الغضب الأخلاقي، الشعور الأكثر رواجًا على تويتر

الغضب الأخلاقي، الشعور الأكثر رواجًا على تويتر

لمازن العتيبي
4 ديسمبر، 2018

في الثاني والعشرين من أكتوبر، رفع اليوتيوبر فهد سال مقطعًا على قناته بعنوان: “كمعلم ممكن تدرّس بنات في المدارس السعودية؟”.

في أغلبه لا يختلف هذا المقطع عن غيره من مقاطع فهد، أو اليوتيوب الشائع بشكل عام. عنوان جذّاب يوحي بمحتوًى جريء أو فاضح دون أن يقدمه، أو “طُعم للضغطات” كما يقول الخواجات. صورة عرض غير طبيعية تُعزز العنوان: فهد يعُضّ شماغه مع نظرة “سكسية” تجاه الكاميرا. محتوى استهلاكي عادي، مليء بالنكت التي تُضحك الجمهور المستهدف، في حالة فهد هم نسبة ليست بالقليلة من الأطفال والمراهقين.

في اليوم التالي ظهرت على تويتر 30 ثانيةً من الفيديو المشؤوم، يتحدث فيها فهد متقمصًا شخصية معلم عن رغبته في اغتصاب طالبٍ أهان أمّه، أراد اغتصابه دوگي ستايل (doggy style)، إلا أن كونهم أمام الطلاب وكونه شخصيًا ستريت (straight) منعاه من اغتصابه. انتشرت “النكتة” بفضل حسابات تخصصية مثل “هيئة المشاهير” و “حقوق المرأة”، قبل أن يتلقفها عامة المغردين و”يهشتقوا” فهد مطالبين بمعاقبته وفصله من التدريس. الغالبية لم تشاهد الفيديو وكانت تعتقد أن فهدًا بالفعل مدرّسٌ على رأس العمل.

نشر بعدها فهد فيديوهين -بنفس التوليفة في الأعلى- يبرر فيهما نكتته بشكل غريب، إذ جادل في المقطعين أن الجميع أساء فهمه لأنهم لم يفهموا لهجته الجداوية الشوارعية. يقول فهد في الفيديوهين أنه كان يقصد بالاغتصاب، الضرب. وأن استخدامه لمصطلح “ستريت” كان إشارة إلى أنه شخص مستقيم يمشي على القوانين، بينما أن الواضح للجميع هو أنه استخدم مصطلح الاستقامة كمضاد للشذوذ الجنسية (Gayness). كذلك يقول فهد أن جملة “الاغتصاب Doggy Style” كان المقصود بها أن يضربه ضرب الكلاب، مع أن الجميع يعرف أن المقصود هنا هي الوضعية الجنسية الشهيرة حيث يجلس الشريك المتلقّي على أربع، كما الكلب.

في مطلع نوفمبر، قامت وزارة التعليم أخيرًا بالاستجابة لطلبات المغردين، وطلبت من النائب العام مقاضاة فهد سال أمام المحكمة المختصة لإخلاله بالآداب العامة وإهانة مهنة المعلمين. نشر بعدها فهد بيومين اعتذاره أخيرًا من المعلمين والطلاب ووزارة التعليم، وحذف فيديوّه الأول، وتعهّد بمراجعة جميع فيديوهاته من الآن وصاعدًا مع مدقق لغوي من مدينة جدة حتى لا يتكرر اللغط مجددًا.

محاولات فهد لتفادي اللوم مضحكة جدًا للأمانة. في اليومين الأولى لموجة الغضب، وبينما كان الكل ينتظر الاعتذار، لا أعتقد أن أحدًا توقع أن يتحول الحوار إلى مناظرة لغوية عن كيف يستخدم أهل جدة مصطلح “دوگي ستايل”. لوهلة يبدو الموقف وكأنه مأخوذ من سيت-كوم (Sitcom) أميركي عُرض في التسعينات. إلا أن الكوميديا تتقلص كثيرًا هنا، عندما نتذكر أن التهم التي قدمتها وزارة التعليم قد تسجن فهد لخمس سنوات وتغرّمه ثلاثة ملايين ريال.

سجن خمس سنوات وغرامة مُفلّسة بسبب نكتة سيئة. نكتة تستخدم الاغتصاب كمجازٍ للإهانة والسيطرة والإيذاء، مجاز يُستخدم عربيًا وعالميًا بكثرة.

ربما كانت الحسابات التي أشعلت أول محرقةٍ ضدّ فهد تُجادل بأن الاغتصاب جريمةً حساسة وجادة، ويجب علينا التوقف عن استخدامها كمجازٍ كوميدي أو كدلالة إهانة. مُجادلة منطقية لم يكونوا أول من طرحها أو حاول تأنيب معارضيها. إلا أنني أعتقد أنهم مع ذلك،  يرون أن 5 سنواتٍ من السجن عقوبةٌ مبالغ فيها لنكتة لا تضر أحدًا فعلًا، في سياقٍ غير محرم اجتماعيًا -حساب هيئة المشاهير لا يشعر بالذنب-. ولا يوجد هناك أي شك بأن أهداف الحملة تخطت حدود النكت عندما وصلت أوجها، وأن العديد ممن طالبوا بمعاقبة فهد كانوا يعاملونه كما لو أنّه معلم على رأس العمل، يعلن جديًا رغبته باغتصاب الطلاب الذين لا يعجبونه.

وسواء أكانت نكتةً أم  لمن تكن، العواقب التي قد يواجهها فهد تندرج تحت تهمة “إثارة الرأي العام”، تهمةٌ يعتذر عنها فهد في فيديوه الأخير. إلا أنني أعتقد أن الرأي العام هذه المرة، كان يريد أن يُثار. في نهاية المطاف فهد ليس أول، أو آخر ضحية لغضب تويتر.

والبحث عن “غضب المغردين” بالعربي أو الإنگليزي هو تجربة مثيرة، كفيلةٌ بإبقائك على إطلاعٍ بآخر الأحداث المثيرة للجدل، والتي تتمايز حدّتها ما بين عمليات قتلٍ وتخريبٍ في العالم الحقيقي، إلى نكتٍ سخيفةٍ مثل نكتة فهد ذاتها. لا يوجد مناصٌ من الاعتراف بأن الغضب والانفعال يلوّنان الجو العام لتويتر، وأن الجميع يشارك في تعزيز وجود هذان الشعوران.

كيف تحوّل تويتر من أيامه الوردية، حيث كانت الحسابات “الساخرة” تظهر من كل حدبٍ وصوب، إلى أرض المعركة التي نعيشها اليوم، المعركة التي لم تسلم منها الحسابات الساخرة أنفسها؟

كيف انتقلنا من التهديد بالعيش في عالمٍ حيث لا شيءَ يهم، إلى عالمٍ حيث كل شيءٍ يهم؟

الكتابة هي السبب

الطريقة الأمثل لمعرفة أنفسنا، هي من خلال عيون الأشخاص حولنا. وخلال السنوات الثلاثة الماضية، ساهم انخراطي في نشاطات الجامعة، وفي تجاربي الوظيفية اللاحقة، بأن أتعرف على أجزاء جديدةٍ من شخصيتي. منها أنّ لدي قدرةٌ عجيبةٌ على التأخر عن كل المواعيد المهمة عشر دقائق، وأن الأشياء التي تضحكني بالعادة لن تضحك غيري، وكذلك أن رسائلي الصوتية عذابٌ لا يريد أحدٌ المرور به.

جزئية الرسائل الصوتية بالذات كانت هي الأكثر إزعاجًا. لم أعرف بادئ الأمر سبب انزعاج زملائي منها. سماع تفاصيل فكرةٍ لمشروعٍ جديد مثلًا، تبدو أفضل من قراءة نفس المعلومات، ولن تتطلب نفس المجهود. ما أقوله في 10 دقائق مثلًا، قد يصل إلى 700 كلمة، وسيستغرقُ منك مجهودًا أكبر في قراءته.

ما وضّحه لي أحد مدرائي السابقين عندما أعلن أنه لن يستمع لأي رسالة صوتيةٍ منّي، هو أنني لو اضطررت إلى الكتابة فسأُضطر إلى الاختصار.

في حين أننا نستمتع بالاسترسال شفهيًا، إلا أن المهمة أصعب كتابيًا. لا لأجل المجهود اليدوي فقط، لكن لأننا نرى الاسترسال عيبًا كتابيًّا. نستطيع أن نشاهد ونحن نكتب كيف تسوء رسالتنا وكيف يضيع الموضوع. لذلك نقرر أن نقص كل الأفكار غير المهمة، كل الأشياء التي تطرأ على بالنا في اللحظة، كل التكرار وعدم اليقين. وبهذا تصبح رسائلنا أفضل.

في بحثي عن تقارير تدعم استنتاجي هذا، وجدت أكثر من ورقةٍ علمية تقول بأن الكتابة “أسلوب تفكير” أكثر من كونها وسيلة تعبير. أي أنها لا تكتفي بنقل ما نريد قوله، لكنها تؤثر فيه أيضًا. وهذا يساعدنا في حل المشكلات، فهو يجعل رسائلي لشركاء العمل أكثر فاعليةً مثلًا. إلا أن نفس العملية تجعل رسائلنا المكتوبة تخسر بعض “النوعية” التي كانت موجودةً على ألسنتنا، أو في أدمغتنا.

وفي التواصل الوظيفي “النوعية” ليست أمرًا مهمًا إلى ذلك الحد، كل ما نريده غالبًا هو معلومات محددة وواضحة. لكن عندما يصبح التواصل هذا تواصلًا مجتمعيًا، نضطر أن نعبر فيه عن مبادئنا ومشاعرنا، يتعقد الوضع قليلًا. مشاعرنا ليست دائمًا واضحة، مبادئنا ليست دائمًا واضحة، المعضلات الأخلاقية تسمّى مُعضلاتٍ لسبب. في التواصل المجتمعي نحتاج بعض المناطق الرمادية لنتعامل مع معطيات حياتنا بشكل جيّد. خسارة التفاصيل لتحسين جودة الكتابة قد يضر الرسالة نفسها.

لهذا نضطر كتابيًا إلى اتخاذ مواقف واضحة لا مكان للشك فيها. لكن تخيّل لو أننا اضطررنا لفعل كل هذا في دفعاتٍ تحمل كل منها 280 حرف فقط.

أكثر من طريقة لشراء ريتويت

الكتابة، والمواقف الواضحة، لا تعني بالضرورة التطرف، ولا تعني بالضرورة الغضب. في مجموعات الواتساب الدراسية مثلًا، يميل أغلبنا إلى اتخاذ مواقف سلمية تُركز على العمل وتبتعد عن المشاكل والمشتتات. في المجموعات العائلية نميل إلى المواقف الحُبيّة الحميمية، سواءً كانت حقيقةً أم استعراضيّة.

ما الذي يجعل تويتر المكان المناسب للغضب إذن؟ الإجابة هي أن النجاح في تويتر يتطلب مواقفًا غاضبةً/ حانقةً/ رافضةً بالعادة.

كل المواقف الاجتماعية فيها أشياء تُخسَر وتكتسب. في مجالس القبيلة هناك صورتك كرجلٍ ناجح. في المجموعات الدراسية المذكورة آنفًا، هناك صورتك كإنسانة جيّدة، وإلا فإنك تواجهين خطر النبذ من زميلاتك. وفي مجموعات العائلة هناك صورتنا كأبناء محبوبين.

وإذا ما كنت ترى أن كُل الأشياء التي على المحك هي السمعة الجيّدة، فأنت محق. إلا أن تويتر يضيف عاملًا آخر غالبًا ما يتم الخلط بينه وبين السمعة الجيّدة، ألا وهو الظهور. وهذا الظهور غالبًا ما يتغذى على المشاعر المتطرفة.

ولا أقصد هنا أن خوارزميات تويتر ترفع أي تغريدة جدلية وتفضلها على الأخريات، لا، هذه قضية أخرى تمامًا. لكن أقصد أن الناس بطبيعتهم يميلون إلى التفاعل مع المحتوى الذي يطلب منهم ردّة فعلٍ قوية. لذلك لو استثنينا التغريدات “المفيدة” التي تحصل على عدد عالٍ من الاعجابات؛ لأن الناس تريد العودة لها لاحقًا، لوجدنا أن أعلى أنواع المحتوى مشاركةً على تويتر ينقسم لثلاثة أنواع:

  1. تغريدات كوميدية هدفها الإضحاك
  2. سلاسل قصصية هدفها الإمتاع -شعور الانغماس في قصة-
  3. وتغريدات عاطفية هدفها استدرار العاطفة.

هذه الملاحظة قد لا تكون “مُفجّرة للأمخاخ” غالبًا، بالعكس هي بديهية جدًا. إن لم تحوي التغريدة شيئًا مفيدًا لي، ولم تضحكني، ولم تمتّعني، فلماذا سأشاركها؟

إلا أن هذه الملاحظة البديهية ضرورية لتأطير نظرتنا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا تويتر. فهذه المنصات لم تعد انعكاسًا فعليًا للحياة الواقعية، وحساباتنا فيها لم تعد انعكاسًا لشخصياتنا الحقيقية. وسائل التواصل الاجتماعي تخطّت كونها مدونات نتحدث فيها عن كرهنا لوظيفتنا أو نوع الأفلام الذي يستهوينا، وأصبحت منصات لصناعة المحتوى. كلنا صنّاع مُحتوىً على تويتر، وكأي صانع محتوى نحن نريد أن نبيع محتوانا، لذلك نُشاهد الطلب في السوق، ونحاول أن نعرض مُنتجًا مناسبًا.

وفي حين أن انتاج المحتوى الكوميدي يحتاج لحس فكاهة، والسلاسل القصصية تحتاج لموهبة سردية، فإن تغريدات استدرار العاطفة مفتوحة للكل تقريبًا. ربما تحتاج إلى ظرف صحي أو مصيبة عائلية لتستدر عاطفة الحزن والشفقة، إلا أن بقية المشاعر تنتظرك لتقتطفها.

لكن ما الذي يجعل الغضب الأخلاقي، من بين كل المشاعر المتاح التعبير عنها واستجلابها، الأكثر حضورًا؟ لماذا لا ينخرط أشخاصٌ أكثر في التغريدات الرومانسية مثلًا، لماذا لا تنتشر التغريدات الباعثة على السعادة؟ لماذا يفضل العديد من الأشخاص المرور بشعور سلبي كالغضبِ متجاهلين بقية المشاعر الإيجابية؟

الإجابة هي أن التعبير عن الغضب الأخلاقي، قد يكون أكثر المشاعر “إيجابيةً” لدى البشر.

الغضب الأخلاقي شعورٌ جيّد

ربما تكون أقدم ذكرياتي الشخصية مع الغضب الأخلاقي في تويتر هي قضية فيصل حافظ و”طفلة النفايات”.

القضية لمن نسيها: مشجع أهلاوي اسمه فيصل حافظ يصوّر نفسه أمام طفلة إفريقية -كانوا يعتقدون أنها طفل في البداية- ترتدي زي الإتحاد وتنبش في حاوية للنفايات. كانت الطفلة في الخلفية تنتظر مباشرةً إلى الكاميرا بعيون غاضبة ومكسورة، بينما يبتسم فيصل الذي كتب على الصورة “جدة إتي وسطل 😂 قتلتني النظرة 😂”.

كان فيصل قد أرسل الصورة إلى متابعيه القليلين في Snapchat، إلا أن أحدهم وضعها على تويتر لتنتشر مثل النار في الهشيم. خلال ساعات انهالت الدعوات والتنديدات والهجمات اللفظية الغاضبة على صاحب الصورة المجهول وقتها، مدفوعين -غالبًا- بتعاطفهم مع الطفلة المسكينة. لا أتذكر الأشياء التي قلتها بالتحديد، لكني كنت جزءًا من الجموع الغاضبة. أتذكر الجو العام وقتها، بالرغم من كمية الغضب في الهواء إلا أن شعورًا جيدًا كان يخيّم على الجو. لكثيرٍ من الأشخاص المؤمنين بوجود هذه العنصرية في شوارعنا بشكل يومي، بدى أن هذه الهجمة الغاضبة في طريقها لتحقيق عدالةٍ ما. بدا أن عنصريًا سينال عقابه أخيرًا.

بالطبع لم يدم هذا الشعور طويلًا.

في أقلّ من يوم تجمهر “هوامير” تويتر على القضية، وحولوها من غضب أخلاقي طاهر إلى مزادٍ للتبرعات للطفلة، ليمتلئ الوسم وقتها بمئات الأشخاص الذي يسبّحون كيف أصبح هذا الموقف المهين مصدر رزق لها. انتبه بعدها فيصل حافظ للغضب، وكتب تبريرًا أو اعتذارًا في ملاحظات هاتفه الجوال ونشره على تويتر. لحقه اعتذار مصوّرٌ بجانب الطفلة نفسها، إذ سلمها لعبة باربي كهدية، وقبّل رأسها، وأعلن أنه سيشجع الإتحاد مثلها. انتهى مقطع الاعتذار بمجموعة من الأشخاص خلف الكاميرا يشكرونه على اعتذاره ثم يصفقون له، “يعطيك العافية يا فيصل والله”، “صفقوا..”.

تبيّن بعدها أن المبهورين باعتذاره لم يكونوا أصدقاءه فحسب. مئات الأشخاص دافعوا عنه بعدها وأشادوا بشجاعته، وبدى بشكل غريب أن فيصل قد كوّن قاعدة جماهيرية وأصبح في طريقه للشهرة. التفت آلاف الأشخاص في الجهة الأخرى إلى الهوامير، وتسائلوا إذا ما تلقّت الطفلة التبرعات المزعومة. بينما استبق العديد ردود الهوامير وأعلنوا أن التبرعات مسمومة لأنها جاءت علنًا وفي سبيل الشهرة. كانت هذه هجمة أخلاقية أخرى، توحي بنهاية الهجمة الأولى وحل قضيتها.

إلا أن القضية لم تحل، ولم تنفع الهجمة الأولى. لم يعاني فيصل بسبب أفعاله، بل بدا أنه كوفئ. رفض العديد منّا اعتذاره، وضحكنا في وجوه أولئك الذين صدّقوه. وأصرينا على الاستمرار بنشر صورة الطفلة ونظراتها المكسورة، متسائلين إذا ما كان اعتذار فيصل كفيلًا برد كرامتها.

كنت أعتقد أن عدم رضاي كان نابعًا من رغبةٍ جامحةٍ بتحقيق العدالة للطفلة، إلا أن إصراري على معاقبة فيصل لم يختف حتى بعد أن أعلنت العائلة رفضها للتبرعات وطلبت من الجميع التوقف عن مشاركة الصور. بالعكس، حقدت قليلًا على العائلة. كان من المفروض أن يكونوا هم من يقود الحملة لمعاقبة فيصل. كانت رغبتهم في الخصوصية إهانةً شخصية لي.

بالطبع لم يستمر الغضب، أو الحقد. على الأقل لم يستمرا في ذلك الاتجاه. بردت القضية بعد أيام، لم تعد هناك صورٌ أو مقاطع جديدة لتأجج النار، وجاءت أشياء أخرى تثير إحساسي بانعدام العدالة. القضية التي شغلت بالي لأربعة أيام، لم تعد بتلك الأهمية فجأة، بالرغم من عدم وجود تحديثات جديدة عليها. بات واضحًا بعد عدة تكرارات لنفس العملية مع قضايا أخرى، أن الدافع خلف الغضب الأخلاقي لم يكن مبدأً أخلاقيًا فعلًا، بل عاطفيًا في المقام الأول.

تحدثت أكثر من دراسةٍ عن السبب الذي يجعلنا نحب الغضب الأخلاقي لهذه الدرجة. يقول بعضهم أنه شعورٍ استعراضي، نحن نحب أن يرانا الأشخاص غاضبين لصالح القضايا الجيدة حتى يعرفوا أنّا أيضًا جيّدون. البعض الآخر يقولون إنه إثبات شخصي، أننا نؤكد به طهارتنا الداخلية وبراءتنا من الجريمة التي ندينها. لكن الجميع يتفق على أن الغضب الأخلاقي شعورٌ جيّد، وأن الأعداد الضخمة التي تكوّن موجات الغضب الأخلاقي المعتادة يلاحقون لذّة العدالة أكثر من العدالة نفسها.

بل يُجادل الكاتب ديفيد برين أن الغضب الأخلاقي شعورٌ إدماني. إذا ما كانت حالاتٌ إدمانية مثل إدمان القمار وإدمان الجنس هي في أصلها إدمانٌ على حالات شعورٍ معيّنة تفرز مركبات مُرضية في أدمغتنا، فما المانع من إدماننا لمشاعرَ أخرى؟ قد تقلّب في صفحات الأشخاص الذين تعرفهم وتجد من هو مدمنٌ على الحب ويبحث عنه في كل مكان، ومن هو مدمنٌ على الشفقة ويشتكي دائمًا من كونه الأسوأ حالًا. و الغضب الأخلاقي ليس استثناءً، بالعكس ربما يكون هو الأسهل تحصيلًا.

العجيب أن ملاحظة ديفيد هذه أتت قبل الانتخابات الأميركية الأخيرة، حيث وصل الاستقطاب أشده، وأصبحت المخيمات السياسية مدمنةً على خطايا خصومها. بداية الاستقطاب هذا كانت في 2015، الوقت ذاته الذي كان فيه تويتر العربي مهتمًا بالصفح والهوامير أكثر من اهتمامه بالعدالة الطاهرة لطفلة الحاويات.

لو انتشرت صورة فيصل اليوم لكانت الهجمة عليه أكثر حدّة، لتم استخدام صورته وهو يخدم الحجّاج بزيّه العسكري لطرح التساؤل: “أيكون هذا العنصري ممثلًا للملكة أمام العالم؟”، وكان في الغالب سيخسر وظيفته أيضًا. أصبحنا اليوم مدمنين للأخبار السيئة والأخطاء الأخلاقية الغبية، باختلاف تعريفاتنا للسيء والأخلاقي.

يتابع اليساريون غالبًا حساب حقوق المرأة ليبقوا على يقظة بكل من يتعدى على هذه الحقوق، سواءً بالفعل أو بالتحريض أو حتى بالتنكيت. حساب هيئة المشاهير يعرض تشكيلةً أكثر تنوعًا، وأكثر تركيزًا على المشاهير.

حساب حاتم النجار الشخصي كان لفترة ملجأً للطرف الآخر، برفضه المستمر للنسوية والشذوذ. واليمينيين أكثر من حاتم وجدوا في حساب “حقوق الرجل” سيلًا لا ينضب من الغضب. الحسابات التي تسجّل “الاعتداءات” على الوطن كثيرةٌ أيضًا، وهي لا تفرق إذا أتت هذه الاعتداءات من حسابات ضخمةٍ أو أشخاص مغمورين. وسوم المشاهير نفسها أصبحت مزارعَ لردات الفعل هذه، ولنا فيما حدث لسويمي وماجد العنزي خير مثال. الكثير من التغريدات تستهزئ بمن يتابع مثل هؤلاء المشاهير وتطلب منهم متابعة أشخاصٍ أكثر أحقيةً بالشهرة، مثلنا مثلًا. حتى الحب أصبح فعل نكايةٍ بالخصوم.

السؤال هنا، ما السيء في الغضب الأخلاقي ؟ لماذا على النساء التروي في وجه من يستهزئ بحقوقهن؟ هل شعورهن باللذة في أخذ حقهن خطيئة؟ الكثير من الأفعال الجيدة تبعث على الرضا والسعادة، لماذا نستثني الغضب للوطن منها؟

الإجابة هي أن الشعور نفسه ليس خطيئة. في قضية معنفة أبها مثلًا، لم تكن ردة الفعل العنيفة كافيةً للتعبير عن وحشية الموقف. في قضية سويمي وماجد مثلًا، من الممكن المجادلة أن استخدامهم لصور الأطفال في نكتٍ جنسيةٍ فعل اعتداء لا يقل عنفًا عن التحرش الجسدي نفسه.

لكن عندما يكون الشعور هذا إدمانيًا، وتكون المنصة مشجعةً ومحفزةً له، فإن النتائج قد تتخطى العواقب البسيطة هذه.

أنثروبولوجيا تويتر

قبل أسبوعين، وبعد أن انتشرت سلسلة من التغريدات لشاب يدعى مخلف الزيدان يؤرخ فيها حياته الوظيفية، قال حاتم النجار:

“لا يعجبني مخلف كثيرًا كشخص، ولا يعجبني ستايله ولا طريقة تعبيره عن هواياته. ولكن شعوري تجاهه لن يجعلني أهاجمه وأسخر منه وأهمشه. قصته جميلة وملهمة في شق طريق النجاح…”.

حاتم يعي أنه كان يستطيع امتداح قصة مخلف دون التعليق على أسلوبه أو رأيه الشخصي فيه، وبرر فعلته هذه بأنه أراد التبيين للناس أنك تستطيع أن تمتدح جوانب من أشخاص معينين دون الحاجة للإعجاب بكل جوانبهم. لكن فعليًا كان حاتم يستطيع أن يوصل الفكرة بدون الإشارة للكراهية، مجرد امتداحه لقصة مخلف يثبت أنه يستطيع الإعجاب بقصة شخص وكفاحه دون الحاجة لقبول باقي جوانب شخصيته. لماذا اضطر إلى التنويه إذن؟

حاتم اضطر إلى التوضيح لأنه ومخلف ينتميان إلى مخيمين مختلفين. وأي تفاعلٍ مع عضو من المخيّم الآخر يحتاج إلى إعادة تأكيد ولاءٍ للمخيم الأصلي.

حاتم ينتمي لمخيم “المطوع الكول”، بينما مخلف عضو في مخيّم “الكول..الكول”. يتفقان أن لا مشكلة في التفاعل مع النساء في التويتر، إلا أن أحدهما يبدو مرتاحًا معهن أكثر. يتفقان أن للكل مساحته الخاصة، إلا أن أحدهما يرتاح في التعبير عنها أكثر. لو أن حاتم، الأكثر محافظةً، امتدح مخلف دون توضيحات، لواجهته عدة أسئلة عن نوعية الأشخاص الذين يمتدح، خصوصًا مع الصورة التي تبدأ تلك السلسلة.

حاتم ليس جديدًا على تنويهات تحديد المخيّم هذه. جولاته وصولاته مع النسويات جعلت العديد يضمّه لمخيّم “حقوق الرجل”، تهمةٌ اضطر أن يفنّدها أكثر من مرة. وفي كل مرّة كان يعلن عن كرهه لهذا المخيّم كان يواجه انتقادات من نفس المتابعين الذين صفقوا له عندما انتقد النسويات. مُتابعون يتهمونه بالتلطف والمداراة. ليضطر مجددًا لإعلان مخيّمه، منطقة وسط بين النسوية والذكورية.

حاتم ليس الوحيد. حساب “حقوق المرأة” المذكور سابقًا هوجم عندما أعلنت مالكته أنها ضد استخدام عبارات مثل “كل الرجال قمامة”، وأنها تعتبر مستخدماتها مسيئات للنسوية. اتهمت المالكة بالضعف وبأنها تبحث عن موافقة الرجال.

هذه المخيّمات يشار لها عالميًا بمصطلح غرفة الصدى (echo chamber)، هو مصطلح إنگليزي بدأ في الانتشار عقب الانتخابات الأميركية الأخيرة.

المصطلح يعني الغرف المغلقة التي يتضخم فيها صوتنا بفعل الصدى، في إشارة إلى أن وجودنا في مخيم ما يُغلقنا عن الآراء المخالفة، وبفعل ذلك يزداد إيماننا بمعتقداتنا إلى حدٍ غير منطقي، لأننا لا نسمع شيئًا غيرها.

والإشارة إلى أن كل شخصٍ يؤمن بما يؤمن به، وأنه يرى الطرف الآخر إما غبيًا أو مُستغفلًا، ليست بابتكارٍ جديد هي الأخرى. إلا أن كميّة الاستقطاب التي تحصل في تويتر تختلف عن غيرها. المجموعات التي تعارض النسوية مثلًا تختلف في توجهاتها، ما بين متطرفين يرون أن كل شكاوى النساء احتجاجات فارغة، وأشخاص عاديين إلا أنهم يرفضون “بعض” مطالب النسويات. في الجهة الأخرى النسويات أيضًا بينهن من تؤمن أن الزواج اختراع ذكوري لقمع المرأة والحجاب يجب أن يرفض في كل حالاته، ومنهن من ترى هذا تطرفًا وتعتقد أن المجتمع بحاجة إلى بعض الرتوش فقط.

وأقول هنا أن المجموعتين تحتويان العديد من المجموعات المتفرقة، بدلًا من أنها تتشكل من أطياف عديدة من الأفراد، لأنها فعلًا أصبحت مجموعات داخل مجموعات. ولكل مجموعة حدودها المعيّنة التي تتعامل بها، والفرق بين كره المجموعات الأخرى التي تقع تحت المظلة الأم وكره تلك التي تقع خارجها، هو فرقٌ في الدرجات فقط.

في رأيي، والعياذ بالله من ياء الملكية، أن هذه الدرجة من التفرّق هي نتيجة الغضب الأخلاقي. عندما تحدد لنفسك قيمًا ومبادئ واضحة، ثم تقضي نسبةً كبيرةً من وقتك في الغليان حول آراء خصمك التي تختلف معها، والتي لا تراها خاطئة فحسب، بل مُجرمة أخلاقيًا، فكيف تكون ردّة فعلك عندما يتقاطع أحد حلفائك مع خصمك في أحد الآراء؟ البديهي أن تعتبره في مخيّمٍ آخر، وتبتعد عنه.

وعندما نقسّم الآخرين إلى مخيّمات، ونبالغ في تجريم معتقداتهم، فالمسألة تتخطى الاختلاف معهم أو مهاجمتهم لفظيًا فقط، بل يصبح من الأسهل إيذائهم فعليًا.

هل طالبت بإلقاء أقصى العقوبات على أحدهم هذا المساء؟

عندما نتكلم عن الغضب الأخلاقي، فجستين ساكو هي “المريض صفر”.

كانت جستين على وشك صعود رحلة من لندن إلى جنوب إفريقيا مدتها 11 ساعة. غرّدت قبل ركوب الطيارة: “ذاهبة إلى إفريقيا، أتمنى ألا أصاب بالإيدز. أمزح، أنا بيضاء”. بالرغم من كونها مديرة العلاقات العامة في إحدى أكبر الشركات التقنية الأميركية، لم تفكر جستين في النكتة، كان لديها أقل من 150 متابع وقتها.

من سوء حظها أن صحفيًا شاهد النكتة، وأعاد نشرها لـ 15,000 من متابعيه. لتصبح الموضوع الأكثر رواجًا على تويتر وقتها. طالب العديد بطردها من وظيفتها، أعلنت شركتها أنها ترفض نكتتها، قامت صاحبتها بحذف حسابها، كل هذا وجستين في الهواء لا تعرف شيئًا عن الذي يحدث. ومن شدّة غبطة المتابعين في تويتر، تتبع أحدهم مسار رحلتها وأعلن وقت هبوط طائرتها، وتوجه مجموعة من الجنوب أفريقيين لتوثيق وصولها. تابع الملايين الحدث بحماس، شعورٌ غريبٌ أن ترى حياة شخصٍ على وشك الانتهاء دون أن يعرف الشخص نفسه.

انتهت حياة جستين بالفعل، خسرت وظيفتها المرموقة، خسرت قدرتها على المواعدة، خسرت احترام عائلتها. واحتاجت لعدة سنوات حتى تستعيد كل هذا.

كل ما مرّت به جستين من عذاب، لا يقارن بالذي يمر فيه من يقع ضحيةً لغضب تويتر العربي.

يستطيع الغربيون القول أنهم لم يؤذوا جستين بالفعل، أنهم انتقدوا تغريدتها السيئة فقط، وأن طردها من وظيفتها هو حقٌ لشركة لا تريد تشويه سمعتها بتوظيف أشخاص سيئين. الصحفي الذي تسبب في الهجمة عليها قال هذا الكلام بالضبط، لم يشعر بأي ذنبٍ تجاه ما حدث لأن العواقب متعلّقة باختيار الناس، وهو لا يستطيع التحكم باختيار الناس.

لكن في تويتر العربي، خسارة وظيفةٍ قد تكون نعمةً عندما ترى ضحايا تويتر المعتادين. ماجد العنزي وسويمي أبو صندح سجنوا وغرّموا لما فعلوه، الكاتب حمزة كاشغري كان مهددًا بتهمة الإلحاد طوال فترة سجنه، وكذا المؤرخ الموسيقي محمد سلامة. كما تم القبض على طفلٍ ذو 14 عامًا عندما رقص أمام الإشارة.

والآن بعد قضيّة وزارة التعليم، يواجه فهد سال مصيرًا مشابهًا. بشكلٍ غريب يقف الرجل الذي قال نكتةً سيئةً منتشرةً بين الشباب، جنبًا لجنب مع أشخاصٍ استخدموا مقاطع أطفالٍ بشكل جنسي، وأشخاص اتهموا بالإلحاد على كتاباتهم، وطفلٍ رقص الماكارينا في شارعٍ عام.

الغضب الأخلاقي العام كان سبيلًا لتحقيق الكثير من الأشياء الجيّدة في تويتر، صوتًا لمن لا منبر إعلامي يهتم بقضاياهم. إلا أن المشكلة معه هي المشكلة مع “عدالة الجموع” بشكل عام، لا يمكن لمنفذ العدالة أن يستلذ بإطلاق التهم وتنفيذ العقوبات، وإلا لتفوّق البحث عن اللذة على البحث عن العدالة. تقرر الجماعة اليوم أن تشنق قاتلًا، تتدافع أيديهم على شد الحبل، كلٌ منهم يشعر بلذّة تحقيق العدالة. ثم عندما ينقرض القتلة يقررون أن السارق يجب أن يُشنق أيضًا، فيأتي كلٌ منهم بحبله.

بالمناسبة، من المثير للسخرية أن الصحفي الذي تسبب في تدمير حياة جستين، أصبح هو نفسه ضحيةً للغضب الأخلاقي فيما بعد بسبب نكتة سخيفة. تواصلت معه جستين وقتها، وأعلنت له تضامنها معه. قالت له بلهجة الخبيرة: “فقط لا تتفاعل”.

تقصد لا تتفاعل مع الهجوم، لا تعتذر، لا تبرر، لا ترد، لا تفعل شيئًا. هي تؤمن أن كل هذا الغضب سيمضي مع أقرب فرصة ممكنة. لكن عندما تكون العواقب المحتملة أكبر من الطرد من وظيفتك، من الصعب ألا تفعل شيئًا.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×