المكونات اللاواعية لمعتقداتنا

الأبوية وسمات الشخصية الحديثة

جهاد الأماسي
28 مارس، 2020

ما العلاقة بين الأب والإله وما العوامل التي تؤثر في ميول الإنسان الدينية و السياسية؟ ما السبب وراء اختلاف التوجهات الشخصية للإنسان الحديث؟

يتقدم العلم بسرعة مذهلة في مجالات كثيرة تُكسِب الإنسان ثقة أكبر فأكبر في كونه المتحكم العبقري الذي سيصل لكل الأجوبة في نهاية المطاف. لكن رغم كل ذلك التقدم وسرعته، إلا أنه يبدو مبالغًا فيه، فنحن -على ما يبدو- ما زلنا نجهل أكثر مما نعرف، وأكثر ما نجهله حقًا هو الإنسان نفسه. قد نعرف أدق تفاصيل أعضائه وخلاياه وأمراضه -رغم أننا لم نبلغ ذلك حتى- ولكننا ما زلنا نجهل الكثير عن نفسه، أي رغباته وأحلامه ومزاجه وفكره، وحزنه وفرحه، واطمئنانه وقلقه. فالإنسان ليس عبارة عن كتلة خلايا وأعضاء وحسب، بل ثمة ما يجعله (هو)؛ كائن واع بنفسه.

تحاول مجالات العلوم الإنسانية سبر أغوار هذا الإنسان والإجابة على ما يمكن إجابته. ومن المواضيع التي تثير فضول بعض العلماء والكثير منا موضوعُ الفكر والدين والأيديولوجيا التي يتبناها الإنسان. الإنسان كائن شديد التعقيد ومن السذاجة تسطيحه واختزال أبعاده الكثيرة في بعد واحد، أو عزو ظاهرة ما فيه إلى سبب واحد بسيط. لكن ذلك لا يمنع أن نحاول فهم ظاهرة ما تتعلق به، وإن كانت إجاباتنا الأولية لها سطحية ولا تقدم الكثير، إلا أنها قد تكون ممهِّدة لإجابات أكثر تعقيدًا وإقناعًا وشمولًا.

دور البيئة

نُشِرت في السنوات الأخيرة عديدٌ من الدراسات المتعلقة بموضوع الإنسان وميوله الدينية أو السياسية. وتحاول الدراسات إيجاد عامل مشترك أو علاقة سببية لفهم اختلاف توجهات الناس، وما إن كان للعوامل الوراثية مثلًا دور أم لا، وحجم هذا الدور إن كان موجودًا، وتقدير دور البيئة والتنشئة على التشكيل والتوجيه وقوتها في ذلك.

من بين العوامل البيئية التي يُحتمل أن يكون لها دور في توجهات الشخص العلاقاتُ العائلية الداخلية، كعلاقة الشخص بأمه وأبيه، وهنا قد يُستعان مثلًا بنظرية التعلق (Attachment Theory) التي تصف طبيعة العلاقات وطريقة تكوينها عند البشر. فالنظرية تقول إن على الشخص أن يكوّن علاقة قوية وعاطفية مع أمه وأبيه قبل أن يكون قادرًا على تكوين علاقات مع الآخرين، وإن النمط الذي كانت عليه علاقته بأبويْه يحكم طريقة تكوينه للعلاقات وتعامله معها في المستقبل.

كما تعتمد بعض الدراسات على المقارنة بين سمات الشخصية الخمس (Big Five Personality Traits) وتوجهات الشخص في محاولةٍ لإيجاد علاقة محتملة تساعد على فهم الكثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية، وبناء الخطط واتخاذ القرارات وفق النتائج الجديدة. ومن الجدير بالذكر أن السمات الشخصية الخمس لا تتشكل عن طريق التنشئة فقط، بل ثمة دراسة تشير إلى أن الوراثة تلعب دورًا في ذلك، وخصوصًا في بعض السمات وليس جميعها.

عناصر الشخصية

باقتضاب شديد، تنقسم عناصر الشخصية التي يُعتقَد أنها تكوّن أبعاد شخصية الإنسان إلى: الانفتاحية على التجارب (من منفتح إلى منغلق)، والانضباط (من مرتب منضبط إلى عشوائي لا مبالي)، والاجتماعية (من اجتماعي منفتح على الخارج إلى انطوائي منكفئ على نفسه)، والوفاقية (من ودود لطيف متعاون إلى متحد صعب مستقل)، والعصابية (من حساس وقلق إلى مطمئن وواثق).

تؤكد دراسات عديدة على أهمية السمات الشخصية الخمس ووثوقيتها في التأثير على التوجه السياسي، إلا أن ذلك لا يعني أن مَن له سمة شخصية معينة لا بد أن يتبع توجهًا سياسيًا محددًا. فالأمر يتأثر بشكل كبير بالمناخ السياسي والظروف، كما أن النتائج تختلف بشكل كبير بين البيض والسود. ولا يعني وجود علاقة أنها مباشرة أيضًا، فهي في أحيان كثيرة موروثة، ولكن قد تكون للسمات الشخصية دور في تكوينها.

الصورة بواسطة Gerd Altmann

سمات الشخصية الخمس والتوجه السياسي

تظهر النتائج أيضًا العلاقة الواضحة بين سمة الانفتاحية العالية والانضباط المنخفض والتوجه المنفتح (الليبرالي)، فالليبرالي يميل إلى أن يكون منفتحًا على التجارب الجديدة والثقافات والأفكار المختلفة. ويكون أكثر ميلًا إلى اعتناق فكر مختلف، كما لا يخشى من الفوضى المحتملة فيما إذا فُتح الباب على مصراعيه.

أما السمات الشخصية المرتبطة بالمحافظة فهي الانغلاق على التجارب والانضباطية العالية. فالمحافظ يميل إلى النظام ويرغب بأن يبقى كل شيء في مكانه وعلى حاله، ولا يوافق على التغيير إلا وفق ضوابط حذرة وبشكل بطيء. كما يخشى من الفوضى المحتملة في حال السماح للأمور بالتغيير. ويعد الجدار الفاصل بين أميركا والمكسيك مثالًا تقريبيًا على ذلك، فبينما يريد المحافظون جدارًا يحافظ على النظام ويُبقي كل شيء في مكانه، يعارض الليبراليون الجدار مؤيدين للانفتاح وغير خائفين من الفوضى.

ولا تنحصر النتائج المتعلقة بهذا البحث فيما ذُكر هنا، فهناك العديد مما يميز الشخصيات المحافظة والمنفتحة عن بعضها سلوكيًا وفكريًا. و لعل هذه الدراسات تجعلنا أكثر تفهمًا وتساهلًا مع الطرف المغاير، فالمحافظ ليس بالضرورة شخصًا متخلفًا ويتعمد التضييق على الناس، ولا المنفتح منحل ويسعى للفوضى. وقد نفوّت الحقيقة ونحن نبحث عنها عند أحد الطرفين، بينما يكون مكانها في المنتصف.

نظرية التعلق والإيمان بالله

تقوم فكرة نظرية التعلق على العلاقة الشخصية المبكرة للطفل مع أمه وأبيه ودور ذلك في تكوينه النفسي والاجتماعي. ورغم أن العلاقة مع الأم نالت الاهتمام الأكبر في الدراسة، إلا أن العلاقة مع الأب مهمة أيضًا وتلقى اهتمامًا في البحوث المتعلقة بالإيمان وعدم الإيمان.

وبما أن الإيمان بالله مبني على علاقة بين العبد وربه، فقد يكون للتكوين الأولي للعلاقة مع الأبوين أثرها على العلاقة مع الإله أيضًا. وقد يكون هناك تشابه بين نمط العلاقة العام مع الآخرين في حياة الشخص وطبيعتها مع الإله.

تنقسم أنماط التعلق إلى أربعة أقسام:

  1. آمن: يستجيب له أبواه ويلبيان احتياجاته بسرعة، فتتكون علاقة آمنة وواثقة بالأبوين. الطفل مطمئن وواثق.
  2. قلق: نسبة الاستجابة لاحتياجاته أقل أو منعدمة، وتتكون علاقة فاترة بلا ثقة. الطفل حساس وقلق.
  3. انطوائي: لا نمط ثابت، تارة يُستجاب له وتارة لا. الطفل مستقل وغير مهتم بالعلاقات. 
  4. مشتت: الاستجابة لطلباته عنيفة أو مخيفة. الطفل حساس وخائف من العلاقات. 

تُظهر إحدى الدراسات أن للعلاقة بالأب -وليس العلاقة بالأم- ارتباطًا أكبر بالعلاقة بالله. والشخص الذي يكون نمط تعلقه آمنًا، يكون من الأسهل له أن يبني مع الإله علاقة آمنة واثقة مطمئنة، بينما تكون هذه العلاقة أصعب على الآخرين، كما يكون خوف الشخص القلِق من الله وعدم ثقته به أكبر. وتشير نتائج أخرى إلى أن احتمالية وجود علاقة قوية للشخص الآمن بالإله تعتمد على كون والداه متدينين أيضًا. أما إذا لم يكونا كذلك، فإنه يكون بدوره غير متدين. والعلاقة تكون عكسية للقلِق غير الآمن، حيث يكون عكس أبويه، وتكون دوافع القلق في الغالب عاطفية بسبب احتياجاته التي لم يحصل عليها من أمان وثقة وحب، لذلك فهي أكثر تقلبًا.

العلاقة بالأب والإله

قد يكون فرويد أول من ربط بين الإيمان وعدم الإيمان والعلاقة بالأب، حيث احتل الأب مكانًا محوريًا في نظرياته وكتاباته بشكل عام. كما كان هو من أبرز لنا اللاوعي وشرح أهميته الكبرى من حيث كونه مكان الغرائز والأحلام والمعتقدات التي تتكون في مرحلة الطفولة.

تقول نظرية فرويد إن الدين مجرد إسقاط ووهم لما نرغب فيه نحن، كما يشرح في نظرية الإسقاط (Projection Theory) بأننا نُسقط احتياجاتنا اللاواعية والطفولية إلى حماية أبٍ قوي واحتوائه لنا على العالم. فما الإله -وفقًا لنظريته هذه- إلا أب خلقناه وحلمٌ نحلمه كي نشعر بالأمان، أي «رغبة طفولية في وجود الأب وحمايته». وبالتالي فالمعتقدات الدينية برأيه أوهام نشبع بها رغباتنا البشرية الأزلية، وهي نظرية ليست لها علاقة بالتحليل النفسي وليست مبنية على خبرة في هذا المجال، كما يقول هو نفسه.

الصورة بواسطة بكساباي

بول فيتز ونظرية الأب المعيب

سعى بول فيتز، بروفسور علم نفس أميركي، هنا إلى قلب نظرية فرويد ضده بانيًا نظريةً أسماها «الأب المعيب»، ومنطلقًا من اقتباس لفرويد يقول فيه إن «التحليل النفسي الذي تعلمنا من خلاله الرابط الوثيق ما بين عقدة الأب والإيمان بالله، أظهر لنا أن الإله المتمثل بشخصية، هو منطقيًا ليس إلا أبًا ممجدًا، ويتضح لنا يوميًا كيف يفقد الشباب إيمانهم الديني بمجرد أن تنهار سلطة الأب». حيث سعى فرويد، من أجل إثبات كون الدين وهمًا، إلى أن يربطه بسلطة الأب. أما بول فيتز فيسعى لإثبات خطأ فرويد في اعتقاده ذلك مستخدمًا نفس فرضيته.

نشر بول فيتز كتابه «نفسية الإلحاد: إيمان فاقد الأب» عام 1999 متناولًا قضية الإلحاد الذي، حسب قوله وإلى عهد يعد قريبًا، كان يعد شيئًا شاذًا ومخالفًا للسائد، حتى أن الملحدين كانوا في الغالب يتحاشون الإعلان عن إلحادهم لأسباب تتعلق بأمنهم واعتبارهم. أما الآن فيبدو أن صعود الإلحاد وانتشاره متزامن مع تقدم العلم والتكنولوجيا، مما قد يوحي للكثيرين بأن إنكار وجود الإله نتيجةٌ لتقدم الإنسان في مجال المعرفة، وكأنه اكتشاف وصل إليه أخيرًا ولم يعد في حاجة إلى إرهاق نفسه في تناول مسألة بُت فيها.

يعترف بول بأن الإلحاد ظاهرة معقدة وقد تساهم في تكوينها عوامل وسياقات اجتماعية ونفسية عديدة. إلا أنه يدعي أن ظهورها في البداية في الوسط الثقافي كان على أيدي مشاهير معدودين كانت أسباب إلحادهم عاطفية ونفسية، وهم بدورهم روجوا للإلحاد وكانت لهم اليد الطولى في جعله ظاهرة متقبَّلة.

الأب المعيب

يعرّف بول فيتز «الأب المعيب» بالأب الذي يفقد سلطته أو يخيّب أمل ابنه بشكل كبير، وقد يكون غائبًا عنه لموت أو نبذ أو سجن، أو موجودًا ولكنه ضعيف وجبان ولا يستحق الاحترام حتى وإن كان تعامله لطيفًا. ولا يُشترط فيه أن يكون أبًا بيولوجيًا، حيث يمكن أن يملأ رجلٌ آخر مكان الأب ويمثل شخصية الأب التي يحتاجها الطفل. وحيث إن الطفل يبدأ ارتباطه الجدي بأبيه ما بين عمر ثلاث إلى خمس سنوات بعدما كان يرتبط بأمه أكثر قبلها، فإن غياب الأب في تلك الفترة بالذات -سواء معنويًا أو فعليًا- يؤثر بشكل كبير على الطفل وعلى نموه العاطفي وثقته وتشكيل مهاراته في تكوين العلاقات.

وهذه الفترة -بحسب فرويد- هي التي يتعلق فيها الطفل بشكل كبير بأبويه، كما أنها فترة حاسمة لتأسيس نفس الطفل (النظام الأخلاقي المستمد من الأب) وتشكيل الهوية الجنسية. وارتباط صورة الأب بصورة الله تأتي من أن الأب هو ممثل السلطة والقوة الأول والرئيس في حياة الطفل. وبناء على علاقة الطفل بصاحب السلطة في عائلته، تحدد أو تتأثر علاقته بصاحب السلطة المطلقة في العالم، وربما حتى بممثلي السلطة الدنيوية كالملك أو الرئيس.

يقرر بول فيتز أن يجعل الملاحدة أو رافضي الإله في المجموعة التجريبية (Experimental Group)، وتبريره أنهم كانوا الشواذ وسط بيئة مسيحية متدينة في أزمنتهم. فالحدث الجديد هو الإلحاد والموقف الحديث من الدين، وليس التدين. كما أنه يذكر أن وجود عوامل مشتركة بين الملحدين من المفكرين، مثل أنهم يتواجدون ضمن سياقات اقتصادية وطبقية معينة، يجعل الافتراض يطرح نفسه بأن هنالك ظرفًا أو ظروفًا معينة تسببت في ظهورهم، وهو ما يستدعينا لدراسة ذلك. وفي المجموعة المرجعية (Control Group) يضع مجموعة من الفلاسفة والمفكرين المؤمنين، ليقارن بينهم مختبرًا نظريته حتى يكون لها مصداقية.

الأب الميت

يجد بول فيتز، اعتمادًا على سيرٍ ورسائل وشهادات شخصية، أن كافة الأشخاص في المجموعة الأولى (الملاحدة) كان لهم بالفعل آباء معيبون. منهم من توفي آباؤهم في مرحلة مبكرة من طفولتهم كفريدريك نيتشه وهو في الخامسة، وديفيد هيوم وهو في الثانية من عمره، وبرتراند رسل وهو في الرابعة، وسارتر وعمره خمسة عشر شهرًا، وألبير كامو وعمره سنة، ومنهم من انتحر والده في مراهقته وهو شوبنهاور. ومن المهم أن نذكر أن مكان الأب لم يملأه أحد عند معظمهم، والذين ملأ لهم أحد مكان الأب، كان غير مهتم ولا يستحق الاحترام.

الأب السيء

ثمة آخرون منهم، رغم أن آباءهم كانوا متواجدين أثناء حياتهم، إلا أن تأثيرهم كان سلبيًا أو غائبًا، كحالة توماس هوبز الذي هرب والده متخليًا عن عائلته. وجون ميسلير الذي لا توجد معلومات عن علاقته بوالده سوى أنه أجبره على أن يصبح قسيسًا، وهذا ما جعل فيتز يقتنع بأنه لم يكن أبًا متفهمًا محبوبًا. وفولتير الذي رغم كتاباته الكثيرة عن والده، إلا أنه لم يذكره مرة بخير، وقد كان يبغضه وجعله ذلك يغير اسمه، كما أنه كان يعتقد أنه الابن الشرعي لرجل آخر.

ولورن دالمبير الذي كان ابنًا غير شرعي لم يعترف به أبوه ولم تكن بينهما علاقة مقربة. وبارون دي هولباخ الذي كان يبغض أباه ولا يذكره بخير. و لودفنگ فيورباخ الذي دخل أبوه في علاقة غير شرعية مع امرأة عندما كان طفله في التاسعة، وعاش معها بشكل علني. وسامويل بوتلر الذي كان أبوه قاسي القلب يضرب ابنه ويعنفه دائمًا.

وكالمتوقع، سيگموند فرويد، الذي احتل الأب في نظرياته وتحليلاته مكانًا أساسيًا، والذي كان أبوه ضعيفًا غير مستحق للاحترام ولا يستطيع توفير الدعم المادي لعائلته، كما أنه كان لا يرد على الإهانات التي يتلقاها أمام ولده بسبب يهوديته. وشخصيات أخرى آثرت ألا أذكرها هنا محاولةً للاختصار.

الصورة من بكساباي

كما لا ينسى فيتز أن يتطرق إلى الملحدين المعاصرين أمثال ريتشارد دوكنز ودانيَل دينيت وكريستوفر هيتشنز وغيرهم مستعرضًا من سيرهم الذاتية ما يثبت نظريته. فدوكنز مثلًا تعرض للتحرش من قِبَل شخصية دينية في طفولته.

الإلحاد عند النساء

يجادل فيتز بأن النفسية التي تقود إلى رفض الإله عند الجنسين تميل إلى أن تكون مختلفة. ورغم أن نظرية الأب المعيب تشمل النساء أيضًا، إلا أن تصرف النساء يختلف عن الرجال بعد رفض الإله. فالإله عند الرجل يمثل مبدأ العدالة والنظام في العالم أولًا، ويمثل شخصًا -كما يرى المسيحيون- يكوّن معه علاقة ثانيًا. ويكون المنطق والعقل وقانون الإله والسلطة مفاهيم محورية في الدين عند الرجل. بينما يكون الأمر عند النساء مختلفًا، فهن يمنحن الأولوية في شأن الإله للعلاقة ذاتها والعلاقة الإيجابية بالذات، بينما تكون مبادئٌ كالعدالة والنظام في التصور عنه ثانوية.

وبناءً على ذلك فالرجال الملحدون يميلون إلى أن يستبدلوا بالإله حقيقة أخرى مطلقة تمنح العالم منطقية ونظامًا، فيسبغون على العلم أو الشيوعية أو الإنسانية مثلًا ثوب القداسة والحقيقة المطلقة بدلًا من الإله. أما النساء فيمِلن إلى أن يملأن مكان فجوة العلاقة التي لم تعد موجودة مع الإله بعلاقة بديلة، قد تكون مع إله مختلف أو شخص.

وفي أحيان كثيرة لا يكون رفض النساء للإله ردًّا لفكرة الإله نفسها، بل اعتراضًا على نوع العلاقة بعدّها استبدادية أو أبوية مثلًا، والسعي بناء على ذلك لإعادة بناء العلاقة وفق معايير جديدة مع نفس الإله أو غيره، فالموضوع المحوري هنا هو العلاقة. ويسرد لذلك عدة أمثلة، منها سيمون دي بوفوار التي يذكر أنها استبدلت بعلاقتها بالإله علاقتها بسارتر وجعلت علاقتها معه محور حياتها.

المؤمنون وآباؤهم

يذكر فيتز أيضًا الأمثلة من الجانب الآخر، كالشخصيات المشهورة المؤمنة من علماء وفلاسفة وغيرهم الذين تواجدوا في نفس الفترة التاريخية لأقرانهم من الملحدين، ليشير إلى أن الاختلاف الوحيد الملحوظ الذي قد يُعزى له الفارق بينهم هو أن المؤمنين حظوا بآباء أو بدلاء لهم طيبين محترمين حافظوا على علاقات جيدة وقريبة من أبنائهم. ولمن أراد أن يستزيد أن يطلع على الكتاب.

قد لا تبدو نظرية فيتز قوية، خصوصًا أنه اختار العينة بنفسه وهذا ما قد يجعلنا نشك بقدر مصداقيته. كما أنه مسيحي متدين يحاول في كتابه مهاجمة الإلحاد ولكن بأسلوب علمي قدر الإمكان. ومع ذلك فإن من الصعب أيضًا تجاهل النمط الملحوظ في عينة الملحدين ومن ثم المؤمنين، ولعل ذلك يقود إلى أبحاث تقودنا إلى معرفة أشمل وأدق فيما يخص الموضوع. ومن الجدير بالذكر أن فيتز نفسه لا يدعي أن النظرية تنطبق على كل الملحدين، كما يذكر أنها تبقى معتبرة حتى لو انطبقت على 40% فقط.

ولا تثبت نظريته صواب الإيمان ولا خطأ الإلحاد، بل تؤكد أثر التربية والتنشئة على غرس معتقدات الأبوين في الطفل. ولا غرابة في أن الحرص على مؤسسة الزواج في الأديان أمر محوري، كما هو الاهتمام بالأيتام. ويعزو فيتز سبب انتشار الإلحاد في الغرب حاليًا إلى كثرة الأطفال الذين يكبرون بلا أب، ويرى ذلك نتيجةً للثورة الجنسية في الستينيات التي تأثر بها مفهوم الأبوة وتراجعت أهميته. حيث كانت الأبوة تعني -كما يقول- جنسًا بمسؤولية، ففُصِلا عن بعضهما وأصبح الجنس يمارَس بلا مسؤولية، فازداد عدد الأطفال الناشئين بلا آباء واستمرت الحلقة المفرغة.

خاتمة

سواء كان الأمر يتعلق بالسمات الشخصية أو بطبيعة العلاقات الأبوية وقوتها أو حتى لو كان الأمر يتعلق بعوامل أخرى غير مذكورة هنا، فكل ذلك -إن أُثبتت صحته ولو بنسبة لا تشمل الغالبية- قد يعيدنا إلى صميم سؤال حرية الإرادة. فإذا كانت ثمة عوامل نجهلها ولا نتحكم في صنعها توجهنا وتسيطر على تفكيرنا، فما الذي يجعلنا نثق بما نعتنقه ونعتقده؟ وهل ما نؤمن به مما يحدد لنا مكاننا في العالم وطريقة تعاملنا معه ويمنحنا أجوبة الوجود موثوق؟ في رأيي لا أرى أن النتائج -وإن صحت- تعني أننا محرومون من حرية الاختيار تمامًا. فهذه التأثيرات النفسية والعاطفية قد يكون تأثيرها قويًا ما دامت مجهولة، ولكن بمجرد كشفها ومعرفتها قد يتحقق للمرء خيار مراجعة أفكاره وفقها، فيختبر بتفكير منطقي ما إذا كانت دوافعه عاطفية ونفسية حقًا. وبناء على ذلك، تتاح له فرصة إعادة ترتيب أفكاره ومراجعة مسلّماته والتفكير بشكل أكثر منطقية. ولا يُلام المرء على ما يجهل، بل على تجاهله ما يعرف.

مصادر


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×