمكن لي الصمت والاستمتاع بالمشاهدة، علينا رفع الظلم عن إخواننا المسلمين يا أبي”.

يسأله الوالد المفجوع: “من أين لك هذه الأفكار؟ من أقنعك يا بني؟”

الكثير من أبناء الجالية الصومالية مقتنعون بأن شبابهم ضحايا لمخبر يحسن التلقين كما يحسن التسجيل. مظاهرات في شوارع مينيسوتا، اتصالات وضغط على نواب الجالية الذين يملكون حق التصويت، ومن غرفته التي ليس فيها إلا سرير صغير مهلهل ومكتب عليه آلاف الأوراق، يعكف يوسف عبدالرحمن على تدوين كل الملاحظات وجمع كل الأوراق اللازمة لإخراج زكريا من سجنه.

وحين يصل إلى قناعة أن زكريا ضحية المسجد وضحية المخبر، تصبح مهمة نشر الوعي بالمد السلفي بين أبناء الجالية الصومالية شغله الشاغل. يخصص يوسف وقته لزيارة المساجد والمجمعات التجارية وأماكن تجمع الصوماليين للحديث عن مد سلفي جهادي متطرف يتغلغل في المساجد بأفكار لا تناسب المجتمع ولا أولويات الناس هنا.

في قاعة مركز لنكولن بمانهاتن، يُصرّح قائلًا:

” إذا كان لديك الكثير من المال، والكثير من الإمكانيات، فإنك ستكون سعيدًا وأنت ترى أفكارك تتحول إلى حقائق على أرض الواقع، الوهابية السلفية هي التي ستقضي على الإسلام الحقيقي وعلينا جميعًا إذا لم ننتبه”.

في العشاء الذي تلى مشاهدة الفلم والحوار الساخن في نيويورك، يقول صديقي الذي تربى ونشأ مثلي في المملكة العربية السعودية: “من يحب السعودية ويعرفها جيدًا سيعرف جيدًا أنها -أي المملكة- تحتاج الشرح أكثر من الدفاع”.

من يستطيع أن يقول لوالد زكريا أن عمر الوهابية أقل من مائتي سنة كما قال وقت اندفاعه في الحوار، ومن يستطيع أن يقول أن السعودية لم تعد تلك الدولة التي يملك فيها رجال الدين قوة النهي والأمر بالمعروف في الشوارع، ومن يستطيع إقناع الأب المكلوم بأن المناهج تعاد صياغتها وأن بإمكانه -بجوازه الأميركي- أن يحجز تذكرة مرفوقة بفيزا إلكترونية لموسم الرياض وجدة، ليذهب إلى استاد الملك فهد ويرى الناس تقف طوابيرًا لفرقة كورية أو صفوفًا من أجل حفلة موسيقية برعاية هيئة الترفيه!

تمرّ الأيام

تدور الفصول الأربعة على يوسف عبدالرحمن والأوراق تتكاثر على مكتبه، ينسى أن يحلق لحيته مرات، ويتخلص منها أحيانًا، حتّى لا ينشغل بالذهاب إلى الحلاق.

يحاول توزيع منشوراته على المساجد في المدينة، يخرج في لقاءٍ إذاعي، يتوجس منه الصوماليين الذين لا يحبون تصوير أماكن العبادة، بقدر ما يكرهون نقاش جراحهم على الملأ. ينظرون إليه بتوجس مخيف، نتفهم فجيعتك وقد نساعدك بالمال، ونضغط حتى على ابنتنا إلهان عمر لتضغط من جهتها لتخفيف الأحكام على أبنائنا، لكن لا داعي لكل هذه المواجهات المباشرة.

Accept The Call لقطة من فلم
لقطة من فلم Accept The Call

تخطب إكران في الجموع التي جاءت لمساندة زكريا ورفاقه، تحاول نشر الوعي في المسجد والجامعة التي تدرس فيها، فخورة بكونها صومالية أميركية تدافع عن كل مظلوم بالشكل السلمي وحق المحاكمة العادلة.

تسافر وصوت أخيها من خلف الزنزانة يثقب قلبها، يعطيها والدها حق الإجابة عن الأسئلة التي يشعر بأنه لم يكمل أفكاره فيها، تلتقط المايك لتُشعر كل من في القاعة أن الظلم مؤلم، وأن وجهات النظر المختلفة داخل العائلة الواحدة والمجتمع الواحد تستحق طاولة أقرب وأعرض من الطاولة التي جمعت والدها بأخيها في شيكاگو، تستمر في توعية المجتمع بهدوءٍ عجيب.

بينما يستمر يوسف عبدالرحمن في البحث عن إجابة شافية في كل اتصال مع ابنه زكريا، يقبل كل المكالمات التي ينتظرها بشغف الأب لصوت ابنه، يمازح زكريا بحب ويرد عليه الإبن بأدبٍ بالغ، أدب يتحول شيئًا فشيئًا -مع مرور الأيام- إلى ندم تستطيع تمييزه كما تحاول المخرجة العبقرية.

في ساعة صفاء يقرر يوسف أن يواجه المخبر السعيد بمهمته ويحاوره، لعله واحد من أقوى مشاهد الفلم.

يسأله:

“لماذا لم تخبرني حين علمت بحوارات المراهقين؟، لماذا كنت حريصًا على الاصطياد ولم تكن جزءًا من العلاج؟، أليس هذا مجتمعي ومجتمعك؟”

يبتسم المخبر ويقول:

“أنا لم ألقنهم حرفًا واحدًا، كنت مستمعًا جيدًا فقط حتى حصلت على كل الأدلة”

يظهر المخبر صورته طفلًا بحضن والده الذي اغتيل على أيدي متطرفين إسلاميين لا يقلّون بشاعة عن تنظيم الدولة الذي كان سينضم إليه ابن يوسف، يغضب يوسف ويرمي الأوراق على الأرض، لست مقنعًا أبدًا وروايتك رواية غير صادقة، بل ومنحازة ضد ابني.

Accept The Call لقطة من فلم
لقطة من فلم Accept The Call، الحقوق لـ (Film at Lincoln Center)

وظيفة مشهورة

لن يصدق يوسف عبدالرحمن أن هذا النوع من المخبرين موجودون في أغلب مساجد العالم الإسلامي، يراقبون خطب الأئمة ويدونون حتى عدد كاسات الشاي في إفطار الصائمين، وأنها وظيفة مشهورة في بلدانٍ كثيرة، وأنه لن يستطيع أن يقوم بهذا الحوار مع مخبر في بلد عربي أو إسلامي.

ربما سيُصدم أكثر لو علم بأن شيوخ التصوف في بلدان أخرى قريبون من السلطة أكثر من قرب رئيس الوزراء، وأنهم يرفعون التقارير كشكل من أشكال العبادة، وأن العبادة الجمعية التي لا مكان فيها لابتداع -الحضرة والمولد- ليست موضوعًا للحوار، وأنه محظوظ جداً -كما يقول دونالد ترامب لإلهان عمر- بوجوده في بلد يضمن له محاكمة ومحام وجلسات استماع مع اتصال مدفوع بابنه بين الحين والآخر.

بين الأب المكلوم بابنه، المصدوم بأن يخرج من بيت صوفي صومالي -ولو أن المتصوفة هم حَملة السلاح ضد الاستعمار وضد حركة الشباب الصومالية اليوم- متطرف يؤمن بوجوب الخروج للقتال ضد بلده من أجل دينه الذي يُعرف به في الشارع، وبين إكران التي لا تصافح الرجال وتغطي شعرها كاملًا.

في قاعة لنكولن سنتر وسط مانهاتن، جلست محامية حقوق الإنسان الشهيرة جمانة موسى قائلةً: “إنه حكم قاس جدًا على فكرة لم يتم تنفيذها”، ومن المعتاد -في رأي الكثيرين- أن تكون مبررة في حال كان المتهم شابًا أسودًا مسلمًا من أب وأم مهاجرين من الصومال.

ماذا يعني المسجد للمسلمين؟

لا تدعم الحكومة الأميركية بناء المعابد ولا المساجد، لذا، فبناء زاوية أو مسجد أو جامع فكرة تحتاج إلى مؤمنين ورؤوس أموال ضخمة أحيانًا.

يعمِّر كل أهل ديانة مكان عبادتهم، يتقاسمون الإيجار وفاتورة الماء والكهرباء، يختارون إمامهم ومعلم القرآن لصبيانهم وبناتهم، والدين الأسرع انتشارًا في الولايات المتحدة هو الإسلام اليوم، إذ تقول الإحصائيات أن المسلمين سيمثلون 2% من سكان أميركا في غضون العشرين عامًا المقبلة، وإن كان الكثيرون يشكّكون في هذا الرقم الهزيل.

لذا لن يكون مدهشًا للقارئ أن يعرف وجود أكثر من ألفيّ مسجد على امتداد رقعة بلاد العم سام، مما يجعل قلق ترامب ومؤيديه واضحًا في سياقه.

لكن الأهم أن المسجد ليس مكان عبادة فحسب، بل هو مركز اجتماعي ومكان ثقافي وملعب رياضي ومهرب من الشارع الخلفي للجريمة، ودلالة اندماج أحيانًا، أو مهرب جيد من تحديات الحياة الأميركية الصعبة على المهاجرين الجدد.

من الصعوبة عرض هذا الفلم المستقل ذي الميزانية المحدودة على شاشات السينما في المدى المنظور، ربما لحساسية الطرح وجدية الأب في الإشارة إلى أطراف معينة بتضليل ابنه، ولخوف -صانع القرار- من تأثر البعض بصدق زكريا مع نفسه وإيمانه العميق بطرح يربك المشاهد.

الأهم أن الوثائقي الذي عرض ضمن أسبوع أفلام حقوق الإنسان بنيويورك قد وزع الضوء جيدًا بين الأب الصوفي المكلوم والابن السلفي المسجون والابنة التي تستعمل أدوات الضغط الأميركية، لإخراج أخيها أو لإيجاد حل لمشكلة من مشاكل الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين في قارة أميركا الشمالية.

الغائب الحاضر كان الأم، أم زكريا التي احترم الجميع رغبتها في البقاء بعيدًا عن كل هذا، والحاضر الأكثر إرباكًا كان المخبر المؤمن بأنه يحمي بلاده وينتقم لوالده المغدور.

تتوزع مشاعر المشاهد أمام الشاشة في طيف متعدد الألوان كلما انتقلت عدسة الشجاعة يونس لياو من زاوية لأخرى. الأكيد أن مشاهدة هذا الوثائقي الجريء -ولو بعد حين- ستتركك بكثير من الأسئلة التي تستحق عناء التفكير والبحث والمشاركة.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×