الاستعمار اللغوي: من مذكرات أديب كيني

الاستعمار اللغوي: من مذكرات أديب كيني

لمازن العتيبي
10 يناير، 2019

في عام 1967، كان الكاتب الكيني جيمس نگوگي (James Ngugi) يعتبر أحد أهم الكتّاب الإفريقيين، وهو لم يدخل الثلاثين بعد. كانت قد نشرت له مسرحية وثلاث روايات. روايته الأولى التي كتبها وهو لا يزال في الجامعة، “لا تبكي يا طفل”، كانت أول روايةٍ باللغة الإنگليزية تصدر من شرق إفريقيا، وأظهرته مباشرةً كاسمٍ إفريقي أدبي لامع. ورواياتاه التاليتان عززت من وجوده على الساحة الأدبية العالمية، حيث تعتبر روايته الثالثة، “حبة من قمح”، أحد أفضل الأعمال التي أصدرتها القارة السمراء.

إلا أن كلها هذا النجاح لم يكن كافيًا لجيمس نگوگي.

جيمس نگوگي

كاتب كيني، كان يكتب بالإنگليزية، واتجه الآن إلى الكتابة بلغته القومية ونقد الاستعمار اللغوي. كتب الرواية والمسرحية والقصة القصيرة، كما كتب مقالات أدبية واجتماعية، وكتب في أدب الطفل.

قبل أن ينتهي عام 1970، غيّر نگوگي اسمه من جيمس نگوگي إلى نگوگي وا ثيونقو (Ngugi wa Thiong’o)، معلنًا أنه يرفض اسمه -وديانته- الاستعمارية. في عام 1977 عاد نگوگي بروايته الرابعة، “بتلات دم”، معلنًا أنها روايته الأخيرة التي يكتبها بالإنگليزية، وهي اللغة التي أطلقته إلى العالمية.

بدأ بعدها نگوگي في كتابة الروايات والمسرحيات بلغته الأم، الگيكويوية (Gĩkũyũ)، بينما استمر في استخدام اللغة الإنگليزية في مقالاته النقدية. ثم في عام 1986، أصدر نگوگي كتابه الأشهر  في نقد الاستعمار اللغوي ، تحرير العقل من الاستعمار: سياسة اللغة في الأدب الإفريقي.

في هذا الكتاب يودّع نگوگي الكتابة باللغة الإنگليزية، معلنًا أنه آخر عمل نقدي يكتبه بهذه اللغة كما فعل مع الأعمال الروائية من قبل. يبرر نگوگي قراره هذا بين طيات الكتاب، ويشرح الاستعمار اللغوي وعلاقته المتوترة مع لغة المستعمر، ولغته الأم.

مقطع من الباب الأول، بعنوان “لغة الأدب الإفريقي”:

كنت قد ولدت لعائلة ضخمة من الفلّاحين: أبٌ، وأربعة زوجات، وحول ثمانية وعشرين طفلًا. كذلك كنت انتمي، كما انتمينا كلنا في تلك الأيام، لعائلة أضخم من الأقارب، وللمجتمع ككل.

كنا نتحدث بالگيكويوية أثناء عملنا في الحقل. كنا نتحدث بالگيكويوية داخل وخارج المنزل. أستطيع أن أتذكر بوضوح ليالي السمر وحكاية القصص حول النار. كان البالغون من يحكي القصص للأطفال، لكن الجميع كان مهتمًا ومشاركًا. نحن الأطفال كنا نعيد حكاية تلك القصص للأطفال الآخرين الذين عملوا في الحقل يحصدون الأزهار وأوراق الشاي حبوب البُن لمالكي الأرض الأوربيين، والإفريقيين.

تلك القصص، والتي كان أبطالها غالبًا من الحيوانات، كانت تُحكى بالگيكويوية. الأرنب البري، بفطنته ودهائه رغمًا عن حجمه الصغير الضعيف، كان بطلنا. رأينا أنفسنا فيه وهو يصارع ضد الحيوانات المفترسة، كالسّباع والنمور والضباع. انتصاراته كانت انتصاراتنا، ومنه تعلمنا أن من يَظهرون كضعفاء يستطيعون التغلب بذكائهم على الأقوياء. رأينا تلك الحيوانات تُعاني مع عداوة البيئة، قحط ومطر وشمس ورياح، معاناة كانت تجبرهم غالبًا على إيجاد طريقة للتعاون. إلا أننا كنا مهتمين أيضًا بمعاناتهم بين أنفسهم، بالعلاقة بين المفترسات والفرائس. هاتان المعاناتان التوأميتان، مع الطبيعة ومع الحيوانات الأخرى، كانت تعكس أنواعًا حقيقية من المعاناة في العالم البشري.

ماذا عن البشر؟

حبنا لقصص الحيوانات لا يعني أننا تجاهلنا القصص التي كان أبطالها بشرًا. كان هناك جنسان من البشر في تلك القصص:

  • جنس البشر المثاليين، أولئك الشجعان الطيبون الراحمون الكارهون للشر.
  • وجنس البشر الأشرار، أولئك الجشعون الأنانيون المتفردون الكارهون لكل ما يفيد المجتمع المتعاون.

وكان التعاون دائمًا هو أكمل أنواع الخير للمجتمع في تلك القصص. يستطيع التعاون أن يوحد البشر والحيوانات ضد الغيلان والمفترسات، كما في قصة الحمامة التي التهمت حبوب خروع سامة ثم أُرسلت لتنادي حدادًا يعمل في قرية بعيدة عن منزله، ليعود ويجد زوجته الحامل مهددةً من قبل غيلان لها فمّان.

كان هناك رواة قصص جيدون، ورواةٌ سيئون. الراوي الجيد يستطيع أن يحكي نفس القصة مرارًا وتكرارًا، وسنسمعها دائمًا بحماس المرة الأولى. الراوي الجيد يستطيع أن يحكي قصة شخص آخر ويجعلها أكثر حيويةً وتأثيرًا. كانت الاختلافات بين الجيدين والسيئين كامنةً في استخدامهم للكلمات والصور، وطريقة تغيير صوتهم واستخدامهم لنغمات مختلفة.

وهكذا تعلمنا أهمية الكلمات ومعانيها وتأثيراتها. اللغة لم تكن فقط سلسلةً من الكلمات، بل كان لها قوة إيحائية تتخطى التأثير المباشر والمعنى الحرفي. تقديرنا لقوة الإيحاء السحرية للغة تضخّم بألعاب الكلمات التي كنا نلعبها، كالأحاجي والأمثال والأغاني العبثية التي لم يكن لها أي معنى سوى أن صوت الكلمات فيها جميل. هكذا تعلمنا موسيقا لغتنا كما تعلمنا معانيها. اللغة، من خلال صورها ورموزها، أرتنا العالم، وكانت جميلة بحد ذاتها.

انكسر هذا التناغم

كان المنزل والحقل إذن مدرستنا قبل المدرسة. كانت لغة تعليمنا القصصي الليلي، ولغة عائلتنا المقربة ومجتمعنا الواسع، ولغة عملنا في الحقول، لغةً واحدة.

ثم ذهبت إلى المدرسة، مدرسة المستعمر، وانكسر هذا التناغم. لغة تعليمي لم تعد هي لغة ثقافتي.

كنت في البداية قد ارتدت المدرسة المسيحية في كاماندورا، ومن ثم ارتدت مدرسة مسيحية أخرى في ماناقو، كان يديرها مجموعة وطنية تشكلّت لأجل تحرير الكيكويو (Kikuyu)، واتحاد مدارس الكارينقا. كانت الگيكويوية لا تزال لغة التعليم الرسمية وقتها. أول مديح تلقّيته لكتابتي كان لقطعة بالگيكويوية. لهذا في السنوات الأربع الأولى كان هناك تناغم بين لغة تعليمي الرسمي ولغة مجتمعي الفلّاح الفقير.

لكن بعد أن أعلنت حالة الطوارئ في كينيا عام 1952، استولى الكيان الاستعماري على كل المدارس التي كانت تديرها المجموعات الوطنية، وأصبح المسؤول عن هذه المدارس مجالس تعليمية يديرها الإنگليز. صارت الإنگليزية لغة تعليمي الرسمي. وفي كينيا، لم تكن الإنگليزية مجرد لغة، بل أصبحت هي اللغة، وكل اللغات الأخرى كان عليها أن تركع أمامها.

الاستعمار اللغوي

إحدى أكثر التجارب إهانة كانت أن يراك أحد تتحدث الگيكويوية بالقرب من المدرسة. المجرم كان يُعاقب بثلاث أو خمس ضربات عصا على مؤخرته العارية، أو يعاقب بحمل قطعة معدنية حول عنقه كُتب عليها أشياء مثل “أنا أحمق” أو “أنا حمار”. أحيانًا كان المجرم يُغرّم غرامةً بالكاد يستطيع تسديدها. وكيف كان يقبض المعلمون على المجرم؟ كانوا يعطون زرًا لأحد الطلاب في بداية اليوم، وعلى هذا الطالب أن يعطي الزر لأي شخصٍ يتكلم لغته الأم، نفس الشيء يُطلب من الشخص الذي يتلقى هذا الزر بعده.

يتوجه المعلمون للطالب الذي يحمل الزر في نهاية اليوم، وسيخبرهم من أعطاه إياه، وهكذا دواليك حتى يقبضوا على جميع مجرمي ذلك اليوم. وهكذا تحوّل الطلاب إلى صائدي ساحرات، وبنفس الوقت تم تعليمهم لأي قدر كانت خيانة مجتمعهم مربحة.

أسلوب المدرسة نحو الإنگليزية كان العكس بالضبط. أي إنجاز في الحديث بالإنگليزية أو كتابتها كان يكافئ بحفاوة، جوائز واحترام وتصفيق ورفع إلى مرتبة أعلى. أصبحت الإنگليزية مقياس الذكاء والقدرة على النجاح في الفنون والعلوم وكل فروع التعلّم الأخرى. أصبحت الإنگليزية المُحدد الوحيد لتقدّم الطفل في سلّم التعليم الرسمي.

الاختبار الإفريقي الأوّلي لكينيا

وكما تعلمون، بالإضافة إلى عنصرية نظام التعليم الاستعماري العرقية، كان النظام مبنيًا كهرم. قاعدة واسعة للتعليم الابتدائي، فوقها منطقة أضيق للتعليم الثانوي، وفي القمة منطقة ضئيلة للتعليم الجامعي. اختيار من ينتقل من الابتدائية إلى الثانوية كان يتم عن طريق اختبار، في وقتي كان اسمه الاختبار الإفريقي الأوّلي لكينيا. في هذا الاختبار كان عليك اجتياز ستة أبواب من الرياضيات إلى العلوم الطبيعية إلى اللغة السواحيلية الكينية، وكل هذا الأبواب كانت مكتوبةً باللغة الإنگليزية.

لا أحد يستطيع أن ينجح في الاختبار إذا ما فشل في اللغة الإنگليزية، مهما كانت درجاتهم عبقريةً في كل الأبواب الأخرى. أتذكر أحد الطلاب الذين كانوا في صفي عام 1954م، كان متميزًا في كل المواد ما عدا الإنگليزية التي سقط فيها، وهكذا سقط في الاختبار كله. تحوّل بعدها إلى قائد حافلة. أما أنا الذي بالكاد اجتزت كل المواد ما عدا الإنگليزية التي كنت متفوقًا فيها، حصلت على مقعد في ثانوية الاتحاد، إحدى أكثر المدارس الإفريقية نخبويةً.

الإنگليزية هي الطريق

متطلبات مقعد في جامعة ماكيريري كانت مشابهة إلى حد ما. لا أحد يستطيع أن يرتدي معطف التخرج الأحمر، حتى لو كان عبقريًا في كل المواد الأخرى، إلى إذا تفوّق في الإنگليزية -النجاح فقط لم يعد يكفي-. وهكذا كانت أفضل المقاعد في الهرم، وفي النظام كله، متوفرةً فقط لمن يحمل تلك البطاقة الائتمانية المسماة “اللغة الإنگليزية”. كانت الإنگليزية هي الطريق الرسمي، والوصفة السحرية، لأن تكون من النخبة الاستعمارية.

تأثّر التعليم الأدبي باللغة المسيطرة، مساهمًا كذلك في تعزيز السيطرة بفضل الاستعمار اللغوي. توقف تعليم الأدب الشفهي باللغات الكينية. في المدرسة الابتدائية قرأنا روايات ديكنز وستيفينسون المبسطة بالإضافة لأعمال رايدر هاگارد. جيم هاوكينز وأوليفر تويست وتوم براون أصبحوا رفاق مخيلتي اليوميين، لا الأرنب ولا السبع ولا النمر.

في المدرسة الثانوية قرأت المزيد من رايدر هاگارد. بالإضافة لجورد برنارد شو وجون بيوكان وآلان باتون والكابتن ويليام إيرل جونز. في ماكيريري قرأت الإنگليزية، من تشاوسر إلى تي إس إيليوت وشيءٍ من گراهام گرين.

وهكذا كانت اللغة، والقصص، تأخذنا شيئًا فشيئًا إلى أنفس أخرى غير أنفسنا. تنقلنا من عالمنا إلى عوالم أخرى.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×