تاريخ التهريب في شبه الجزيرة العربية

تاريخ التهريب في شبه الجزيرة العربية

خالد تركي 26 أغسطس، 2020

قام النظام الاجتماعي والاقتصادي لبادية الجزيرة العربية والبوادي المحيطة بها طوال قرون على أساسين هما الرعي لتنمية الثروة الحيوانية الهزيلة، والسلب والنهب والغزو لتداول هذه الثروة بين سكان هذه البوادي والذين كانوا ينحدرون من قبائل عربية كبيرة وصغيرة.

لم يمثل الغزو في الجزيرة العربية أداة لتداول الثروة بين الناس وفق ما قال غلوب باشا فحسب، بل كان فرصة لإظهار فروسية ومغامرة البدوي واستعداده للمخاطرة بحياته، في سبيل الحصول على المجد والصيت والشهرة. إضافة إلى أحلام الثروة الكبيرة التي تداعب كل فارس بدوي على مر القرون الطويلة التي عاشتها صحراء الجزيرة العربية في جمود تام.

لكن دخول مفهوم الدولة الحديثة للعالم العربي أدى إلى تحول الكثير من أبناء البادية للمدينة، تاركين الرعي والتنقل في الصحراء الموحشة طوال شهور للبحث عن الكلأ، أو الاستعداد لغزو القبائل الأخرى وخوض الحروب الدموية إما من أجل ثارات شخصية، أو الحصول على آبار مياه أفضل تمكن القبيلة من تقوية ماشيتها؛ ومن ثمّ توفر لها المال الذي هيمنت به على أراضٍ أوسع وأشمل دافعة بذلك القبائل الأخرى إلى مناطق أبعد.

التمرد على الدولة

انتظم البدو في الدولة الحديثة غالبًا كجنود أو أفراد شرطة. فيما اتجهت فئة قليلة منهم إلى التعليم والوظائف الحكومية المدنية.

كان هذا الحال في العراق والكويت والسعودية، وهي المناطق التي شكلت الصراعات البدوية في مطلع القرن العشرين حدودها الحالية وفق اتفاقيات دولية نظمها البريطانيون.

لكن بعض الصعاليك من البدو لم تعجبهم الحياة المدنية والانتظام في وظيفة عادية بانتظار المرتب آخر الشهر. فـ«الوحشي النبيل» لا يطيق أن يسكن في بيت ذي سقف، أو تسُجن روحه في وظيفة نظامية.

فيما لم يتمكن جزء آخر من البدو الرحل من الحصول على جنسية أي دولة. فقرروا التمرد على شكل الدولة الحديثة وحدودها المرسومة وسلوك طريق الثروة السهل الذي تمثل في «التهريب».

من تهريب السجائر إلى تهريب البشر

مع ترسيم الحدود وفرض التعريفات الجمركية بين البلدان، استغل الكثير من تجار المدن والقرى إمكانيات بعض الصعاليك المتمردين المغامرين من البدو، والذين ألفوا حياة التمرد على القوانين والنظم. واستخدموهم في عمليات تهريب السجائر بشكل أساسي بين الكويت والسعودية، حيث كانت السجائر ممنوعة في بعض المناطق في خمسينيات القرن الماضي.

يمثل تهريب السجائر الحقبة الذهبية للمهربين، إذ لم تكن الحدود محمية بشكل كبير كما هي اليوم، ولم تكن العقوبات مشددة. وكانت المطاردات بين سلاح الحدود وبين المهربين الذين كانوا في غالب الأحيان أبناء عمومة أو أقرباء، تتخذ شكل المنافسة القبلية القديمة القائمة على الفروسية وروح المغامرة والحصول على الصيت والمجد، بغض النظر عن الأرباح الكبيرة التي كان المهربون يحققونها. حيث لم يوصم التهريب بالعيب أو العار في ذلك الوقت.

السجائر المُصادرة من أحد المهربين / Breakingkw

تطورت عمليات التهريب فيما بعد وتوسعت لتصل إلى الحدود الأردنية وحتى أطراف تركيا. هناك برع المهربون في تهريب السجائر والبشر والأغنام والسلاح عبر الحدود مستغلين حاجة البعض للدخول إلى بلدان معينة، مثل حاجة الفلسطينيين إلى دخول الكويت في الخمسينيات والستينيات للعمل، وحاجة بعض البلدان للماشية، أو حاجة بعض القبائل التي لا زالت تعيش في البادية للسلاح.

عمليات التهريب وتاريخ المنطقة 

لم يعلم الكثير من المهربين الذين كانوا في غالبهم أميين لا يقرأون ولا يكتبون -على الرغم من ثقافتهم العالية بسبب اختلاطهم بكثير من الأعراق والجنسيات خلال تجوالهم الطويل في الصحراء- بأنهم ساهموا في تغيير التاريخ السياسي للمنطقة دون وعي منهم.

إذ ساهم بعضهم في تهريب يهود البصرة إلى إيران، والتي خرجوا منها إلى فلسطين المحتلة في خمسينيات القرن الماضي. كما ساهم آخرون في نقل الفلسطينيين عبر طرق التهريب المعروفة من العراق إلى الكويت، وهي الملحمة التي خلدها الروائي الفلسطيني غسان كنفاني في روايته «رجال في الشمس» واصفًا وعورة الطريق ومشقة الحر الشديد أثناء التهريب بين الحدود.

حفظ المهربون مواعيد تجول دوريات سلاح الحدود في البرية بدقة، وميزوا الجندي الشرس من الجندي الضعيف، واطلعوا على أماكن الأشجار التي يستظلون بها أو الجبال التي يختبئون خلفها ويخبئون سياراتهم فيها عند مطاردة الدوريات لهم.

وفي وقت لم تتوفر فيه لا هواتف محمولة أو أجهزة للتواصل، حُدّدت أماكن معروفة لالتقائهم في كل البلدان. فكانوا يلتقون في منطقة حفر الباطن الحدودية بشكل منتظم، ويتحصلون على عروض عمل في التهريب هناك.

وفي الكويت، اجتمعوا في منطقة جليب الشيوخ التي كانت تعرف آنذاك بـالعباسية. أما في العراق فإن شارع الكويت في مدينة البصرة، والذي كان المهربون الكويتيون البدو ينقلون إليه الأجهزة الكهربائية لا يزال موجودًا بنفس الاسم حاملًا ذكريات طويلة من عمليات التهريب الواسعة بين الحدين العراقي والكويتي.

اختفاء صورة «المهربجي» النبيل

بدأت تجارة التهريب بين البدو كعرف اجتماعي انتهى بالاضمحلال في ثمانينيات القرن الماضي. إذ انخرط البدو بشكل أكبر في الدولة الحديثة، واختفت نوازع التمرد وحب الحرية والابتعاد عن قيود البيت والوظيفة والعائلة، وهي القيود التي يسعى الإنسان الحديث لتطويرها وترقيتها. وبقيت ذكريات المهربين الأوائل محفوظة في الشعر النبطي والذاكرة الشعبية للبدو.

إلا أن دخول المخدرات والتوسع في تهريب السلاح لخدمة الجماعات المتطرفة التي بدأت بالظهور في ذلك الوقت، ساهم بوصم التهريب بسمعة سيئة. إذ تولت عصابات الجريمة المنظمة أمور التهريب لتختفي صورة «المهربجي» النبيلة من ذاكرة البدو في شبه الجزيرة العربية وبوادي العراق والأردن وسوريا.

ويتوارى البدوي، بصورته كبدوي، لا كشخص يحمل فكرًا متطرفًا أو ينتمي لجماعة جريمة منظمة، بالاختفاء بشكل نهائي.

المهربين في الذاكرة الشعبية 

يمكن تصوير الشاعر بندر بن سرور العتيبي، الذي توفي عام 1985 بأنه النموذج المثالي لصورة المهرب الرومانسية في الخيال البدوي. إذ كان يطوي بسيارته في البراري وهو ينقل البضائع بين الكويت والعراق والسعودية والأردن وسوريا وتركيا.

ويحصل على نصيبه من التجار الذين يستثمرون بالمهربين وينشد في طريق عودته قصائد تعبر في حقيقتها عن مخاوف البدوي من حياة المدينة الموحشة، مفضلًا عليها التسكع والسياحة في البلدان، والاختلاط بمختلف الشعوب والأجناس من عرب وكرد وتركمان وأرمن وأكراد وشركس.

بندر بن سرور العتيبي / Wikimedia Commons

كان بندر قد استقال من وظيفته كعسكري، وانتقل إلى الكويت وعمل مهربًا لفترة قصيرة هناك. ثم ذاع صيته بين أفراد سلاح الحدود بسبب قصائده ومطارداته الطويلة التي كان الطرفان يستمتعان بها.

ورغم أنه لم يحصل على تعليم متقدم، إلا أن قصائده كانت مفعمة بالوعي السياسي والاجتماعي والطبقي والاغتراب الذي كان يعانيه البدوي في حياة المدينة. حيث انتقد طبقة ملاك الأراضي والمتربحين من التثمين والفقر المتفشي وسوء حظه، إضافة إلى مناقشته القضايا العالمية وإطلاعه على الوضع العالمي السياسي والجغرافي.

حكايات المهربين

يمثل سلطان النحاوي الذاكرة الشعبية للمهربين البدو. إذ يتنقل النحاوي اليوم من مكان إلى آخر، ومن فعالية قبلية إلى أخرى، وهو يوثق مستعينًا بحافظته القوية وقصائده التي نسج أغلبها خلال مرافقته لبندر بن سرور قبل وفاته قصص التهريب والتي برع فيها طوال عقود قبل أن يستقر في الحياة الحضرية.

تحولت مرويات النحاوي الشفوية إلى المصدر المعتمد في حكايات التهريب داخل الجزيرة العربية وخارجها، في ظل موت الجيل الأول من المهربين، واندثار مروياتهم وسط عدم اهتمام رسمي أو ثقافي بها. رغم أنها تمثل تراثًا مهمًا ساهم في تشكيل ذاكرة مجتمعات الخليج العربية والعراق.

إلا أن الاهتمام بهذه القصص في الدوائر الثقافية والفنية بات معدومًا. إذ لم تخلد أعمال المهربين المتهورة وقصائدهم المتأججة بنيران العواطف أو السخط أو الفرح إلى أعمال روائية أو قصصية أو سينمائية كما هو الحال مع الكثير من الظواهر الشعبية المحيطة بنا، كالفتوات في بلاد الشام، أو «الكاوبوي» في أميركا، أو فرسان العصور الوسطى في أوربا.

ولا زال هذا التراث الزاخر ينتظر من يخرجه إلى العالم الذي يتصور البدوي مجرد وحش ينهب ويسلب دون أن يفكر في الدوافع النفسية لعمليات الغزو والتهريب، ثم التمرد على الدولة الحديثة وأخيرًا الخضوع لها فيما بعد.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×