تأملات حول سنابشات 2

الحياة أمام الكاميرا

ماجد الدوحان
3 مارس، 2020

قبل عدة أيام، ذهبت صباحًا مع صديقي إلى أحد المقاهي في نيويورك. وفي اليوم نفسه، خرجت مع صديق آخر مشترك لتناول العشاء. كان صديقي هذا يتفرّج على سنابشات أثناء انتظارنا للطعام، وفجأة وجدت نفسي على شاشة جواله وأنا ألعب مع حيوان أليف في ذلك الصباح بجانب المقهى، حيث لم أكن أعلم أن صديقي حينها قد التقط المشهد.

عندما نقرر الذهاب إلى مكان عام كالمطعم أو المقهى، فإننا نحدد الحيز العام الذي نود التواجد فيه وغالبًا ما نعي سعته مسبقًا. فمثلًا، سنركب السيارة مع صديقيْن ونذهب إلى مقهى يتواجد فيه نحو 15 شخصًا وقد نقابل لاحقًا عامل البقالة، أي أن مجموع من سنلقاهم يتراوح ما بين 25-30 شخصًا إذا حسبنا بعض المارة والعاملين في هذه الأماكن.

في هذه الرحلة التي تستغرق ساعتين من الزمن، أنت تُحدّد عدة عوامل بشكل شبه محكم. فمثلًا، أنت تختار الشكل الذي تريد أن تظهر به في هذا الفضاء، وتختار نوع الفضاء، وتختار الأشخاص الذين سيكونون في هذا الفضاء، كما تختار الوقت الذي ستقضيه ضمن هذا الفضاء، متى يبدأ ومتى ينتهي. والمعطيات في هذه المعادلة تحدد بعضها البعض، أيّ تغير في أحد المعطيات يؤثر على المعطيات الأخرى والنتيجة النهائية. فمثلًا اخترت أنا الصديق الذي سأخرج معه صباحًا وحددت المكان وحددت الزمان، وحددت نوع وسعة الفضاء أيضًا.

لكن كان هناك معطى لم أُدرجه في المعادلة: سنابشات. سبّب هذا المعطى شرخًا في إحكام دائرة المعطيات التي شرحتها للتو، وسأشرح الآن ما أقصده بهذا الشرخ وما يترتّب عليه أيضًا.

ثمة عاملان في المعادلة يتسبب سنابشات بتحويلهما من محدوديْن إلى غير محدودين وهما الأشخاص والوقت، فعندما صوّرني صديقي مع الحيوان الأليف، لم أعلم مَن الأشخاص الذين سيشاهدون هذا الفيديو، كما أنني لا أعلم أيضًا عددهم ولا أعلم من سيتابع الفيديو بجانبهم. وعلاوة على ذلك، يمكن تصوير الشاشة لتحميل المقطع ليُتناقَل الفيديو إلى عدة فضاءات أخرى، مثل واتساب وتويتر وإنستاگرام… إلى آخر القائمة. وهذا العدد اللامتناهي من الأشخاص لا يضع في الحسبان العوامل الأخرى التي شكّلت هذه المعادلة، فعندما خرجت إلى المقهى صباحًا، اخترت شكلًا معينًا لأظهر به وتصرّفات ولغة معيّنة أيضًا، لكن هذا الشرخ اللامتناهي يتغير دون أن يعطي اعتبارًا للعوامل الأخرى، فتبقى على ما هي عليه في حين يتحول عامل الأشخاص إلى عدد لا منتهٍ.

والعامل الآخر الذي يحوله سنابشات هو عامل الوقت، أي أن هذا التواجد المحدد مسبقًا في الفضاء العام (ساعتان في المقهى) يتحول أيضًا إلى عامل لا منته ()، فتبقى هذه اللحظة متاحة إلى الأبد.

كما رأينا أعلاه، فإن سنابشات يحوّل عاملين هما الأشخاص والوقت من عوامل محدودة إلى عوامل غير محدودة. وفي قصتي مع الحيوان الأليف، لم أعِ تغير العامليْن، لكن في حالات أخرى كثيرة وخصوصًا في الفترة الأخيرة، استُبدل هذا المعطى الطارئ بالمعطى القديم، وأصبح الأشخاص والوقت دائمًا عاملين غير محدودين. 

الكاميرا أداةً للتوثيق والمحاسبة

يمكن أن نلاحظ هذا التغير في حياتنا اليومية، فمثلًا تُستَخدَم الكاميرا لتصوير التعديات وأداةً للمحاسبة، سواء بصفتها شاهدًا في حالة اعتداء موظف أو تحرش، أو حتى أداة لتوثيق الثورات والحروب المسلحة. وهذا التوثيق ليس بالضرورة معنيًّا بالمحاسبة القانونية، بل يستخدم عاملي الأشخاص والوقت كأداة محاسبة في حد ذاتها. عندما تعتدي وأرفع الكاميرا في وجهك، فهذا يعني أن هناك عددًا لامحدودًا من الأشخاص سيرونك لوقت غير محدود، وعلى إثره، يجب أن تتصرف.

تأملات في سناب شات
الصورة من Jenna Day على Unsplash

قد يُفهم تحليلي السابق على أنه نقد للكاميرا بصفتها أداةً أو لمفهوم التصوير ككل (مثل نقد داريدا للتصوير)، لكني أفرّق بين نقدي هذا ونقد داريدا بأن الكاميرا التي أتحدث عنها مرتبطة بشكل رئيس بشبكة الإنترنت، هذا الارتباط الدائم هو ما يحول الكاميرا من أداة تصوير إلى أداة بث ونشر قائمةً على العاملين اللذين أسهبت في شرحهما مسبقًا. وهذا الوجود الدائم للكاميرا بصيغتها الحالية يمثل ذوبانًا في الخط الفاصل بين العام والخاص، فأي فعل تقوم به (أو حتى إن لم تقم بأي شي) قد يكون على شبكة الإنترنت حالًا ويتفرج عليك أشخاص في أماكن عدة وللأبد.

دائماً ما يستوقفني أثر الكاميرا على كيفية التواصل، فعلى سبيل المثال، عندما يفتح أحد الأصدقاء كاميرا سنابشات، تسود طبقة غريبة طريقةَ التواصل بين من هم أمام الكاميرا وحتى شخصياتهم، فهم -وبشكل تلقائي اليوم- يستوعبون المتغيّريْن الأشخاص والوقت. أنت الآن تحت البث المباشر الذي (قد) يُحفظ ويُشارَك للأبد. 

هذه الطبقة الغريبة هي ما أسميه عملية الانتقال من الحيز العام المحدود إلى العام غير المحدود.

وهذا التغير في الشخصيات والأفعال قائم على تغير عامليْ الأشخاص والوقت وتحولهما من عوامل محدودة إلى غير محدودة. ما إن يصور أحدهم لسنابشات حتى يتحول المشهد إلى عملية تمثيلية أمام الكاميرا.

كانت التقسيمية الكلاسيكية للحيز تنحصر في فئتين: خاص وعام. إلا أن اليوم وبوجود برامج مثل سنابشات، أصبح هناك انقسام في الحيز العام نفسه، فبات لدينا حيز عام محدود وهو الحيز العام القديم (كالمطعم والمقهى)، والآخر حيز عام غير محدود وأقصد به الحيز الذي صنعه سنابشات. والفرق بين الحيز العام المحدود وغير المحدود هو أن الأخير يقوم بشكل رئيس على لامحدودية الأشخاص والوقت.

في ظل سنابشات وحمى التوثيق اللحظي، يختفي حتى الحيز الخاص، أي أن كل ما تقوم به قد يُصوَّر، إما من قِبل الأفراد المتواجدين في المطعم أو البقالة أو من قِبل أصدقائك. ثمة تطبيع على تصوير وبث الأفعال من الحيزيْن الخاص والعام المحدود إلى الحيز العام اللامحدود. وهذا التداخل العنيف الذي سببه سنابشات بين العام والخاص يضع الفرد تحت ضغط اجتماعي ووجودي، فهو في كل وقت وفي أي مكان عرضة لأن تُخلَّد تصرفاته للأبد وتُشارَك مع عدد لا منتهٍ من الناس، أيْ أن أيّ وجود له خارج السرير هو بث مباشر وحي ويقتضي عليه أن يتصرف على هذا الأساس، أي أن يتحول الفرد إلى ممثل دائم على المسرح، دون وقت للراحة أو الاختباء أو الانكفاء.


هذه المقالة ضمن ملف كيف تؤثر فينا التقنية؟

لا مناص اليوم من التكنولوجيا كبوصلة تقود حياة الإنسان وفي الغالب ما تحدد اختياراته وذائقته دون وعي منه. في هذا الملف، مجموعة مقالات حول هذا الأثر الذي يتجاوز مجرّد نقر زر الإعجاب هنا وهناك إلى ذاك الذي تخلفه على صحتنا العقلية وعلاقتنا بذواتنا ومحيطنا.
3
لا يكاد يمر يوم دون أن أقرأ على تويتر خبرًا...
2
إذا ما أردنا عدّ أهمّ الشخصيات تأثيرًا في تاريخ علم...
1
قبل سنوات، طلبت مني القناة الرابعة البريطانية مرافقتي بضع أيام...
النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×