العنصرية وتاريخ تجارة الرق في شبه الجزيرة العربية

يعتقد كثيرون أن العنصرية المناهضة لذوي البشرة السوداء ظاهرة غربية، وبصفة خاصة أميركية، لا علاقة لها بمنطقة الشرق الأوسط. وذلك لأن «العبودية في الإسلام» والرق في العالم العربي والممارسات المتعلقة بها -قبل وبعد ظهور الإسلام- لا يمكن مقارنتها بتاريخ العبودية في الولايات المتحدة. وهي القضية التي تؤجج اليوم المظاهرات الأخيرة على إثر مقتل جورج فلويد المواطن الأميركي ذي البشرة السوداء على يد ضابط شرطة في مدينة مينابوليس الأميركية.

ولا شك في أن المجتمع العربي المعاصر يربط العبودية‎ باستعباد ذوي البشرة السوداء، ويظهر ذلك بوضوح في التحقير العرقي باستخدام لفظي «عبد»‎ و«خال»‎ المرتبطيْن بالرق. لا أنكر هنا وجود العنصرية وبشكل مقيت في دول كالولايات المتحدة وفرنسا، فأذكر عندما كنت في مرحلة الدراسات العليا في فرنسا كيف رفضت الحكومة الفرنسية «سياسات الهوية»‎ بعدّها مستوردة من أميركا. وكانت عنصرية الفرنسيين «البيض»‎ ضد الفرنسيين من أصول مغاربية أو من ذوي البشرة السوداء أمر دارج وملحوظ بشكل كبير. 

وبمتابعة دراستي للدكتوراه في الولايات المتحدة، كان تاريخ الرق وتداعياته موجود وحاضر دائمًا في الحياة اليومية الأميركية. وكما أن العنصرية حاضرة في فرنسا وأميركا، فهي حاضرة أيضًا في العالم العربي، لكن دون اعتراف كثير من أفراد المجتمع بذلك.

تجارة العبيد في زنجبار / Royal Museums Greenwich

ألوان العبودية 

أولًا، أود أن أوضح النقاشات التي أشير إليها، أو بالأحرى التي لا أشير إليها. فأنا هنا لا أتحدث عن التاريخ الطويل والمعقد للرق في العالمين العربي والإسلامي من ثورة الزنج على الدولة العباسية إلى تاريخ دولة المماليك. فقد كان الناس من جميع الألوان مستعبدين تاريخيًا، ومع ذلك ارتقى بعضهم إلى مناصب أو مقامات عالية. وامتد ذلك إلى مطلع القرن العشرين، حيث اُشتريت النساء المستعبدات من القوقاز ورُبِّين وعُلِّمن في الأسر العثمانية بغرض بيعهن بصفتهن زوجات محترمات للنخب العثمانية والعربية. وكانت مثل هذه الزيجات مقبولة اجتماعيًا، بل وفضلها الرجال البرجوازيون، حيث أتت النساء المستعبدات من دون عبء الأسرة الممتدة ومن دون الأقارب الذين قد يحتاجون إلى مساعدة مالية في المستقبل.

ويتضح من خلال الأدب العربي في القرن التاسع عشر التمييز بين المماليك البيض عند العوائل العثمانية العسكرية من القوقاز وجزر البلقان وأتراك السهوب، والعبيد السود من إفريقيا جنوب الصحراء. لذا وجب توضيح أن مداخلتي لا تتناول كامل تاريخ العبودية في العالمين العربي والإسلامي. بل أشير على وجه التحديد إلى أن العنصرية المعادية للسود في شبه الجزيرة العربية ارتبطت ارتباطًا مباشرًا بتاريخنا الحديث في أشكال مختلفة من العبودية، ولكنها غير معروفة وذات خصوصية في منطقة شبه الجزيرة.

العبودية في شبه الجزيرة

على الرغم من أن تجارة الرقيق عبر الصحراء الكبرى‎ لها تاريخ طويل وممتد، تُظهر الدراسات التاريخية أن استيراد المستعبدين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى أنحاء العالم العربي ازداد بشكل ملحوظ في القرن التاسع عشر إلى مستويات لم تكن معروفة من قبل.

وفي شبه الجزيرة العربية على وجه الخصوص، اُختطِف هؤلاء الأشخاص واُستعبِدوا وبيعوا وشُغِّلوا جواري، أو في مزارع نخيل التمر في شرق شبه الجزيرة، أو غواصون للبحث عن اللؤلؤ في الخليج والبحر الأحمر. وكذلك في آلاف الوديان والحوطات التي يملكها السكان العرب الرحل والمستوطنون على حد سواء، حيث أُجبروا على الحفاظ على البساتين للقبائل وتسليم المحاصيل لأصحابها.

وكان أحد الأسباب الأساسية لهذه الزيادة المفاجئة تحرك بعض القوى الغربية لقمع تجارة الرقيق، من غرب إفريقيا إلى أميركا الشمالية والجنوبية عبر المحيط الأطلسي في أوائل القرن التاسع عشر. حيث حُظِر استيراد الرقيق من إفريقيا وخصوصًا تلك التي كانت تتم عبر المحيط الأطلسي، مما أدى إلى اضمحلال أسواق الرقيق المحلية في القارة الأميركية. 

كانت تجارة الرقيق قوة مدمرة في المناطق التي استعبد فيها الناس وأُجبِرت المجتمعات إما على العبودية أو الاستعباد. واستمدت النخب المسلمة والمعربة في المجتمعات عبر بلاد السودان التاريخية في غرب إفريقيا والإقليم السواحلي في شرق إفريقيا – قوتها من خلال استعباد جيرانهم واستمروا في ذلك، من خلال الاعتماد على أسواق الرقيق المربحة في كل من أوربا والعالم العربي.

مجموعة من الأطفال المستعبدين يظن أنها في عدن / Wikimedia

ازدهار تجارة المستعبدين

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أدى العرب من شبه الجزيرة وأطفالهم المولودون في إفريقيا دورًا مهمًا في استعباد كثير من السكان المحليين. وفي وقت متأخر من تسعينيات القرن التاسع عشر، توغل التجار العرب في عمق الكونگو، واشتبكوا مع البلجيكيين الذين كانوا يحاولون استعمار المنطقة. وأدى ذلك الى اندلاع الحرب الكونگولية العربية 1892-1894.

كما قام عرب شبه الجزيرة بدور ريادي في تهريب النساء والأطفال الإفريقيين المختطفين بادعاء أنهم ملكهم عند الدخول والخروج من الموانئ، قبل بيعهم في شبه الجزيرة. وحتى في مدينة زنجبار الحجرية نفسها (الميناء الرئيس لتصدير المستعبدين من شرق إفريقيا إلى شبه الجزيرة)، منع الآباء العرب أطفالهم المولودين من أمهات أفارقة من مغادرة منازلهم بعد اختطاف العديد من الأطفال ذوي البشرة الداكنة من العوائل العرب الغنية وبيعهم للاسترقاق.

هناك العديد من المناطق الأخرى في جميع أنحاء إفريقيا التي تأثرت من زيادة الطلب في السوق على المستعبدين في العالم العربي. ولكن يكفي القول إن الرق في العالم العربي على مدار القرن التاسع عشر قد تحول بشكل شبه حصري إلى تجارة ذوي البشرة السوداء. وترجع هذه الزيادة إلى أن العالم العربي أصبح بشكل متزايد جزءًا من الاقتصاد العالمي بصفته مستهلكًا ومنتجًا، أي أن الدائرة الاقتصادية من الزيادة في العرض والطلب قد اكتملت أركانها. 

دور المستعبدين في اقتصاد الخليج 

وعلى مدى سنوات شاعت فكرة فحواها أن أنظمة الاستعباد للأفارقة بغرض الإنتاج الاقتصادي لم تكن موجودة في العالم العربي. حيث إن المستشرقين في الماضي -بالإضافة إلى العديد من المؤرخين المعاصرين- واصلوا تعريف العبودية في العالم العربي على أنها ذات طبيعة استهلاكية، وأن الأغنياء كانوا يستهلكون المستعبدين كسلعة للحفاظ على ثروتهم والخدمة في منازلهم، ولم يستخدموهم في الإنتاج أو الأغراض الاقتصادية. وهنا يقع الخطأ التاريخي.

إذ اشتغل المستعبدون في شبه الجزيرة العربية في عدد من المهن التي كانت تدرّ دخلًا اقتصاديًا على منطقة الخليج بشكل عام. ففي مزارع التمر في شرق الجزيرة العربية، كان الأفارقة المستعبدون مسؤولين عن ري البساتين، وتلقيح النخيل، والحفاظ على المزارع، وحصاد التمور وتعبئتها، وتحميلها على السفن المتجهة إلى أوربا وأميركا الشمالية. 

وداخليًا عبر نجد والحجاز والأحساء، اعتمدت المجتمعات الحضرية والبدوية على العمالة المستعبدة -وبعد ذلك أحفادهم المحررين- في الإنتاج الزراعي وعلى وجه الخصوص عبر الواحات الموبوءة بالملاريا. ويظهر هنا كيف سمحت العمالة المستعبدة لمنطقة الخليج بأن تصبح المصدر الرئيس لإنتاج التمور عالميًا. كما يظهر دور العمالة المستعبدة في صناعة اللؤلؤ في الخليج والبحر الأحمر، حيث أصبحت المنطقة المصدر الرئيس عالميًا للآلئ حتى عشرينيات القرن الماضي.

انهيار سوق عمل المستعبدين 

أدت عوامل خارجية إلى انهيار سوق الصناعات التي اشتغل بها المستعبدون. فعلى مدار القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، يشير المؤرخ ماثيو هوبر إلى أن ما يصل إلى 800,000 من الأفارقة ذوي البشرة السوداء دخلوا شبه الجزيرة العربية مستعبدين، نظرًا للطلب الذي شكلته تلك الصناعات المزدهرة. ولكن في نفس الحقبة الزمنية وفي عام 1916 على وجه الخصوص في اليابان، أُنتِج اللؤلؤ صناعيًا بنجاح، وكانت العملية أرخص وأقل مشقة من عملية الغوص للحصول على اللؤلؤ الطبيعي، وهي المهنة التي كان المستعبدون يمارسونها بشكل كبير. 

أما بخصوص تجارة التمور، ففي عشرينيات القرن العشرين، بدأت تجارة التمر في جنوب كاليفورنيا وارتكزت على أشجار النخيل المستوردة من شبه الجزيرة العربية والعراق التي اُستزرِعت هناك. وأدى انهيار تلك الصناعات بالإضافة إلى الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، كما يقترح هوبر، إلى ضياع ثروات مالكي العبيد في المنطقة، حيث أصبح مستوى دخلهم قريبًا جدًا من مستوى دخل مستعبَديهم. ومع ذلك، استمر نظام الولاية فعليًا على إقامة روابط غير متكافئة، اجتماعيًا واقتصاديًا، بين المستعبدين السابقين وأسيادهم.

إرث العبودية 

ما زال إرث العبودية -في حد ذاته بصفته مؤسسة تنطوي على تسلسل هرمي للقيم الإنسانية والحياة حتى بعد الإلغاء- مستمرًّا في نواح كثيرة في حياتنا. لا شك في أن المجتمع العربي المعاصر يربط «العبودية»‎ باستعباد ذوي البشرة السوداء، ويظهر ذلك بوضوح في التحقير العرقي باستخدام لفظي «عبد»‎ و«خال»‎ المرتبطيْن بالرق. حيث إنه حتى بعد إلغاء العبودية «… استمر أحفاد الرقيق السابقين في مخاطبة أحفاد أسيادهم بلفظ «عم»‎، وأشار إليهم أحفاد الأسياد بلفظ «خال»‎، وتشير المصطلحات إلى التعالي والخضوع على التوالي‎».

من المثير للسخرية أنه في مجتمع يدعي عدم التفريق على أساس لون البشرة، لا يوجد إلا صورة نمطية واحدة مرتبطة بلون البشرة. على سبيل المثال لا الحصر، لا يقال عن ذوي البشرة الحنطية أو القمحية إنهم «كسالى» أو ذو طبع «أرعن». كما ليس لدينا مصطلح للأشخاص المنحدرين من الجواري «البيض». ومع ذلك، فقد تُخيِّل «السود» و«الخوال» وصُنِّفوا إلى فئات محددة، هم «الآخر» المتماثل ولكن «المختلف» بشكل وجودي إلى حد ما. يعيش في البلد ولكن ليس منها، فوي القبيلة ولكن ليس منها، وفي الأسرة، ولكن ليس منها. معنا -في تاريخنا- ولكن مغيبون.

وصف الأكاديمي والناقد إدوارد سعيد الاستشراق بأنه إنتاج ثقافي أوربي يمثل انعكاسًا لقلق أوربا، وليس تصورًا دقيقًا لشعوب «الشرق». وأولئك الذين يجادلون بعدم وجود عنصرية معادية لذوي البشرة السوداء في المجتمعات العربية المعاصرة، لن يشككوا أبدًا في العنصرية الحقيقية التي كشف عنها عمل سعيد. ومع ذلك، فهذه العنصرية المعادية لذوي البشرة السوداء في منطقتنا اليوم تعكس مخاوفنا الخاصة، وهي ليست تصورًا دقيقًا أو ذا صلة بالأشخاص الموصوفين.

عقدة العرق النقي

ومن المهم الإشارة إلى أن وجود الأشخاص ذوي البشرة السوداء في شبه الجزيرة العربية ليس من تبعات العبودية فحسب. حيث وُثِّق وجود الأشخاص ذوي البشرة السوداء والسكن على الطراز الإفريقي في تهامة منذ العصور القديمة. وهذا أمر منطقي إذا تذكر المرء أنه قبل بناء قناة السويس وفصل شبه الجزيرة العربية عن القارة الإفريقية، اتصلت الصحراء الكبرى‎ بصحراء النفود وصحاري شبه الجزيرة، لتشكل عالمًا صحراويًا مستمرًا من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي. عالم صحراوي ورحلي يتجاهله التاريخ الموثق والمُحتفَى به للمدن والموانئ العربية.

وبالمثل، تعود التجارة والهجرة والزواج بين جنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الإفريقي إلى آلاف السنين، سواء داخل سياق الرق أو خارجه. فمنذ بداية التاريخ المسجل حتى اليوم، اندمج الحجاج والتجار من القارة الإفريقية في مجتمعات شبه الجزيرة وتزاوجوا فيها.

ومع ذلك، تتجلى المخاوف التقليدية بشأن نقاوة الدم من خلال الاستخدام المستمر لعبارات مثل «عبد» أو «خال» دليلًا واضحًا ضد ادعاءاتهم. الاعتقاد بأن هناك فئة متجانسة من «العبيد» أو «الخوال» -أو في الواقع مفهوم «السود» (بصفتهم مجموعة واحدة)- لا يمكن أن يظهر إلا في مجتمع يجهل تاريخه أو يقلق منه، أو من مجتمع غير آمن من نفسه.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×