اطّلع على كل ما ننشره عن جائحة كورونا وأثرها على الوطن العربي
غناوة: موسيقا الروح والأرواح وقصة عبودية

غناوة: موسيقا الروح والأرواح وقصة عبودية

لمحمد الخضيري
11 مارس، 2020

أدرجت منظمة اليونسكو موسيقا غناوة المغربية في قائمتها العالمية للتراث الإنساني غير المادي. ولعل مبادرةً شبيهة تفتح الآفاق لدراسة والحفاظ على أكبر فن وُلِد من رحم معاناة العبودية قبل أن يصبح تراثًا روحيًا وصوفيًا تُخصَّص له المؤتمرات والمهرجانات، ويظل أبرزها مهرجان مدينة الصويرة في المغرب.

تشاء حكاية من الأساطير عن موسيقا غناوة أن تجعل من الآلات المستعملة في الموسيقا الروحية استعارةً للرحلة الطويلة من سواحل إفريقيا الغربية إلى المدن الساحلية المغربية حيث كان العبيد يصِلون.

في الأسطورة يصبح “الكَمْبْرِي” وهو آلة وترية مصنوعة من الجلد الذي يلف جذعَ شجرةٍ محفور استعارةً لبنية السفن التي حملتهم في رحلتهم الطويلة إلى المغرب الأقصى. أمّا “القْرَاقْبْ” وهي نوع من الصنوج المعدنية، فتُضحي استعارةً لإيقاع الأصفاد الحديدية التي كانت تحرمهم من أرضهم وهويتهم وتدخلهم عالم العبودية.

لكن خلف هذه الحكاية مجهولة الهوية عن أصل الموسيقا الشائعة في المغرب والجزائر، ثمة فراغ بحثي كبير بحكم أنها ارتبطت لقرون بجماعات مهمّشة من طرف المجتمع وخارجه، ومن اهتمامات الثقافة “العَالمِة” التي كانت تعدها ثقافة فرعية أدنى من ثقافة السلطة وضمن ما يعرف بـ”الإسلام الشعبي”. ويعود هذا إلى أن موسيقا غناوة لها طقوس هي مزيجٌ من عادات إفريقية تعود إلى الممارسات الإحيائية والثقافة الإسلامية في شقها الصوفي، وارتبطت بتطورات المجتمع في المغرب على مرّ القرون.

خلف هذا التاريخ الطويل والمتشعب للموسيقا والثقافة، لم تبدأ أولى مغامرات الدراسات العلمية لها إلا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع باحثين فرنسيين وغربيين بالأساس، لترسم ولو جزءًا يسيرًا من تراث يشكل رافدًا من أهم روافد التعدد الثقافي للمغرب ورابطًا مع هويته الإفريقية. فاليوم توجد زوايا غناوية (الطوائف الصوفية) في مجمل مدن المغرب القديمة ومن أعضائها أمازيغ وعرب أيضًا. وينبغي أن نشير إلى أن هذا المقال يركز على الشق المغربي من ظاهرة موسيقا غناوة التي لها حضور بارز في الجزائر أيضًا على الرغم من الاختلافات الطفيفة بين البلدين.

من هم غناوة؟

منذ بدايات القرن العاشر تسارعت حركة قوافل التجارة العابرة للصحراء الكبرى، خصوصًا مع تأسيس دول قوية في المغرب الأقصى تحولت إلى إمبراطوريات كالموحدين والمرابطين. وربطت هذه التجارة بين شمال إفريقيا ودول جنوب الصحراء التي كانت حينها تعرف ببلاد السودان (وهي اليوم دول السنغال ومالي وغينيا…). وإن كانت القوافل تحمل مواد مُصنّعة كالنسيج والأواني والأسلحة والبهارات، فقد كانت تعود محملة أساسًا بالذهب والعبيد!

الصورة من فليكر

استمرت ظاهرة تجارة الرق إلى نهاية القرن التاسع عشر، وجلبت معها عبيدًا ينتمون إلى قبائل ومناطق جغرافية مختلفة. فالمنتمون إذن إلى غناوة لا ينتمون إلى قبيلة أو لغة واحدة، لكنهم حملوا معهم العديد من الممارسات الضاربة في عمق الهوية الإفريقية، وفي عادات المعتقدات الإحيائية (Animism) التي تؤمن أن لعناصر العالم أرواحًا تحمي البشر كما قد تكون سببًا في مآسيه، ثم مزجوها مع الثقافة المحلية لتعطي ثقافة جديدة هي ثقافة غناوة.

في كتاب الباحثة الإيطالية فيفيانا باك “الشجرة الكونية للثقافة الشعبية والحياة اليومية للشمال الغربي لإفريقيا”، تذهب إلى “أن هذه الشعوب عاشت إلى جنب بعضها البعض، وامتزجت وتساكنت فيما بينها”، وأن ثقافة المكون الاجتماعي الجديد لم تواجه صعوبة كبيرة في أن تخلق امتدادًا لهويتها الأولى داخل ثقافة إفريقيا الشمالية الإسلامية وتساهم في خلق هذا “المزيج”.

اختلط الوافدون الجدد إلى المغرب مع سكانه إذن، ويجب الإشارة هنا إلى أن من ضمن سكان المغرب قبائل أمازيغية محلية سوداء البشرة ضاربة في عمق تاريخ البلد. وهذا يؤكد أن غناوة ليست موسيقا أو ثقافة مرتبطة بإثنية أو دين أو لغة معينة، وإنما هي في آخر المطاف وبعد كل هذه القرون رافدٌ للعديد من التأثيرات ومن ضمنها التأثيرات المحلية.

بعد العمل في الحقول وفي أعمال السخرة وتشييد القصور وكل المآسي التي أدى إليها تاريخ الرق إضافة إلى النظرة الدونية التي نظر بها المجتمع المحلي لهذا “الآخر” الذي لا ينتمي كليًا إلى المنطقة بحسبهم، عمل العبيد أيضًا في بلاط السلاطين وفي الإدارات وبيوت كبار موظفي الدولة، وأصبحوا المكون الأساسي لجيوش سلطانية وفاعلًا سياسيًا في فترات من التاريخ.

لم يكن هذا البناء التدريجي مختلف الإيقاع لموقع السود المغاربة داخل البنية الاجتماعية سهلًا ولا متناسقًا وفق الحقب التاريخية. ومع اختلاف مصائر الأفراد والجماعات، تطورت تدريجيًا الطوائف والزوايا والممارسات التي تبدو ثقافة غناوة أبرزها، فقد جمعت بين ثقافتهم الإسلامية الجديدة بحكم أن غالبيتهم اعتنقوا الإسلام، وإيمانهم بعالم خفي تسكنه الأرواح والجن ويلزم التحكم فيه وتجنب عواقبه عبر طقوس جد معقدة تجمع الغناء بالرقص وبالجذبة (الشطح الصوفي)، ويقوده المعلم أو المقدم الذي يقود الفرقة الموسيقية في إحياء الطقوس الغناوية.

موسيقا وتصوف

بعد مخاض طويل وعسير، أصبح لموسيقا غناوة شكل واضح وطريق صوفية لها أتباعها الذين يعلنون انتماءهم إليها وإلى طقوسها. وينتمي الأفراد في تاريخ التصوف في الغرب الإسلامي إلى طائفة يؤسسها شيخ عالم ويصبح أحفاده وقبره مركزًا لها، لكن غناوة أحدثوا اختراقًا في هذا الفكر الصوفي كما تقول الباحثة في جامعة باريس الثامنة زينب مجدولي في مقال عن تاريخ الظاهرة وارتباطها بالمعتقدات الدينية. ويعلن غناوة أن مرجعهم وقطبهم هو الصحابي بلال، لكنهم في الممارسة اليومية يزورون أولياء مختلفين بحسب المناطق التي ينتمون إليها، وينظمون مواسمهم وطقوسهم داخل أسوار أضرحة هؤلاء الأولياء. إن هذه القرابة الروحية مع الصحابي أسود البشرة تمر أيضًا عبر اللون، وتجعل منهم رافدًا داخل “الأمة” التي أقصت في جزء من تاريخها المكونَ الأسود، وتعطي شرعية داخل المؤسسة الدينية.

اليوم وداخل الزوايا الغناوية، تقام ما تعرف بـ”الليلة” التي يكون فيها الذكر والدعاء والموسيقا جزءًا للانعتاق من الشرور، لكنها أيضًا للحماية من الأرواح الشريرة. ولغناوة سبعة ألوان تشكل طيفًا قزحيًا يمثل الملوك السبعة (وهي أرواح أو جن)، وكل ملك له لونه الخاص، وكل عضو في الجماعة يدخل خلال فترة “التعلم” الشطح الصوفي مع ظهور لون معين ويصبح له ملكه الخاص الذي “يستبد بروحه” كل ما أتى ذكره في الحضرة الغناوية الصوفية. والألوان السبعة هي الأبيض والأسود والأزرق والأحمر والأخضر والأصفر والبنفسجي.

تقام الليلة الغناوية داخل زوايا دينية توجد بين أسوار المدن العتيقة في سائر المدن المغربية. وتبدأ الليلة بتلاوة الفاتحة وأدعية تطلب المغفرة، ويردد المنشدون: “العفو يا مولانا، يا ربي، يا الله” ثم يتزايد الإيقاع قبل أن يأتي المشاركون في الليلة على ذكر الشهادة “الله، يا رسول الله، أشهد ألا إله إلا الله، يا محمد يا رسول الله”، كما يحكي الباحث الأنثربولوجي عبدالغني مغنية في مقال عن “رمزية ألوان قوس قزح لدى غناوة مدينة الصويرة”. ويلاحظ الباحث الذي يحضر الليلة أن الطقس سرعان ما يذهب في جزء أبعد من الليلة إلى ذكر كلمات تعود إلى اللغات الإفريقية القديمة التي يجهل الراقصون أصولها لكنها محفوظة في الذاكرة. وكما يخصص جزء من الليلة إلى تعديد مناقب الشرفاء وهم أقارب النبي محمد وصحابته، يذهب في جزء آخر إلى الحديث عن أرواح الغابات والخدم وهي أرواح نسائية يبجلها غناوة.

الصورة من فليكر

يقود المعلم (وهو قائد الفرقة الصوفية-الموسيقية) إيقاع الليلة وهو الذي يعزف على آلة الكمبري محددًا تحولات العزف والرقص. وفي كل خطوة من الليلة يبدو الخليط والهجين الثقافي رمزًا من رموز هذا الانفتاح الكبير للثقافة على معتقدات تستحضر ديانات قديمة رغم أنها أحدثت قطيعة عقائدية معها.

ويحضر ليالي غناوة أناس عاديون أو بسطاء، يرغبون في الحصول على “البركة” أو “التخلص من سوء الطالع” أو “الأرواح الشريرة” و”السحر” الذي يعتقدون أنهم تعرضوا له.

يستدعي كل مقام من هذه الليلة طريقته في الرقص والضرب على الطبول والصنوج والكمبري، وتُشعَل أيضًا روائح بخور مختلفة تدريجيًا، وألوان معينة وفق ما سبق ذكره، ويرتفع الإيقاع وينخفض وفق الحال التي يدعو إليها الملك.

كما أن كل لحظة داخل الليلة لها رمزية مختلفة، فذكر ملوك الغابة والعودة إلى العالم الحيواني يرمز إلى القيود التي يجب الانعتاق منها، وذكر الأرواح النسائية قد يحيل إلى “مامي واتا” أو الأرواح النسائية التي كان الأجداد يؤمنون بها في غرب إفريقيا. وتستمر الليلة إلى الساعات الأولى من الصباح، ويحمل الفجر أيضًا لحظة رمزية تشير إلى الخروج من الظلمات إلى النور.

وتختلف طريقة إحياء الليالي وطرق العزف نسبيًا بين مناطق البلاد باختلاف الطابع ما إن كان غرباويًا نسبةً إلى غرب البلاد، أم مرساويًا نسبةً إلى المدن الواقعة على ضفاف المحيط الأطلسي وخصوصًا الصويرة وآسفي.

وإلى يومنا هذا تقام مواسم كبيرة يأتي إليها مريدو هذه الموسيقا الصوفية ومن ضمنها موسم سيدي بلال في الصويرة، وموسم سيدي علي بن حمدوش في مكناس، و سيدي بلال الحبشي في طنجة.

نحو العالمية

في النصف الثاني من القرن العشرين أتى كثير من الكتاب والشعراء والمغنين والمؤلفين الغربيين البارزين لموسيقا الروك ليستقروا في المغرب، أو في زيارات خاطفة. واستقر بعضهم في مدينة طنجة أو الصويرة لأشهر طويلة، وكان هذا لقاؤهم الأول مع الموسيقا التقليدية المغربية بمختلف أنواعها ومن ضمنها موسيقا غناوة.

وبحكم قرابة غناوة الإيقاعية والصوتية مع الموسيقا التي وُلدت من رحم العبودية في الولايات المتحدة (الجاز والبلوز)، سرعان ما وجدت لها مكانًا في آذان هؤلاء الموسيقيين ومن ضمنهم جيمي هاندريكس، وجيمي بيج وروبرت بلانت (عضوا فرقة ليد زبلين)، وأيضًا عازف الجاز بيل لاسويل الذي دعا أكثر من معلّم غناوي ليشارك في أعمال له تمزج صنفيْ الجاز وغناوة. وبهذا استطاع فن غناوة أن يجد له موضع قدم أخيرًا في الموسيقا العالمية في إطار موسيقا المزج (Fusion) أو ما يسمى بموسيقا العالم (World Music).

منذ سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي اهتم الكاتب والمؤلف الموسيقي الأميركي بول بولز بالموسيقا الشعبية المغربية، وأنجز تسجيلات صوتية للعديد من المغنين والفرق التقليدية بدعم من مكتبة الكونگرس الأميركية في نهاية الخمسينيات. ورغم أنه سجل الكثير من الموسيقا الأمازيغية التقليدية، إلا أنه لم يغفل عن تسجيل موسيقا غناوة التي حضر إحدى لياليها مباشرة بعد وصوله إلى المغرب في سنوات الثلاثينيات.

ورغم هذا الاهتمام المبكر في القرن العشرين بموسيقا غناوة، إلا أنها لم تشهد طفرة نوعية إلا انطلاقًا من تسعينيات القرن الماضي. وربما كانت تجربة راندي ويستون الذي استطاع عام 1992 أن يجمع ثلة من معلمي غناوة في ألبوم “The Splendid Master Gnawa Musicians of Morocco” من أبرز تجارب نشر موسيقا غناوة في العالم الغربي. وفي عام 2006 اجتمع مجموعة من أبرز معلمي موسيقا غناوة الذين اشتهروا على نطاق واسع مع بداية الألفية الثالثة، ليسجلوا ألبوم “Gnawa Home Songs” الذي يمتد لساعة داخل الزاوية الجزولية في منطقة تمصلوحت قرب مراكش وهي إحدى الزوايا التي احتضنت هذه الموسيقا على مر التاريخ، وكان من ضمن المعلمين الذين شاركوا في إنجاز هذا الألبوم حسن بوسو وعبدالكبير مرشان وحميد القصري.

الصورة من موقع طنجة 24

ورغم أن لجوء الكثيرين من مغني ومؤلفي الموسيقا العالمية إلى غناوة يشير إلى هجين جديد وتحولات قد ترسخها في الساحة الموسيقية الدولية، فإن المخاوف قائمة من أن يختفي هذا الإرث تدريجيًا بسبب التحولات التي يقول البعض، ممن يحبذون الحفاظ على شكل غناوة الأصيل، إنها قد تقضي على طابعه وبصمته وإرثه.

ولعل هذا يظهر ولو بشكل من الأشكال من خلال خروج غناوة أكثر فأكثر من دائرة الممارسة الصوفية والإسلام الشعبي إلى الساحات والمهرجانات، وإذابتها في نوع من الفولكلور الراقص الذي لا يمت إلى التفاصيل التقليدية للفن بصلة، رغم أن ظاهرة الخروج من أسوار الزوايا قديمة بعض الشيء، فقد كان من يتقنون العزف ولا يحملون لقب معلم ولا ينتمون إلى أي زاوية يغنون في الأسواق وفي ساحات المدن للحصول على بعض الرزق.

منذ عام 1998 يقام مهرجان لموسيقا غناوة في مدينة الصويرة المغربية استطاع أن يدعو مئات المغنين البارزين، وأن يخلق دينامية في مجال موسيقا غناوة ويحافظ على تقاليدها في المغرب، ويرتاده سنويًا عشرات الآلاف من عشاق الموسيقا من المغرب وخارجه. وبعد نضال طويل لفاعلين ثقافيين مغاربة وأجانب، أدرجت اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) فن غناوة ضمن قائمة التراث غير المادي للإنسانية في ديسمبر عام 2019. إنه حدثٌ قد يعطي للموسيقا حياةً جديدة ويحافظ عليها من الاندثار التدريجي، فغناوة أكدت على أن الموسيقا يمكن أن تكون مكان لقاءٍ للثقافات والحضارات.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×