هل يعاني مشاهير التواصل الاجتماعي من الاكتئاب؟


قبل سنوات، طلبت مني القناة الرابعة البريطانية مرافقتي بضع أيام لتوثيق عملي بصفتي «مؤثرًا» في وسائل التواصل الاجتماعي. كان الهدف من الوثائقي سبر أغوار ما يحدث حقيقةً خلف شاشة الجوال المبهرة. هل حياة هؤلاء المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي انعكاس حقيقي، أو على الأقل معقول، لحياتهم على أرض الواقع؟ هل يقودون تلك السيارات التي يصورونها؟ هل يملكون فعلًا الطائرات الخاصة التي يسافرون عليها؟ هل هم بذات المرح الذي يبدون عليه؟ هل هم فعلًا جميلون ذوي أجساد فاتنة، أم امتدت برامج تعديل الصور لتحسين عيونهم وأنوفهم وأجسادهم المثالية؟

صدر الوثائقي بعنوان: «أولاد إنستاگرام الأثرياء». يحكي حياة عدة مؤثرين من عدة دول، وشاهده الملايين في كافة أنحاء العالم، وأحدث جدلًا واسعًا. لكنه عجز عن سؤال واحد بسيط كان الجميع يتشوقون لمعرفة إجابته: هل هؤلاء المؤثرون سعداء؟ هل جلبت لهم الشهرة والمال والوجاهة الاجتماعية، في سن مبكرة، سعادتهم المنشودة، أم جلبت البؤس والكآبة والوحدة وعلّمتهم النفاق الاجتماعي؟

هكذا أصبحت «ترند»!

لم تكن شهرتي في وسائل التواصل الاجتماعي أمرًا مخططًا له. فقد حققتُ شهرة معقولة في سن صغيرة عندما دخل كتابي الأول «عظماء بلا مدارس» قائمة الكتب الأكثر مبيعًا. كما أفردتْ له الأقسام الثقافية في الصحف والمجلات مقالات ومراجعات. وبلغ من شهرة الكتاب أن الملك سلمان قرأ الكتاب حينها، وهاتفني ليدعوني لمكتبه ويشكرني عليه. وهذا كله قبل أن يعرف الناس منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن حياتي على وسائل التواصل، بل حياتي كلها، تبدّلت بداية عام 2013 عندما ظهر  كتابي الثالث «حكايا سعودي في أوروبا». وكان إصداره ظاهرة بحد ذاتها، إذ أحدث جلبة واسعة في معرض الكتاب بحصوله على شعبية غير مسبوقة. ودفع ذلك إدارة المعرض لوقف بيعه وتعليق عمل الناشر، وأخرجتني الشرطة مرتين من منصة التوقيع. ووثّق آلاف القراء مشاهد الزحام غير المألوفة في معرض كتاب وإحاطة العسكر بي بصور ومقاطع فيديو نُشرت على تويتر. وهكذا، أصبحتُ «ترند»!

قفز عدد متابعيّ حينها من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف في ظرف يومين. وتضاعفت مشاهدات مقاطعي في برنامج «كييك» من عدة آلاف إلى ملايين. وتحوّلت حينها، دون إرادة مني، من «الكاتب عبدالله الجمعة» إلى «المؤثر عبدالله الجمعة». هكذا، بطرفة عين ودون سابق تخطيط أو توقع!

وخلال الأسابيع اللاحقة، انهمرت علي دعوات اللقاءات الصحفية والمشاركات الثقافية. وازدادت أعداد المتابعين بشكل كبير، على تويتر وإنستاگرام وكييك. استمر الحال عدة أشهر حتى سألني أحدهم السؤال الذي سيشكل مسار حياتي خلال السنوات القادمة: «بكم تعلن عندك؟».

مشاهير التواصل الاجتماعي - جرافيتي

بكم تعلن عندي؟

لم أفهم ابتداءً لماذا يدفع أحدهم، وفي هذه الحالة شركة، مبلغًا لي مقابل أن أتحدث عن مُنتج لها! لم أدرك حينها أن أرقام المتابعين التي كانت تتزايد على صفحاتي، ما هي إلا بمثابة الأرقام على شاشة صرافات الأموال النقدية. بدأ كنز ثمين يتشكل بين يديّ كالسحر.

عرضت علي الشركة حينها ثلاثة آلاف ريال مقابل أن أعرض صورةَ منتجها في صفحتي على إنستاگرام. ترددتُ في البداية وشعرت ببعض القلق. ماذا سيقول عني الناس؟ لم تكن فكرة إعلانات المؤثرين شائعة بشكل كبير حينها، ولم أكن أعرف مدى قبول الناس لهذه الفكرة.

وأخيرًا، قررت عرض صورة المنتج على حسابي في إنستاگرام، وجاء الرد الأول من أحد المتابعين: «حتى أنت يا عبد الله!!». ما لم يدركه المتابع الحانق أن الثلاثة آلاف ريال هذه، التي وصلني إشعار البنك بوصولها إلى حسابي، شكّلت حينها عُشر ما أملك! كنت وقتها على سريري المتواضع في غرفة تحوي ستة أسرة من طابقين في نُزل شبابي رخيص في لاباز، عاصمة بوليفيا. وذلك أثناء رحلتي الطويلة التي امتدت لخمسة أشهر في أميركا اللاتينية. وكنت قد قضيت عامًا كاملًا أوفر من مكافأة البعثة مبلغَ 35 ألف ريال لتغطية تكاليفها.

أفضل وظيفة في العالم

خلال السنوات التي تبعت إعلاني الأول، تحول النُزل الشبابي إلى أفخم المنتجعات في المالديف وإبيزا. وتبدلت رحلات الحافلات الطويلة لتصبح على متن الطائرات الخاصة وسرر الدرجات الأولى. وتحول كتابي إلى برامج تلفزيّة ناجحة على أشهر القنوات الفضائية. وتضاعفت قيمة الإعلان ذي الثلاثة آلاف ريال عشر وعشرين، بل ثلاثين مرة.

امتلأ بريدي بدعوات الهيئات السياحية من مختلف الدول، وعروض التعاون من الشركات العالمية الفاخرة، وقوائم شركات ومنظمات ترغب بالإعلان والتواصل. استقلتُ من وظيفتي القانونية المرموقة التي تحصلت عليها بعد تخرجي من كلية هارفارد للقانون. عيّنت وكيلًا لأعمالي، وانطلقت أستمتع بأفضل وظيفة في العالم.

قضيت السنوات الثماني اللاحقة أطوف العالم. أقوم برحلة شراعية حول جزر الأزور في المحيط الأطلسي. أغفو تحت النجوم في أحراش الأمازون، وأستيقظ على عجيج باعة اللوز المدقوق في سمرقند. نزلت في قرى الأرز في مرتفعات فيتنام. تطوّعت لتعليم اللغة الإنگليزية في تنزانيا. أتقنت التانگو في الأرجنتين. قطعت شرق الهند في رحلة على «تُك تُك».

مشاهير التواصل الاجتماعي - السفر

 شاهدت الشفق القطبي في إسكندنافيا. تعلمت الإسبانية في إسبانيا وكولومبيا. شاهدت الأُسود والزرافات في أحراش زامبيا وملاوي. ونمت ليلة بلا ليل على سطح القارة القطبية المتجمدة قُرب البطاريق والأنهار البيضاء. وقعت في الحب. تعلمت الغوص. التقيت بالمشاهير وعلية القوم. شاركت في عشرات المهرجانات، وقرأت مئات الكتب، وكوّنت آلاف الصداقات، وجمعت المزيد والمزيد من المتابعين.

ودون أن أشعر، زرت أكثر من 100 دولة، وفعلت كل ما أريد فعله. جربت كل ما أريد تجربته، وحققت كل ما أريد تحقيقه، وزرت كل مكان أريد زيارته وأنا لم أتم الثلاثين من عمري بعد. والأروع من هذا أنه كان يُدفَع لي نظير أن أقوم بهذا كله.

ليت عندي حياتك!

لا يمر يوم دون أن أقرأ تعليقًا من قبيل: «ليت عندي حياتك!»، «من وين أشتري حياتك؟». حتى أن مجلة «إسكواير» (Esquire) وصفتني بـ«أكثر الرجال حظًا في الشرق الأوسط». فعلًا! رحلة مفتوحة في أرجاء العالم، بحساب مفتوح وحرية غير مقيدة، وإلى الأبد. تبدو كأنها الوصفة المثالية للحياة، أليس كذلك؟ ليس تمامًا. 

السعادة ليست في تحقيق الأحلام 

بعد سنوات من ممارستي المستمرة لما أحب وهو السفر، ووصولي لغاية ما كنت أحلم فيه، أدركتُ حقيقةً نزلت علي كصاعقة:

الإفراط في الأمر الجيد ليس أمرًا جيدًا. والسعادة تكمن في السعي إلى الأحلام، لا في تحقيقها

بعد مدة، بدأت النشوة التي كانت تثور داخلي بالضمور. وبدأت المدن تتشابه والأحداث تكرر نفسها، ولم يعد الأشخاص الذين أقابلهم مثيرين للاهتمام. ألتقي من زرتُ بلاده أكثر من مرة وقد أعرفها أكثر منه، لكنني أخبره بعكس ذلك غير راغب بالحديث وكسب أصدقاء جدد. لم يعد بمقدور المغامرات الجديدة أن تبث الأدرينالين في جسدي كما في السابق، ولم يعد لساني يستطعم الأطعمة الغريبة.

أصبحت أتثاقل الخروج من الفندق، وآخر مَن يصعد الطائرة. أسافر مع أصدقاء وأزيّف مشاعر الإثارة معهم. أفتح شاشة هاتفي الجوال وأتصنع حماسةً غير موجودة. سافر معي مرةً صديق إلى جزر سيشيلز، وفي طريق العودة أخبرني بحقيقة حزينة:

كنت أظن فعلًا أنك تستمتع في رحلاتك كما يظهر في صفحتك على إنستاگرام!

أيّ سعادة في منتجع ساحلي بديع تخرج فيه من غرفتك الساعة الثانية ظهرًا، بعد قضاء ساعات طوال في أحاديث غير منتهية مع العملاء والوكلاء ومدراء العلاقات العامة عبر البريد الإلكتروني والواتساب؟ أما اجتماعات الهاتف ومكالمات الفيديو ومراجعة العروض والتقديمات بشكل يومي، فتأتيك من عدة مناطق زمنية، ومع نهايات أسبوع مختلفة، وأعمال طارئة لا تعترف بالزمن وفارق التوقيت.

ثم أعود إلى الغرفة مساءً بعد جولتي السياحية، لقضاء ساعات طوال في تعديل الصور ومقاطع الفيديو، وكتابة النصوص بالعربية والإنگليزية، وتنسيق التغريدات، والرد على بريد القراء وتعليقات المتابعين الذين لا يتوقعون منك التأخر في «التفاعل» معهم، وإلا تركوك واتجهوا لغيرك.

المؤثر في دوامة «العمل»

وهكذا، دون أن أشعر، تحول السفر الذي كان مصدر سعادتي، إلى مصدر للتعاسة. وأصبح «العمل» على مكتب في الرياض لست ساعات في اليوم، ذاك الذي تركته، يلاحقني في كل زوايا العالم غير معترف بالوقت والمكان.

يباغتني اتصال لا يقبل التأجيل وأنا أستعد لصعود كاسحة جليد في الدائرة القطبية. يصر العميل على رفع الصورة الآن قاطعًا جلسة ودية مع أصدقاء أمام بركان في كوستاريكا. يوقظني تنبيه هام وأنا أغط في نوم عميق في أوساكا. تبدو هذه الأمور محتملة إلى حد ما، لكنها عندما تتكرر ألف مرة في اليوم، تصبح مصدر تهديد يمسّ مصدر بهجتك، بل وتصبح قاتلة تمسّ ذاتك.

أقف أمام المرآة في مسكن لم أختر النزول فيه، وفي مدينة لم أرغب بزيارتها، وأنا أرتدي قميصًا لم أختر ارتداءه. حتى أفكاري التي تدور في جوف عقلي، أصبحت تمر بألف مُرشِّد قبل أن تجد طريقها إلى لساني، حذار أن يتحسس منها المتابعون أو الشركات التي «ترعاني». ألهذا انتهى أمري؟ هل قدّم لي أسلوب الحياة وأنا «مؤثر» كل ما تمنيته في الحياة، وانتزع مني ببطء أعز ما أملك: جوهري وذاتي، والمعنى الذي أعيش لأجله، والصورة التي رسمتها لنفسي؟

كنت أثناء تدريسي في الجامعة في بيئة يقدَّم فيها الأكثر علمًا، وفي عملي في الوزارة يقدَّم الأكثر خبرة. أما اليوم، فأصبحت بين مجموعة يقدَّم فيه المرء وفقًا لأعداد متابعيه وحسب. وتبدل لقبي من «محاضر» و«مستشار قانوني» إلى «ماكرو إنفلونسر» (مؤثر يزيد عدد متابعيه عن 500,000).

العودة إلى الواقع 

مع خبوّ النشوة، بدأت سعادتي بالاضمحلال وعُدت إلى نقطة الصفر. أصبح الطريق إلى المطار ثقيلًا بثقل طرق الرياض المزدحمة في صباحات الأحد عندما كنت أتجه للعمل. وأصبحت الجبال الخضراء والشواطئ القرمزية تشبه غرف الاجتماعات المملة. وصارت أسرّة درجات الأعمال في الطائرات قاسية وغير مريحة، والمهرجانات واللقاءات العامة مصدر وحدة وانزواء.

اجتاحتني حينها نوبة قلق عميق جعلت من قلبي ينبض بشكل غير اعتيادي. ذهبت إلى الطبيب لإجراء فحوصات، ونصحني قائلًا:

يبدو أنك تعاني من قلق في العمل أو على المستوى الشخصي. ربما يساعدك أن تأخذ إجازة وتسافر إلى مكان هادئ وبعيد. ما عملك بالمناسبة؟

لم أعرف كيف أجيبه. هل أخبره أن عملي فعلًا هو أن «أسافر إلى مكان هادئ وبعيد»، وأن تشخيص حالتي الصحيح عكس ذلك تمامًا: أن أجلس في منزلي لا أبرح مكانه مدة من الزمن؟ هل انتهى بي الأمر لأتطلع إلى إجازة أقضيها بين جدران المنزل، كما يتطلع باقي الناس إلى أوقات إجازاتهم ليسافروا؟

كنت قد بنيت حياة على نمط السفر، وكان دخلي المادي مرتبطًا ببقائي على الطريق طوال الوقت. لذا لم يكن من السهل أن أقرر الاستقرار مضحيًا بمصدر دخل مادي أعتمد عليه.

صحيح أنني لم أقرر أن أكون «مؤثرًا»، لكني علمت أن الوقت قد حان لأقرر استعادة السيطرة على حياتي التي تبعثرت. وأدركت أنني استنفدت «الحياة» في السفر، الحياة التي قالوا عنها: “لا تسافر هربًا من الحياة، بل سافر بحثًا عنها”، وأنه حان الوقت لمقولة:

لا تسافر بحثًا عن الحياة، بل اصنع حياةً لا تطيق السفر عنها

الاستقرار

اتخذت بعض الإجراءات وبدأت بتهيئة حياة عنوانها الاستقرار، لتنتشلني من ذلك الوحل الذي غصت فيه حتى كاحلي. بدّلت بوكيل أعمالي آخر أكثر تفهمًا لمساري الجديد، وتوقفت عن قبول الدعوات التي لا ترسم ابتسامة على محياي. أسست مكتبًا في الرياض، واستثمرت في عدة شركات ناشئة. وعدت للكتابة وتقديم الاستشارات القانونية. وقررت أن أحصر السفر لأجل العمل مرة كل شهرين على حد أقصى. ورفعت قيمة الإعلانات في صفحاتي على وسائل التواصل الاجتماعي حتى أقلل منها ما أمكن.

بدأت أشعر بالسعادة تسري في عروقي من جديد. وتعلمت أن تفاصيل الحياة الصغيرة تحمل مفاتيح المباهج، مثل أحاديث عائلية حول قهوة المغرب، وضحكات الأصدقاء التي تمتد إلى منتصف الليل، وقراءة كتاب كامل دون أن يقطع منبه الهاتف شريط أفكاري.

لا يعلم أبي أن حضوري اجتماع العائلة في الاستراحة كلفني مرةً إلغاء تغطية إعلانية بخمسين ألف ريال. ولا يدرك صديقي أن حضوري لزواجه عنى إلغائي رحلةً مدفوعة التكاليف على سفينة تنطلق من برشلونة. ولا يصدق مدربي في النادي أنني فضلت تمرين عضلاتي اليوم على تسجيل لقاء مباشر لقناة شهيرة. 

لا أشعر بالندم على اختياراتي تلك. على العكس، أنتشي فخرًا باستعادة قدرتي على اتخاذ قراراتي بناءً على ما يسعدني فحسب، لا حسب ما «يُتوقع مني» فعله.

هل أنا سعيد اليوم؟ 

أخذ مني التفكير سنوات طويلة وتجارب متعددة وخيبات وآلام، حتى استطعت أن أكوّن إجابة على هذا السؤال. نعم، أنا اليوم سعيد، بل أظنني سعيدًا جدًا.

رأيت أكثر لحظات حياتي سعادة، فوجدت أن المال والشهرة لم يتسببا في تحقيقها. ونظرت إلى أكثر لحظاتي حزنًا، فوجدت أن المال والشهرة لم يتسببا في منعها. وأدركت أن السعادة حالة دؤوب، وليست طارئًا يهيج ثم يخمد، وأنها طريق وليست وجهة. وأدركت أن السعادة لا يضادها الحزن، بل يضادها الملل وغياب الأحلام المتجددة.

أدركت أن السعادة ومضة داخل النفس، تتوهج كلما سقيناها بتحقيق أحلامنا. وتخبو كلما بحثنا عنها في أحلام الآخرين. وهذا يقودني لحال الآخرين من المؤثرين. هل هم سعداء؟ هل هم فعلًا يعيشون كما يحبون؟

هل المؤثرون سعداء؟ 

لا أعلم، ولكنني عرفت العشرات منهم عن قرب. وحدثوني بصدق، أو أخبروني بصفتي مستشارًا قانونيًّا، عن التزاماتهم التي لم يوفوا بها، والشركات التي تلاحق إعلاناتهم والنزاعات بينهم، والمتابعين الذين يترصدون كبواتهم. ويكررون دومًا: «تعبنا، مللنا»، و«احترقت معنوياتنا»، و«نشعر بفراغ داخلي»، تمامًا كما كانت حالتي قبل ما يقارب السنتين.

من سمات المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، أو ما يفرقهم عن غيرهم من المشاهير، أنهم، في الغالب، من صغار الشباب. حيث لم يتسنَّ لهم بناء حياة بعد، ولم يسعفهم الوقت لتشكيل هويات خاصة بهم. فحملتهم موجة الشهرة بغتةً حيث سواحل غامضة لا يعلمون كنهها. 

فتجد أن كثيرًا منهم يعانون من القلق بسبب عدم استقرار الدخل، وتبدل خطط الحياة المفاجئ، ومشاكل الأسرة لمن هو متزوج منهم، وتزلّف الأصحاب وتغير مشاعر الأصدقاء، وضغط «صناعة المحتوى» المتزايد، وقسوة الشهرة، وتربص ملايين العيون التي تراقبهم، والخوف من أن تصبح سقطاتهم وشطحاتهم «فضائح» تلوكها ألسنة الناس.

 تعطّلت حياة بعضهم تمامًا خارج إطار الجوال، ويعيش كثير منهم حياة انطواء وعزلة اجتماعية. ويطوف حول غالبيتهم، إن لم يكن جميعهم، شبحُ حياة ما بعد الشهرة وذهاب الألق، وانطفاء ذكرهم بين المعجبين والمريدين. والمخيف أن ابتعاد الأضواء هذا قد يحدث فجأة. هكذا، بزلة لسان أو شخطة قلم يزول فجأة كما بدأ. أيّ قلق يعيش فيه إنسان يعي أنه يحاذر الانزلاق على جرف هاوية كلما استيقظ ليوم جديد؟

أخيرًا،

أعتقد أن وظيفة «مؤثر» من أكثر المهن جلبًا للقلق والتوتر والاكتئاب. وإذا كنتَ في عملك تتنافس مع عدد محدود من الموظفين أمام مدير واحد، فماذا تقول عمّن ينافس غيره أمام ملايين المدراء الذين هم المتابعون؟ وإذا كنت تعاني من مسبب القلق الأول: المقارنة مع الآخرين، فما قولك في مَن يعاني من هذا القلق وهو مكشوف أمام كل الناس الذين يحكمون بقسوة أن نجاح غيره دليلٌ على فشله؟

هذه ليست محاولة لإضفاء تصوّر سوداوي على حياة مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي. لكنها محاولة لتقريب صورة واقعية عمّا يحدث فعلًا على الطرف الآخر من شاشة الجوال لمهنة قد لا تُتَناول بجدية، إلا أن آثارها تعكس حتمًا الضغط الاجتماعي الذي تسببه وسائل التواصل.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×