لو تمحور العالم حول اللايكات: بين الفردانية والصراع الطبقي

هل تود أن تستمتع للمقالة صوتيًا على شكل محادثة؟
اشترك في بودكاست أرباع للاستماع لمقالات ثمانية في لقاءات حصرية مع كتّابه

حين أكملت مشاهدة أولى حلقات الموسم الثالث من مسلسل «بلاك ميرور» (Black Mirror) تحت عنوان «Nosedive»، لم أتمالك نفسي من مقارنة تفاصيلها مع ثامن حلقات الموسم الخامس من «كوميونِتي» (Community)، بعنوان «App Development and Condiments».

اللايكات والقبول الاجتماعي والهوية

اللايكات والقبول الاجتماعي والهوية 

تدور أحداث كلتا الحلقتين في عالمٍ إنستگرامي تتبوأ فيه اللايكات القيمة العليا محدّدة  هوية الأفراد وموقعهم داخل المنظومة الاجتماعية.

وتتطرق الحلقتان أيضًا إلى العلاقة بين موقع الفرد المبني على متوسط تقييمه والفرص أو الموارد المادية المتاحة له، أي للمميزات التي تتأتى للأفراد عطفًا على تقييمهم. ورغم كل التشابهات فيما بينهما، نجح «كوميونِتي» في تسليط الضوء على البعد الذي تجاهله «بلاك ميرور»: طبقية المنظومة ذاتها.

ففيما كان الصراع الطبقي أحد المحاور الرئيسة في «كوميونِتي»، مرّر «بلاك ميرور» سردية متلائمة مع أوهام جدارة الفرد مجردةً من أي إشكالات بنيوية.

يمكن اعتبار هذه السردية إشكالية لكونها تضليلية، إذ أنها تحصر الواقع على مستوى الحياة الفردية اليومية، فلا تزيل اللثام عما يكتنزه الواقع من إفرازات خلل المنظومة نفسها. تتناول حلقة «Nosedive» فكرة العلو والانحدار على السلم الاجتماعي دون نقد السلم بحد ذاته، وهذا ما يحدو بالحلقة إلى تكريس وهم كون الفرد المسؤول الأول والأخير عما تؤول إليه حياته وعن تحسين حظوظه وفرصه. 

على الجانب المقابل، نجحت حلقة «كوميونِتي» في تناول الفكرة الرئيسة نفسها، سوى أنها تجاوزت الإشكالات البنيوية الآنف ذكرها. ففي أحداث الحلقة، ارتبط العلو والانحدار الاجتماعيّان بمصالح الطبقات الخمس في الوقت ذاته الذي تحولت فيه الفروقات بين هذه الطبقات إلى فروقات بنيوية. بعبارة أخرى، تمكنت الحلقة من تقديم نقدٍ أكثر رصانة للعالم من خلال تسليط الضوء على البعدين الفردي والاجتماعي والعلاقة بينهما داخل المنظومة.

سأحاول في هذه المقالة تحليل الحلقتين من زاويتي بنيوية الأزمة والصراع الطبقي، بُغية تبيان ثمار توظيفهما بصفتهما أداتي تحليل فهم آلية عمل النظام. كما سأحاول تحليل بعض الثيمات الأخرى المرتبطة بجوهر العالمَين لئلا تُفهَم الزاويتان بمعزل عن بقية السياقات.

لكل فرد تقييم اجتماعي 

سماء صافية ومساحات خضراء شاسعة ومنازل أنيقة وموسيقا هادئة، هكذا يطل علينا المشهد الأول من حلقة «بلاك ميرور». تمارس ليسي باوند الجري ممسكةً بجهازها المحمول الذي يربطها بالشبكة.

تصادف أثناء جريها مجموعةً أخرى تركض ، فتتبسم في وجه رجلٍ ليُقيّم كل منهما الآخر في غضون لحظات في عملية اعتيادية. نكتشفُ حينها أن لكل فردٍ تقييمًا اجتماعيّا، وأن هناك تقنية مزروعة في عين كل فرد تخوله رؤية تقييم الآخرين بمجرد النظر إليهم.

لكل فرد تقييم اجتماعي

ومن المشهد الذي تتمرن فيه ليسي أمام المرآة على ضحكتها، نكتشف أن تقييمها الشخصي 4.2 نجمة من أصل خمسة. ونكتشف أيضًا أنها وشقيقها ريان يواجهان خطر الإخلاء من شقتهما لقرب انتهاء عقد الإيجار.

تمر المشاهد كاشفةً لنا هوس الأفراد بالتصنع والتزيف بغرض رفع تقييمهم أو الحفاظ على ارتفاعه. تقضي ليسي أغلب أوقاتها في مراقبة منشورات معارفها ومحاولة التعرف على نوعية المنشورات التي تمنح أصحابها تقييمات عالية من أجل محاكاتها.

يبين لنا هذا المشهد أهمية انصياع الفرد للرأي العام السائد كيلا يُعاقَب.

ثم نرى تشيستر زميل عمل ليسي (تقييمه 3.1) مقبلًا إليها بصينية ملأى بالعصائر العضوية يرجوها أخذ عصيرٍ هدية منه لها، تقبل ليسي الهدية؛ وما إن نكتشف أن انحدار تقييمه يعود إلى انفصاله عن گوردن واصطفاف الناس مع گوردن ضده، حتى تتلقى ليسي ثلاثة تقييمات منخفضة ومجهولة تبعًا لقبولها هدية تشيستر. يبين لنا هذا المشهد أهمية انصياع الفرد للرأي العام السائد كيلا يُعاقَب.

السعي وراء تقييمات عالية

تقع ليسي في غرام شقة جديدة عثرت عليها بمجمع سكني راق، لكن آمالها تتحطم ما إن تخبرها السمسارة عن تكلفتها، وتُطَمئنها أن هناك خصمًا مقداره 20٪ طالما استطاعت ليسي رفع تقييمها إلى 4.5.

تلجأ ليسي إلى شركة استشارية، ويخبرها المستشار أنها ستتمكن من بلوغ هذا التقييم بسرعة طالما سعت للحصول على تقييمات عالية من أصحاب هذه التقييمات.

التقييم الاجتماعي

تكتب ليسي منشورًا فيه صورة الدمية القماشية التي صنعتها مع صديقة طفولتها نعومي. تنجح الخطة ويبتسم الحظ لليسي لاحقًا حين تتصل نعومي بها وتدعوها لحفل زواجها، وتسألها ما إذا كانت ترغب في أن تكون  وصيفة الشرف لها وأن تلقي خطابًا أمام الحضور.

ولأنهم من ذوي التقييمات العالية، تقرر ليسي بذل كل ما بوسعها كي يكون الحفل والخطاب وسيلتيْ رفع تقييمها وحصولها على الخصم.

تتشاجر ليسي مع شقيقها حول الفوارق بين طموحاتهما. يصف ريان الشقق التي أعجبت بها ليسي بأنها «زنزانات ابتسامة زائفة»، وأن العالم الذي تطمح ليسي لبلوغه عالم مزيف ومليء بالنفاق والتملق والتصنع.

يقيّم كل منهما الآخر تقييمًا منخفضًا، ويضاف تقييم ريان إلى التقييمين المنخفضين الآخرين اللذين حصلت عليهما ليسي من سائق الأجرة الذي أقلّها وسائق الأجرة الذي ألغى الحجز أثناء الشجار.

ينخفض تقييم ليسي إلى 4.18، وتكتشف أن رحلتها أُلغيت بسبب ظروف الطيران وأن مقاعد الرحلة التي بعدها مشغولة بالكامل. تحاول ليسي بشتى الطرق إيجاد طريقة ما للصعود على الطائرة. تخبرها موظفة الخطوط أن هناك مقعدًا على قائمة الانتظار، لكن ليسي غير مؤهلة للحصول عليه بما أن تقييمها أقل من 4.2. 

تستشيط ليسي غضبًا وتبدأ باستخدام الألفاظ النابية، مما حدا بموظفة الخطوط إلى استدعاء رجل الأمن الذي يقرر فرض عقوبة مؤقتة على ليسي بسلبها نجمة كاملة لمدة 24 ساعة، ومن ثم ينحدر تقييم ليسي إلى 3.1. وعطفًا على انقطاع السبل، تقرر ليسي استئجار سيارة والمضي بنفسها.

العالم لعبة أرقام

العالم لعبة أرقام 

تتعطل سيارة ليسي لاحقًا، ولا وسيلة لبلوغ الجزيرة حيث يُقام حفل الزفاف إلا مع سوزان سائقة الشاحنة حاملة تقييم 1.8 نجمة.

تتبادل الامرأتان الأحاديث أثناء الطريق، وتكتشف ليسي أن سوزان كانت تحمل تقييم 4.6 قبل أن تفقد زوجها الذي فشلت كل محاولات التملق والتصنع في تأمين سرير علاجي له، إذ مُنح السرير الوحيد المتوفر لرجل آخر كان تقييمه أعلى بقليل من زوجها. وبعدها قررت سوزان عيش حياتها كما تشاء وألا تكترث نهائيًا للتقييم.

تتصل نعومي بليسي لاحقًا وتخبرها بألّا حاجة لحضورها الحفل نتيجة تقييمها المنخفض (2.6 وقت اتصالها)، إذ إن هذا التقييم سيعود على تقييم نعومي نفسها بالضرر. تدرك ليسي أن الأمر برمته ليس إلا لعبة أرقام، وتقرر التوقف عن التصنع والزيف.

وفي الوقت نفسه، تقرر حضور حفل الزواج رغمًا عن الجميع. بعد اقتحامها الحفل وإلقائها خطابًا صادقًا من القلب وإلقاء الأمن القبض عليها لاحقًا، تٌقاد ليسي إلى السجن.

خطاب ليسي

تنزل ليسي في زنزانة قبالة رجل، وتكشف لنا المشاهد الأخيرة مفارقة تحرر دواخل كل منهما داخل سجن النظام عبر تبادل كل منهما الشتائم بوجه الآخر.

حكم الخمسات

تبدأ حلقة «كوميونِتي» في غرفة الدراسة المعتادة للشلة. يسأل تشانگ جيف عن موعد العشاء، فتكتشف شيرلي أنها لم تُدعَ لهذا العشاء. يبرر جيف الأمر قائلًا إن اليوم الثلاثاء، وهو اليوم الذي تحضر فيه شيرلي تمارين كاراتيه ابنها إيليا، ولذلك لم يكلف نفسه عناء دعوتها لأنها لن تكون متفرغة أساسًا.

بحزن، تعبّر شيرلي عن تفهّمها وبأن جزءًا من تضحياتها تجاه من تحب قبولُها بأن هذا الأخير قد لا يقدم التضحيات ذاتها. ينجح ردها في استعطاف الجميع عدا جيف، ويحاول أفراد الشلة تغيير موعد العشاء لوقت آخر يناسب شيرلي وسط رفض قاطع من جيف الذي يصف استعطاف شيرلي بأنه جزء من تلاعبها المستمر بمشاعر الآخرين لأجل الحصول على ما تريد.

يظهر العميد في المشهد التالي معلنًا اختيار الكلية لتصير فأر تجارب لتطبيق تواصل اجتماعي جديد: (MeowMeowBeenz). وفكرة التطبيق -كنظيره في بلاك ميرور- أن الكل قادر على تقييم الآخرين، وأن لكل فردٍ تقييمه الخاص بين قطة إلى خمس قطط وهو بالتالي معيارٌ لقياس القبول الاجتماعي للأفراد.

تطبيق MeowMeow

سرعان ما يسجل الجميع تقريبًا في التطبيق، وتبدأ عملية تشكل الطبقات وفق التقييمات الخمسة من اليوم الأول. بعبارة أخرى، تتشكل هوية جديدة للأفراد حسب تقييمهم، ويبدأ الأفراد بالإشارة إلى أنفسهم والآخرين بوصفهم «أربعة» أو «ثلاثة» وغيرها، وتتشكّل الثقافة الطبقية الخاصة بكل تقييم.

يجلس جيف إلى طاولة مع بريتا وآني، ويسأل بريتا إن كانت قد وقعت في فخ هذا البرنامج. تعترض بريتا قائلة إن فكرة التقييم راقت لها في البداية حين اعتقدت أن من شأن التطبيق إعطاء صوت للمهمشين، قبل أن تكتشف لاحقًا أسّية النظام وإعطائه صوتًا أكبر لمن يتربعون في قمته.

وحالما أدرك جيف (الذي لم يسجل بالتطبيق بعد) أن شيرلي حاصلة على تقييم خمس قطط وأنها بدأت فرض سلطانها وممارسة ألاعيبها، يقرر التسجيل فيه من أجل الإطاحة به وبها. تتمحور بقية الحلقة حول الصراع بين جيف وشيرلي.

صعود السلم الطبقي

خلال بضع أيام من الإطلاق التجريبي للتطبيق، تتبلور الطبقات وتتمايز بشكلٍ أكبر، وتستأثر كل طبقة بالفوائد والمنافع المادية عبر ربط استحقاقها طبقيًا. على سبيل المثال، يصبح الخمسات وحدهم قادرين على التحكم بإعدادات المكيف.

بالإضافة إلى ذلك، يُقسَّم الحرم الجامعي إلى مناطق عامة ومناطق خاصة لا يدخلها إلا من كان تقييمهم أربع قطط فما فوق. والأهم من كل ذلك، تتبلور مصالح الخمسات والأربعات ضد مصالح الطبقات الدنيا بشكلٍ واعٍ، ويبدأ من في القمة بالتفكير بما من شأنه الحفاظ على المنظومة وتقليل فرص الصعود الاجتماعي والثورات من الأسفل.

عندها يقررون إجراء مسابقة مواهب يحصل الفائز فيها على تقييم خمسة لإقناع الطبقات الدنيا أن «الكل» قادر على صعود السلم الطبقي طالما عمل على ذلك. بعبارة أخرى، تقرر الطبقات العليا الحفاظ على النظام من خلال تقليل فرص الارتقاء فيه والاستئثار بالسلطة.

صعود السلم الطبقي

يشارك جيف في مسابقة المواهب هذه وينجح في الفوز رغمًا عن أنف شيرلي. وأثناء رقصة تدشين دخول جيف طبقة الخمسات، يتجادل هو وشيرلي عطفًا على التوتر القائم بينهما منذ بداية الحلقة. وباستمرارهما في الشجار، يقرر بقية الخمسات تقييم كلًا من جيف وشيرلي بقطة واحدة فيتعرضان للنفي إلى الأراضي الخارجية (خارج حرم الكلية).

في نفس الوقت، تقود بريتا ثورة ناجحة تُسقِط بها حكم الخمسات وتعلن بدء محاكمة تطهير كل الخمسات وإنزالهم إلى قطة واحدة. تستمر المحاكمات إلى حين دور محاكمة جيف. وفيما كان الجميع متأهبًا للإطاحة به ومساواته بالآخرين، يتمكن جيف من إقناع الثوار بأن الخطوة المنطقية للتغلب على ما جرى ليست بجعل الجميع سواسية داخل النظام، بل بإسقاط النظام نفسه من خلال حذف تطبيق (MeowMeowBeenz). 

وقتها لن يكون للقطة الواحدة أو الخمس أي معنى. يقتنع الجميع بذلك، وتنتهي الحلقة بحزن بريتا على سرعة زوال سلطتها في النظام الثوري.

بريتا و الثورة على النظام

أزمة بنيوية

ذكرتُ في مقدمة المقالة أن ما يميز حلقة «كوميونتي» عن نظيرتها في «بلاك ميرور» تسليطها الضوء على الإشكالات البنيوية في عالم الحلقة، أي قدرتها على الربط بين المشاكل التي يواجهها الأفراد في حياتهم اليومية وآلية عمل المنظومة التي يجدون أنفسهم فيها.

لكن ما معنى هذه العلاقة أساسًا؟ ما معنى أن تكون المشاكل التي يواجهها الأفراد ذات طبيعةٍ متعلقةٍ ببنية المجتمع؟ يستلزم توضيح الأمر التعريجَ سريعًا على مفهوم المخيال العلم-اجتماعي عند تشارلز رايت مِلز.

يمكن تعريف المخيال العلم-اجتماعي بكونه منظورًا حياتيًا يخول حامله رؤية التقاطع بين حياة الأفراد اليومية والقوى التاريخية الفاعلة في صياغة تلك الحياة. بعبارة أخرى، هي القدرة على تحليل الظواهر اليومية من زاوية اجتماعيّتها وزاوية ارتباط مسالك الأفراد بأطباع المجتمع وقيمه والفرص المتاحة ضمنه.

أشدد هنا على كون المخيال العلم-اجتماعي منظورًا أو نمط تفكير، أي أنه من الأساس وسيلةٌ لإعادة التفكير بشأن الظواهر وليس ظاهرة جديدة تضاف إلى البقية.

حل المشكلة لا بد أن يكون هو الآخر بنيويًا، وإلا ظلت المشكلة جاثمة على صدور شريحة اجتماعية واسعة

تكمن إحدى ثمار المخيال في التمييز التحليلي بين المشاكل الشخصية والمشاكل الاجتماعية. ويستخدم مِلز مثال العطالة لتوضيح هذا التمييز التحليلي. فلنفترض أن مجتمعًا مكونًا من ألف شخص. لو كان العاطلون في هذا المجتمع عشرة أشخاص فقط، لأمكننا افتراض أن عطالتهم مشكلةٌ متعلقة بهم وحسب.

لكن لو كان العاطلون مئة شخص، هل يمكن افتراض الأمر نفسه؟ ألن تكون ظاهرة العطالة حينها مشكلة اجتماعية بحكم أنها تطال شريحةً واسعةً من أفراد المجتمع؟ يستنتج مِلز أن توظيف المخيال العلم-اجتماعي في تحليل الظاهرة يفضي إلى عدّ العطالة مشكلةً بنيوية، أي أنها مشكلة ناجمة عن خلل في آلية إنتاج المجتمع لنفسه.

ومما يعنيه هذا أن حل المشكلة لا بد أن يكون هو الآخر بنيويًا، وإلا ظلت المشكلة جاثمة على صدور شريحة اجتماعية واسعة.

آلية عمل النظام 

بدأ الأفراد في عالم «Nosedive» مسؤولين تمامًا عن علوهم أو انحدارهم على السلم الاجتماعي، وبدا كما لو أن جميعهم قادرون على الحصول على تقييم عال طالما سعوا لذلك. ويتجلى ذلك في ما حدث لليسي نفسها (حتى وإن كان وليد الصدفة إلى حد كبير) أو ما حدث لسوزان.

بدت جميع المشاكل التي يواجهها الأفراد في عالم الحلقة مشاكل شخصية يمكن حلها بمجرد فاعلية الفرد تجاه حلها. وهذا التركيز على شخصنة المشاكل والحلول يصرف النظر عن الجذور الاجتماعية لهذه المشاكل. 

ولهذا لا يُسلَّط الضوء على ربط استحقاق العلاج بالتقييم ولا على منح أصحاب التقييمات العالية خصومات سكنية بوصفها مشاكل اجتماعية، إذ تُصوّر في الحلقة داخل نظام المميزات التي يجب على الفرد السعي لها.

على الجانب المقابل، كانت الشخصيات في «كوميونتي» (أو أغلبها على الأقل) واعية لارتباط المشاكل بنظام التقييم نفسه، أي واعية بأن آلية عمل النظام تؤدي بالضرورة إلى إنتاج المشاكل الحاصلة. يمكن استشفاف ذلك في الحوار بين عابد وجيف حينما قال الأول أن التطبيق «يأخذ ما هو ذاتي وخفيّ في التفاعل البشري ويختزله في أرقام موضوعية وصريحة».

تكشف هذه التعرية إدراك عابد لاعتباطية الاختزال وبالتالي اعتباطية التقييم بناء على التفاعل. كما يمكن استشفاف الوعي أيضًا في استنكار بريتا لأسّية النظام، أي ازدياد قيمة تقييم الفرد للآخرين كلما علا تقييمه الخاص. بل سرعان ما تتضح النتيجة (الإشكالية) المنطقية لهذه الأسّية: الصراع الطبقي التقييمي.

«كوميونِتي» و«بلاك ميرور» وماركس

في مقدمة كتابه «صنع الطبقة العاملة الإنگليزية» (The Making of the English Working Class)، يصف تومبسون الطبقة بأنها «علاقة» لا شيئًا ذا ماهية ثابتة. هذا يعني أن مفهوم الطبقة متغير، إذ أنه آخذ في التشكل من خلال الصراع الطبقي أساسًا، أي من خلال شبكة التحالفات والمصالح القائمة بين مختلف المجموعات.

وبالتالي سيؤدي الاختلاف في التحالفات والمصالح إلى اختلافٍ في ماهية الطبقات الموجودة. يمكّننا وضعُ هذا المفهوم الطبقي ضمن الإطار الماركسي لفلسفة التاريخ وكون الصراع الطبقي فاعلًا رئيسًا فيه حركة التاريخ نفسها – من فهم الفرق الجوهري بين الحلقتين: على عكس «بلاك ميرور»، كان الوعي والصراع الطبقيان المحرك الرئيسي للأحداث في حلقة «كوميونِتي».

تجلت الأزمة البنيوية بوضوح في حلقة «كوميونِتي» من خلال تبلور الطبقات الخمس ومحاولة جعل الفروقات بنيوية بأيدي من بالقمة. بعبارةٍ أخرى، ما إن تبيّنت مصالح الطبقات العليا وضرورة تحالفها مع بعضها للحفاظ على تلك المصالح، بات من الضروري تقييد الصعود الطبقي ومأسسة الفروقات بحيث يبقى النظام بشكلٍ عام كما هو.

هنا إرهاصات تشكل الوعي الطبقي. هذا يعني أن هوية الأفراد تتشكل من خلال موقعهم الاجتماعي في الوقت ذاته الذي تتبلور فيه هوية «طبقية» بمصالحها وتحالفاتها وصراعاتها. 

على الجانب المقابل، فيما تناول «بلاك ميرور» سلطة ذوي التقييم العالي في التأثير على موقع الأفراد بالسلم الاجتماعي وفكرة المصالح المادية المرتبطة بعلو تقييمهم، لم تتمكن الحلقة من تسليط الضوء على التبعات الطبقية الحتمية لهذا الارتباط والسلطة.

المسألة بتصوري كالتالي: طالما ارتبطت المصالح والمنافع بموقع الفرد داخل المنظومة، فمن المنطقي توزيع الأفراد طبقيًا ومن المنطقي محاولتهم احتكار المصالح بقدر المستطاع. هذه المصالح المتعارضة أسّ الصراع الطبقي الماركسي.

وهم الفردانية 

لا أذكر أي إشارة طوال الحلقة إلى طبقية تقييم الأفراد. ولا أذكر أي إشارة لتشكل أي نوعٍ من الوعي الطبقي، أي لنظرة الأفراد لأنفسهم من خلال ارتباطهم مصالحيًّا مع أصحاب التقييمات المشابهة لهم ومن خلال موقعهم في النظام الاجتماعي (حفل الزفاف نهاية الحلقة لا يُحتسب، فنخبوية الحضور مرتبطة بدائرتهم الاجتماعية أكثر من ارتباطها بانتمائهم لطبقة واحدة).

بل يبدو أن جميع الأمثلة ترسخ وهم فردانية المشاكل وحلولها وتساميها عن أي نوعٍ من الطبقية. مجتمع الحلقة مجتمعٌ فردانيّ ينال فيه كل فردٍ ما يستحقه بناءً على جهوده، ولا دور لأي تحالفات ولا مصالح جماعية في تقييد صعود الفرد أو انحداره فعلًا. ففي قصة سوزان مثلًا، كان يكفي أن يمتلك زوجها تقييمًا أعلى ليحصل على العلاج، أي كان يكفيه بذل جهد أكبر لامتلاك تقييم أعلى.

وكذلك قصة تشيستر: كان يكفيه ألا يكون منبوذًا على حساب انفصاله عن گوردن. وبالإضافة إلى ذلك كله، يمكن قراءة نهاية الحلقتين على ضوء هذا الصراع الطبقي. في «بلاك ميرور»، ظل النظام قائمًا كما هو بكل أبعاده دون أن تُنتقَد نظاميته بحد ذاتها.

بل إن التغيير الوحيد في الحلقة هو تحرر ليسي فرديًا، أي انعتاقها من قيود التقييمات وعدم اكتراثها بما تفعله طالما كانت سعيدةً وصادقة. ولو كان لي أن أتنبأ بما سيحدث لاحقًا في عالم الحلقة لقلتُ أنها ستصبح مثل سوزان لا تأبه بتقييمات الآخرين. 

إسقاط أسس النظام

أما حلقة «كوميونِتي» فقد انتهت بثورتين متولدتين من الصراع الطبقي. جعلت الثورة الأولى الجميع سواسية. لو استمر هذا النظام المساواتي لأمكن مقارنته بمجتمعٍ تتقلد فيه الطبقة العاملة مقاليد السلطة دون بلوغ  مرحلة المجتمع اللا-طبقي كما تصوره ماركس.

على الجانب الآخر، تمكنت الثورة الثانية من إسقاط الأسس التي يقوم عليها النظام، بحيث انتفت إمكانية الصراع الطبقي من أساسه. بعبارةٍ أخرى، حذف تطبيق (MeowMeowBeenz) يعني انتفاء الأسس التي تشكلت الطبقات من خلالها.

هذا ما يجعل الثورة الثانية ثورةً جذرية، ثورةً تطال الأسس نفسها. هذا ما كنت أعنيه بداية المقالة حين أشرت إلى محورية مفهوم الصراع الطبقي في قراءة النظام، وهو المفهومِ ذاته الذي بدا وكأن حلقة «بلاك ميرور» تتملص منه تمامًا. 


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×