بدائية الذات في وسائل التواصل الاجتماعي

عندما أطلق سقراط حكمته الخالدة «اعرف نفسك» التي نقشت على جدران معبد دلفي، كان مدركًا لبعدها الفلسفي. فمن لا يعرف نفسه لا يعرف شيئًا، والمعرفة هنا تأتي بمعنى معرفة المواضيع الخارجة عن الذات، ولكن ما السبيل لذلك؟

العودة إلى الذات 

إن العارف لذاته واعٍ بها، والوعي فعل انعكاسي ينطلق من الذات إلى الآخر، ليرتد بعد ذلك إلى نفسه من جديد. تخرج الذات وترتبط بما حولها من الأفكار والشخصيات المختلفة، خصوصًا الأفراد المشابهين لها، فتتشكل بذلك معرفة الذات نفسها وإدراك حدودها التي تربطها بالآخر.

فلولا الإدراك الأولي للذات وحدودها لما أدرك الإنسان العالم من حوله. كما تتجرد الذات عندما ترتد لنفسها بفعل قوى الإرادة التي تغذي فرادتها الذاتية؛ فإرادة الفرد لذاته هي ما يميزّه عن الآخر. 

ولا تحمل هذه العودة للذات صورة عن الآخر فقط، بل عن الذات نفسها أيضًا وكيف لها أن ترى نفسها كآخر؟ إذ يقصد سيوران بقوله «لو استطعنا أن نرانا بعيون الآخرين لاختفينا على الفور» نظرة الارتداد التي تنقصنا من الآخر إلى ذواتنا لتكوّن هي نفسها. ويتطلب هذا وعيًا بالارتداد واستحضاره حتى تسيطر الذات على نفسها. 

إميل سيوران / Wikimedia Commons

لكن هذا قد لا يكون ممكنًا وسط الجموع وأمام الملأ. إذ تُشترط خلوة بالذات تقرأ فيها نفسها وتعالج ما يردها من معرفة. لذا لا يستطيع الإنسان المعاصر الذي تحاصره نظرات الجمهور استحضار هذا الارتداد للذات على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما شرحه گوفمان في كتابه «عرض الذات في الحياة اليومية».

فسواء كانت نظرات الجمهور التي تحدّث عنها گوفمان مباشِرة، حين يعرض الفرد ذاته أمام الكاميرا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو نظرات غير مباشرة موجّهة لأي محتوى ينتجه –كالتغريدات والمنشورات- لا يمثل ذاته تحديدًا، فهي كافية للتعبير عن ذات الفرد بأكملها، فلا يُفصل بين المنتج والذات.

البدائية الذاتية

ويُعزى ذلك للبدائية الذاتية التي تبدأ بالذات ثم تنسحب في تعاملاتها مع الآخر. ولربما كانت هذه البدائية الذاتية شائعة من قبل؛ فكل انشغال عن الذات ومعرفتها، سواء بأفراد أو حتى أشياء، يخلف بدائية ذاتية، لكن وسائل التواصل الجديدة، عززتها تعزيزًا ملحوظًا، وسببت ازدحامًا فارغًا في حياة الفرد.

وأعني بالبدائية الذاتية جهل الفرد بذاته جهلًا مركبًا، فلا تنبع تصرفاته من عمق معرفي نابع عن إرادة مقرونة بمعرفة، بل عن جهل بأبجديات التعامل معها. فحينما تعيش الذات منفصلة عن نفسها انفصالًا غير إرادي، بعيدة كل البعد عن البوصلة التي توجه سلوكها، نرى الأفراد مسيرين بغرائزهم الذاتية دون وعي منهم، وهو ما سمّاه هيگل حالة الاغتراب.

وجدير بالذكر أن البدائية الذاتية التامة تحدث لمن حُرم من التفاعل مع الآخر كليًّا، فبات لا يملك المرآة العاكسة لسلوكه. لذا فالبدائية الذاتية التي يعيشها البعض اليوم ليست سوى بدائية جزئية، تحدث بإرادة غير واعية من الذات نفسها؛ إذ لا بد للذات من مقدار ولو ضئيلٍ من المعرفة بالنفس لتُسير ذاتها وتتفاعل مع الآخر.

الإنسان محاصرًا بين وسائل التواصل الاجتماعي

لقد حاصر الإنسان نفسه بالجميع، عبر جهازه المحمول الذي أغرقه في سيل منصات التواصل الاجتماعي. فأصبح منشغلًا بالآخر أكثر من انشغاله بذاته. لتفقد الذات اتزانها وتصير مائعة بلا إدراك وتحيد عن طريقها بلا وعي. 

في كتابه «المجتمع السليم»، يقول إريك فروم بأن الذات المغتربة لا تُظهر ذاتها كمركز لأفعالها بل أن أفعالها «وعواقبها قد صارت سادته». وهذا الحال مع من ينغمس انغماسًا كليًا مع الآخر في وسائل التواصل الاجتماعي، فتكوّن ردة فعل الآخر وآرائه سلطة متحكمة بالذات المنشغلة به وبما تنتجه. ويلاحظ هذامن البعض في وسائل التواصل، حيث تُعرض منتجاتهم حسب طلب الجمهور.

ومن المفارقة أن يحدث هذا بسبب البعد عن الذات بعدًا غير إرادي بسبب الانشغال مع الآخر.

ففي كل لحظة يعيشها الفرد، ينحرف فكره إلى التفكير في الآخر وكيف له أن يشارك حياته معه. إذ يصبح الآخر هو المركز وتصير الذاتُ الهامش، وذلك بسبب الاستخدام السيء لوسائل التواصل الذي قلل مستوى سعادة الفرد، كما تشير دراسة أجريت على الشباب في الولايات المتحدة الأميركية. فبينما يُنتظر أن يبدأ الفرد من نفسه ليحقق أكبر قدر من الفاعلية الذاتية، ينشغل الفرد بالآخر.

الذات منتجة للفرد

صدق سيوران حين قال: «كلما انصرف الآخرون عنا ازداد عملهم من أجل كمالنا: إنهم ينقذوننا من خلال هجرنا». لكن الإنسان المعاصر أتى بالجميع وأدخلهم إلى أكثر زواياه خصوصية وقدمهم على ذاته بلا وعي، معتقدًا أنه يقدم ذاته وينشغل بها. لكن كما ذكر ابن سينا في كتاب «التعليقات» فالإدراك لا يكون للجميع، فقد «تكون النفس لاهية فلا تدرك» والإدراك هنا هو ما نطلق عليه اليوم الوعي.

يضيع الكثير أيامه باللهو، وهذا يضرّ وعي الذات الذي لا يتم إلا بخلوة حقيقية تنسحب فيها الذات، وتنزوي مع نفسها، وتهجر العالم هجرًا حقيقيًا وإن كان جزئيًا. لأن الذات لا تنفك عن الحاجة للآخر في ركن قصي، بل يقودها الوعي والإرادة فتكتشف أبعادها وتراجع معارفها، وتجدد بذلك دواخلها وينمو وعيها وتزداد سعادتها، وذلك أقصى منايا الفرد.

ففي المراوحة الواعية بين الذات والآخر ككيان، لابد من مشاركة الحياة معه، تنمو لدينا شخصية «صحيحة ذهنيًا» -كما يقول إريك فروم– غير مغتربة عن ذاتها، تتصل مع العالم بوعي وتدرك ذاتها ككيان فردي.

تقدر هذه الشخصية على الإنتاج الفعّال للذات أولًا، فالذات هي منتَج الفرد الأول، وللمواضيع الأخرى سواء كانت مادية ملموسة تسهم في حل المشكلات الإنسانية، أو معنوية تثري الفكر الإنساني وتخلد ذات الفرد كإنسان مر على هذه البسيطة وترك آثار خطاه.


هذه المقالة ضمن ملف كيف تؤثر فينا التقنية؟

لا مناص اليوم من التكنولوجيا كبوصلة تقود حياة الإنسان وفي الغالب ما تحدد اختياراته وذائقته دون وعي منه. في هذا الملف، مجموعة مقالات حول هذا الأثر الذي يتجاوز مجرّد نقر زر الإعجاب هنا وهناك إلى ذاك الذي تخلفه على صحتنا العقلية وعلاقتنا بذواتنا ومحيطنا.
8
من المثير للاهتمام ومما يدعو للقلق في الوقت ذاته، ما...
7
لا يكاد يمر يوم دون أن أقرأ على تويتر خبرًا...
6
يتعرف كل جيل على نفسه من خلال شخصية أسطورية أو...
النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×