بلفاست «المشاكل» والدبابة الحربية

«حدث ذلك قبل ولادتك بسنتين، أظنه عام 1987»، تُخبرنا والدتي عن موقف حدث لها هي ووالدي في مدينة بلفاست، مسقط رأسي، في المملكة المتحدة أثناء إقامة والديّ هناك، وذلك في أوج صراع قومي يطلق عليه: (The Troubles) «المشاكل». 

قد يوحي الإسم بأن الصراع كان مجرد «مشاكل» بسيطة، ولكنه كان في الحقيقة حربًا أهلية استمرت لثلاثة عقود، وأسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف وخمس مائة إنسان وإصابة ما يقارب الخمسين ألفًا آخرين.

تقع بلفاست في إيرلندا الشمالية، وهي إقليم تابع للمملكة المتحدة في الجزء الشمالي الشرقي من جزيرة إيرلندا. انفصل هذا الإقليم في العشرينيات عن باقي الجزيرة التي أُسست بعد الاستقلال من الاستعمار البريطاني الذي استمر لأكثر من ثمان مائة سنة، لتتكوّن في الجزء الجنوبي الباقي من الجزيرة «جمهورية إيرلندا» وعاصمتها دبلن.

وبالرغم من أن «المشاكل» في إيرلندا الشمالية كانت بين البروتستانيين والكاثوليكيين، كان للنزاع أصله السياسيٌّ القومي، بأبعاد تاريخية وعرقية تعود للقرن السابع عشر.

فعندما ترك أجداد البروتستانيين، الإتحاديون الأولستريون، بريطانيا واستوطنوا أراضي إيرلندا الشمالية للزراعة، شكّلوا منذ ذلك الوقت الأكثرية السكانية في المنطقة. وهذا ما جعل إيرلندا الشمالية تنفصل عن باقي جزيرة إيرلندا. إذ يعدُّ هؤلاء أنفسهم بريطانيين، ويطالبون بأن تبقى إيرلندا الشمالية تحت حكم المملكة المتحدة. 

أما الكاثوليكيون، فمعظمهم قوميون إيرلنديون محاصرون بالبروتستانيين، يحتجّون كأقلية من التمييز ضدهم في الفرص الوظيفية والتمثيل السياسي، ويطالبون بانفصالهم عن المملكة المتحدة وانضمامهم لجمهورية إيرلندا وتوحيدها.

جنود بريطانيون في إيرلندا الشمالية / Don McCullin

الدبابة الحربية 

في نهاية الثمانينيات، وبينما كان والدي يدرس في مدينة بلفاست، أوقف سيارته خارج السينما، ليدخل هو ووالدتي لشراء التذاكر، إلا أن الازدحام أجبرهما على العودة بعد دقائق إلى مكان السيارة، ولكن السيارة لم تكن موجودة، فاتصل والدي مباشرة بالشرطة للإبلاغ عن السرقة.

حضرت القوات بعد دقائق من المكالمة. وتذكر والدتي بأن مظهرهم كان أقرب منه لجنود الجيش منه لرجال الشرطة. وللمفاجأة، عرض الجنود نقل والديّ لقسم الشرطة على متن دبابة حربية. ركبت والدتي ذات التسعة عشر عامًا ووالدي ذو الخمس وعشرين الدبابة مع الشرطة، وهو مشوار لن ينسياه طوال حياتهما.

دخول الجيش 

في أغسطس من العام 1969، طلبت الحكومة في إيرلندا الشمالية والموالية للإتحاديين النجدة من الجيش البريطاني بعد أعمال شغب من القوميين الإيرلنديين ونزاع عنيف بين الطرفين.

دخل الجيش البريطاني إيرلندا الشمالية «لإفشاء السلام» بين الأطراف المتحاربة. فاستقبلهم القوميون الإيرلنديون برحابة صدر، آملين أن يكون التدخل البريطاني محايدًا بين الطرفين. إلا أنهم أدركوا لاحقًا تحيّز الجيش للحكومة المحلية، وأن وجود الجيش على أراضي إيرلندا الشمالية ليس إلا لدعم الحكومة الحالية والشرطة ضدهم.

مناديل الأحد الدامي

في الثلاثين من يناير من عام 1972، أطلق الجنود البريطانيون الرصاص على مدنيين عُزّل أثناء مسيرتهم السلمية ضد الاعتقالات الجماعية بدون محاكمة.

لوّح الكاثوليكيون بمناديلهم البيضاء الدامية في السماء، إلا أن الجنود صوّبوا عليهم، واستمروا بإطلاق النار في مجزرة أطلق عليها المتظاهرون الأحد الدامي.

تتذكر والدتي الكراهية التي كان الإيرلنديون القوميون يكنّونها للقوات البريطانية في بلفاست، والتي يُعدّونها قوات محتلة جاءت من أجل فرض سلطتها، ونشر محطات التفتيش، وتمويل الحكومة المحلية بالأسلحة والمدرّعات. 

نساء إيرلنديات يودعون أحبائهم بعد حادثة الأحد الدامي / Gilles Peress

تسبب هذا الحدث في تفاقم «المشاكل» ودعم وانضمام الشباب الكاثوليكيين للجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA)، وهي منظمة عسكرية وجيش مؤقت أُسس بنٍيّة تحرير إيرلندا في العشرينيات، وكان يحارب ضد الجيش البريطاني.

كانت الواقعة سببًا في سيلٍ كبير من الإنتاجات الفنية التي خُلٍّدت في أغانٍ وأفلام عدة، مثل أغنية «الأحد الدامي الملعون» لفرقة «يو تو» (U2) وفلم «الأحد الدامي» للمخرج بول گرينگراس. 

مدينة مقسمة بالفولاذ 

بعد تقديم البيانات المطلوبة في مركز الشرطة، عاد والداي إلى المنزل. ولكن رنين الهاتف أيقظهم على الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ليعرفا من ضابط الشرطة أنهم تمكنوا من تحديد موقع السيارة.

لكن الشرطة اعتذرت عن تسليمها لتواجدها في حي «ذا فالز» (The Falls)، وهو حي الكاثوليكيين القوميين الإيرلنديين الذي لا تدخله الشرطة آنذاك. فكان على والديّ الذهاب وحدهما لاستعادتها في آخر الليل.

كانت منطقة «ذا فولز» بيئة «المشاكل» والمناوشات العنيفة والمستمرة. وتتكون المنطقة من مجمعات سكنية كاثوليكية محاصرة بأحياء البروتستانيين. وكان الحل الأمني الوحيد بناء جدار فولاذي أطلق عليه (Peace Lines) أو «خطوط السلام»، يفصل أحياء المدينة عن بعضها.

إلا أن المجتمعين كانا منفصلين قبل الحواجز المادية. فالناس ينتظرون في محطات حافلات منفصلة، حيث يركب الجميع الحافلة التابعة لقوميته ولو كانت على نفس الشارع، ويذهب الأطفال لمدارس مختلفة، ويزور الطرفان بطبيعة الحال كنائس مختلفة.

ثلاث آلاف امرأة تتحدى الجيش 

حملت مقاطعة «ذا فولز» تاريخًا دمويًّا بسبب معركة سميت باسمها. وحدثت المعركة في عام 1970 أثناء صراعات «المشاكل». فبعد ثلاث أيام من حملة تفتيش عن الأسلحة أطلقها الجيش البريطاني في المنطقة الكاثوليكية، رمى أبناء الحي الجنود بالأحجار والقنابل، ليسارع الجيش الجمهوري الإيرلندي في الانضمام للمعركة. 

وبعد أربع ساعات من الاشتباكات، أغلق القائد البريطاني المنطقة التي تضم ثلاثة آلاف منزل، وفرض عليهم حظر تجوّل دام ستًا وثلاثين ساعة، وأمر باعتقال كل من يتواجد بالشوارع. سمع أصحاب البيوت التعليمات عبر مكبرات الصوت المنتشرة في الحي والمروحيات المحلّقة فوق سطوح منازلهم. وتدفق آلاف الجنود للأحياء المحظورة، واقتحموا البيوت لتفتيشها. 

يؤوّل بعضهم سبب التمادي في قسوة وعدوانية الجنود إلى غياب الرقابة والتغطية الإعلامية، إذ شمل الحظر الصحافيين. كما صُرّح في سجلات القوات الحربية أن أوامر بالتصرف بعدوانية قد وصلت الجنود، واشتكى منها أصحاب المنازل، حيث تعرض بعضهم للضرب والتهديد والإهانة من الجنود الذين نهبوا وخرّبوا الحانات والمتاجر. 

جدارية تشهد على وقوف ثلاث آلاف امرأة في وجه الجيش البريطاني أثناء حظر «ذا فولز» / Wikimedia Commons

ولكن بعد يومين من بداية الحظر، وقف الجيش البريطاني مكتوف الأيدي أمام فوج من ثلاث آلاف امرأة مع أطفالهن قادمين من ضواحي المدينة، يشكلون مسيرة، ويحملون المؤن الغذائية لأصحاب المنازل المحظورة. لم يستطع الجنود سد طريقهم لينتهي بعدها فرض الحظر.

بعد هذه الحادثة بسبع عشرة سنة، ولسبب لا يعلمه إلا الله، لم يصبر والداي لطلوع الشمس لاستعادة مركبتهم. فاستقلا سيارة أجرة ودخلا الحي المظلم، متتبعين الإرشادات التي وصلتهم من الشرطة.

وبعد عدة دقائق مرعبة، لمع انعكاس القمر على سيارتهما المنحشرة في عمود في منتصف الشارع. ترجل السائق معهم وصارعوا جاهدين لإطلاق سراح السيارة، وسارعوا بعدها في الخروج من المنطقة.

نهاية «المشاكل»

في عام 1998، أي بعد سبع سنوات من مغادرة والديّ بلفاست وعودتهم إلى السعودية، وقّعت بريطانيا وجمهورية إيرلندا وأحزاب إيرلندا الشمالية «اتفاقية الجمعة العظيمة» التي أنهت «المشاكل».

خفف الجيش من تواجده، ولكنه لم ينسحب نهائيًا إلا في عام 2007، أي بعد ثمان وثلاثين سنة من دخوله، وتلك هي أطول مُهمّة عسكرية في تاريخ الجيش البريطاني.

بلفاست اليوم

لم يكن بقاء الجيش البريطاني الملمح الوحيد الباقي في الأرجاء، والذي يذكّر السكان بالحرب الطويلة؛ إذ ماتزال الحواجز الفولاذية قائمة إلى اليوم. قد نفترض أن الاتفاقية خففت التوتر والفصل بين المجتمعين وهدمت الجدران بينهم، ولكن المجتمعين ما زالا منفصلين حتى اليوم، في الحافلات والمدارس.

وبالرغم من المخططات لإزالة الحواجز الفولاذية تدريجيًا، تتكاثر هذه الأخيرة في الواقع عددًا وتزداد حجمًا وارتفاعًا، حيث كان عددها ثماني عشر جدارًا فولاذيًّا في عام 1990، ليصل في نهاية 2017 إلى سبع وتسعين حاجزًا فاصلًا.

وحالت الأجواء المتكهربة بين السكان دون تنفيذ خطط إزالة الحواجز بالكامل عام 2023. كما زاد انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي الطين بلة، حيث كانت الحدود بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا مفتوحة بسبب عضوية الدولتين في الإتحاد الأوربي سابقًا.

تتجدد الكراهية بين الطرفين سنويًا في احتفالٍ بذكرى معركة «الثاني عشر» (The Twelfth) التي حدثت قبل أكثر من ثلاثمائة سنة. وتنتقل في الاحتفال كراهية الطرف الآخر للأجيال الجديدة في ذلك اليوم من السنة. فيطلق الأطفال شعارات الكره والشتائم للآخر، ويحرق الشباب علم العدو.

ولا يسمح لهؤلاء الأطفال والشباب بتكوين صداقات مع الطرف الآخر. كما أن العلاقات بين الشباب والبنات من الطرفين محرمة على الجميع، ومن يتجرأ على تجاوز هذا الخط الأحمر يلقى عقابًا مؤلمًا من المجتمع ككل. مما يجعل الجميع يعيش انفصالًا عن الآخر دون أن يحقق أي نتيجة لفهمه. 

بلفاست وغزة 

يصل ارتفاع الجدار الفولاذي الفاصل إلى ست أمتار مع بوابات مرور كانت تُستخدم سابقًا أثناء «المشاكل» كمحطات تفتيش، وما تزال تُغلق إلى اليوم ليلًا. 

ومثل أغلب الجدران الحاجزة، نال جدار السلام في بلفاست نصيبه من الرسومات، إلا أن لكل جانب رسومات مختلفة، حيث نجد رسومات الملكة إليزابيث وعبارات السلام في جانب الجدار عند الأولستريين الموالين للمملكة المتحدة. كما تمتلئ الشوارع والبيوت بعلم بريطانيا.

جدار السلام / Gerhard Huber

أما الجانب الآخر فتزيّنه الأعلام الإيرلندية. وتعبّر الرسومات عن النضال والقمع وفكرة «الأرض المسروقة»، ورسائل تضامن مع غزة، ورسوم العلم الفلسطيني بجوار العلم الإيرلندي. 

يُعد الجدار اليوم معلمًا مهمًا للسياح، ويقدم «التاكسي الأسود» جولة بالسيارة على الجانبين يحكي فيها القصة ويزور أماكن الصراع السابقة.

القصة الوحيدة

لم تكن قصة الدبابة هي القصة الوحيدة في بلفاست، ومن الظلم أن تُحكى وحدها. فرغم من كل «المشاكل»، يشهد والداي بلطف سكان المدينة من الجانبين. وتخبرني والدتي عن لطف الراهبات اللاتي عملن معها في الحضانة، وعن لطفهم الاستثنائي الذي امتد لمحاولات تبشيرية.

كما يتذكر والدي اليوم الذي التقى فيه البرفسور المشرف على دراسته، والذي أخرج منديله لينظف كرسي والدي -الطالب السعودي- من طبقة الغبار التي كانت تغطيه. 

على مر التاريخ، لم ترمز الجدران الحاجزة إلا للعنف والتفرقة والصدامات واستحالة التعايش مع الآخر، وسقوطها دومًا ما عنى نهاية مرحلة قاسية ومهَّد لفصل مختلف. ورغم الآمال الضئيلة، لا يسعني إلا أن أطمح بأن يُضاف سقوط حواجز إيرلندا الشمالية للائحة الجدران التي سقطت في أوربا والعالم منبئة بعهد جديد.   


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×