مبادئ إدارة الأعمال في الأمثال النجديّة

مبادئ إدارة الأعمال في الأمثال النجديّة

لعبد الله الرابح
11 فبراير، 2020

استوطن البشر وسط الجزيرة العربية لأكثر من ألفي عام، ونشأت العديد من المراكز الحضريّة في الواحات والمناطق المحيطة بمصادر المياه الجوفيّة. كان الاستقرار انتقالًا من حياة البادية إلى المدينة، ومن الرعي إلى الزراعة والحرف اليدويّة والتجارة، ومن نسيج القبيلة الواحدة إلى مجتمع العوائل المتعددة. لكن ازدهار نجد اقتصاديًا شكّل تحديًا، حيث تندر فيها الموارد الطبيعيّة، ويسبب مناخها الصحراوي موجات جفاف وجدب. كما حدّ الاعتماد على المياه الجوفيّة من النمو السكاني، مؤديًا إلى نشوء تجمعات تحولت إلى مدن صغيرة متفرقة حول الآبار والعيون المختلفة، بدلًا من مدينة كبيرة جاذبة للقوافل التجارية كالقاهرة أو دمشق أو بغداد.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن جغرافية المنطقة تصعّب الوصول إليها برًا لوقوعها بين صحاري قاحلة، ويستحيل الوصول إليها بحرًا. وفي خضم هذه التحديات، برز السفر كوسيلة لطلب الرزق وقيل “نجد تلد ولا تغذّي”، وفطن النجديون بأن إبلهم تشكل سلعة ثمينة للآخرين، فاعتيادها على المناخ الصحراوي جعلها وسيلة مواصلات فريدة من حيث قوة التحمل والقدرة على قطع المسافات الطويلة. وشكّل السفر لبيع الإبل في أسواق الحجاز والشام ومصر نواة العقيلات، وهي الحركة التجاريّة التي بدأت ببيع الإبل من نجد، وازدهرت محوّلةً المنطقة إلى مركز لاستيراد الإبل من وسط وشرق شبه الجزيرة ثم تصديرها إلى المدن الأخرى، بمعدل وصل إلى 40 ألف رأس سنويًا. وتوسعت أعمال العقيلات لتشمل الخيول والمواشي ثم التجارة الدوليّة في مختلف السلع والبضائع، معتمدين على خبرتهم في إدارة الأعمال التجاريّة، وامتداد شبكتهم اللوجستيّة من المغرب إلى الهند، بالإضافة إلى توفّر رأس المال الاستثماري نتيجة تراكم الثروة الناتج عن التصدير. وذاع صيت العقيلات التجاري في أسواق الهند والعراق والشام والسودان ومصر، ووصل بعض تجار العقيلات لاحقًا إلى أوربا وأميركا. شكلت هذه الحركة التجاريّة أحد أهم أركان الاقتصاد النجدي لأكثر من أربعة قرون، وأصبح رموزها لاحقًا حلفاء ووكلاء ومستشارين للمؤسس طيب الله ثراه.

تطلّب النجاح التجاري لسكان نجد في بيئة صعبة رصيدًا من الخبرة في إدارة الأعمال، مثل معرفة أسواق شبه الجزيرة وباديتها من أجل توفير عشرات الآلاف من الإبل سنويًا، والتأكد من جودتها ونقلها بأمان لآلاف الكيلومترات عبر طرق مختلفة، ومعرفة حالة العرض والطلب في أسواق المدن المتباعدة، وعقد الصفقات التجاريّة وكسب العملاء من خلفيات وثقافات وأديان مختلفة، وتحصيل الأموال، وحفظ السجلات وإجادة حساب تكاليف العمليات التشغيليّة، ثم الخروج بعائد استثماري مجدٍ. ونتيجةً لهذا التراكم المعرفي، توصّل سكان نجد إلى الكثير من مبادئ إدارة الأعمال المشابهة جدًا للمبادئ التي تُدرّس اليوم في أعرق كليات الأعمال حول العالم، وفيما يلي أمثلة من وحي الثقافة الشعبيّة، مع ربطها بمبادئ إدارة الأعمال الحديثة.

مبادئ الاقتصاد

إن النجاح في التجارة بين مدن ودول مختلفة يتطلب إلمامًا بمبادئ الاقتصاد، فالسوق الحر محكوم بعوامل العرض والطلب، وهنا يقول المثل الشعبي: “دوا الغالي تركه” في إشارة إلى أن انخفاض الطلب على المنتج يُخفِّض سعره، بينما يدفع ارتفاع الأسعار بالمزيد من التجار إلى دخول السوق وبالتالي زيادة العرض “سوق الغلا جلّاب”. واختلاف العرض والطلب بين أسواق مختلفة سينتج أثمانًا مختلفة لنفس السلعة، وهنا يبرز مبدأ المراجحة (arbitrage)، وكما يقول المثل “التمر بصفوان حلاوة”، فثمن التمر في منطقة صفوان الصحراوية يوازي ثمن الحلاوة الثمينة في المدينة. وفي السوق الحر، لا تعني البضاعة الزهيدة وجودَ فرصة تجاريّة فريدة، بل هي غالبًا إشارة لقيمتها المنخفضة “يا شاري الدون بدون، تحسبك غابن وانت مغبون”، فالسوق يصحح وضعه والأسعار تعكس قيمة البضائع، لكن للقاعدة استثناءات طبعًا، خصوصًا إذا كانت مجانية “شي ببلاش ربحه بيّن”. والتجارة بين مدن وثقافات مختلفة مدخلٌ لمعرفة تنوع الأذواق، وهدف رجل الأعمال ليس تغيير ثقافات الناس وعاداتهم، بل تلبية الطلب “خل كل شاوي على قليبه” و”كل نفس وما تشتهي”. لكن واجه العقيلات في ترحالهم إشكاليّة وجود بضائع لا يعرفون أسعارها، فكان الحل أن “استدل على السلع بأثمانها” فسعر السلعة التي لا يُعرف قيمتها هو الثمن الذي يقبل المشتري دفعه ويحدده السوق، وهو ما يعرف اليوم بالاقتصاد النيوكلاسيكي.

وإذا كان السوق جديدًا كانت المنافسة أقل وهوامش الربح أعلى، ثم تنخفض تدريجيًا مع حدة المنافسة “الأول لاعب والتالي تاعب”. لكن المنافسة قد تكون مربحة للتاجر عندما يجلب المنافسون بضائع متنوعة للسوق تحوّله إلى نقطة جذب للمزيد من المشترين، فيستفيد الجميع من ارتفاع الطلب “الجالب إلينا كالمهدي علينا”. وبينما يشير المبدأ الاستثماري “جود السوق ولا جود البضاعة” إلى حقيقة أصبحت جزءًا أساسيًّا من تدريس استراتيجيات الأعمال، وهي أن الشركة المتوسطة في سوق مزدهر قد تحقق عوائد أعلى من الشركة المتفوقة في سوق راكد، تشير الأمثال أيضًا إلى أن المخاطرة هي الأصل في أعمال التجارة “الشر راس مالك والسلامة مكسب”. وفي السوق لا يوجد غداء مجاني كما يقول الاقتصاديون، أو عشاء مجاني كما يقول العقيلات “لولا الشوك ما عشّوك”، فلتحقيق النجاح، يجب أن تكون القرارات الاستثماريّة مبنيّة على العوائد المتوقعة و”من عطاك عصفور يبي منك حمامة”.

الإدارة التشغيلية

كانت الإدارة التشغيليّة للعمليات التجاريّة الواسعة في غياب وسائل الاتصالات والمواصلات الحديثة تحديًا. وهنا تشير الأمثال إلى بعض المبادىء الإداريّة المجرّبة، فمن المهم في الإدارة التشغيليّة المحافظة على الجودة، والمثل “أبرك الحلال ما أكله راعيه” قاعدة سهلة الاتباع في شراء الإبل الجيدة للتصدير. والنجاح في تقديم المنتج أساسُ أي عمل تجاري، وقيل في إجادة العقيلات التعامل مع الإبل: “عقيل لو يعلمون الجمل الصلاة صلى”. أما الاحتياط (redundancy) فمبدأٌ إداري مهم في إدارة العمليات، ونجده في المثل “إذا واعدت جمّال واعد عشرة”، حتى لا يتعطل موعد انطلاق الرحلة التجارية بسبب تأخر الجمّال أو اعتذاره في اللحظة الأخيرة. وفي العقود التجاريّة يكون “البيع على أحد القابضين” حيث لا يتم البيع إلا إذا قُبِض الثمن أو البضاعة، بينما تنص قاعدة صرف الرواتب على أن “تقديم الأجرة من إحباط العمل”، فتكون الأجرة بعد إتمام العمل لتقليل المخاطرة وإبقاء الموظف متحفزًا. والتهاون في الحقوق مهما صغر يورث التساهل والخسارة، لذلك يجب الحرص والإصرار على تحصيل جميع الحقوق “الحقوق تبي حلوق”. بالإضافة إلى العديد من ممارسات الأعمال التي كانت تحل بعض الإشكاليات المؤقتة، مثل الشفرة السريّة “أم فريح بكل عاير”، والتي كانت تُستخدم لتنبيه الآخرين إلى تواجد عسكر الدولة العثمانيّة أو الاستعمار الأوربي الذين كانوا يضيّقون على الأعمال التجاريّة.

إدارة الموارد البشريّة

تطلبت إدارة هذا الحجم من العمليات تعيين وكلاء في الأسواق المختلفة لشراء الإبل، وتعيين فريق القافلة مثل الطباخ والملحاق الذي يعقل الإبل والدليل الذي يجيد الملاحة والاستدلال بالنجوم والسماسرة الخبراء بالأسواق التي سيُصدَّر إليها. وعندما توسعت الأعمال التجاريّة إلى السلع والبضائع المختلفة، وتعقدت العمليات التشغيليّة، وركّزت الثقافة الشعبيّة على تعيين أصحاب الكفاءة ولو تطلب ذلك ثمنًا غاليًا، قيل “أعط الخباز خبزه ولو أكل نصه”، وهو شبيه بقول الحطيئة “أعط القوس باريها”.

مبادئ إدارة الأعمال في الأمثال النجديّة

والتخصص مطلوب في الكفاءات، فلا يمكن استبدال موظف بآخر بسهولة “ما كل رجال يعيضك برجال، ولا كل من ركب المطايا يدل” فالخبرة والتجربة عاملان مهمّان. وإتقان العمل أسلوب في أداء الأعمال يجب المحافظة عليه “العود من أول ركزه”، والتعاون محوري ليؤدي الجميع أدوارهم بنجاح “رَبع تعاونوا ما ذلوا”. وكان الشباب يُحَثون على السفر مع التاجر الناجح “سافروا مع ذوي الحظوظ”، فهي فرصة للتعلّم واكتساب الخبرة. وعند أداء العمل تظهر أهميّة الحوافز الماديّة “من أكل تمرهم قام بأمرهم”، ولكن تتبعها مسؤوليّات لها انعكاسات دينيّة “من أخذ الأجرة حاسبه الله على العمل”. وتشير الأمثال أيضًا إلى حوافز غير ماديّة، فالثقافة الشعبيّة تحث على الريادة “ادرج ولا درجت بك المحالة”، والسبق “خلك مع الأولين لو بحلق اللحا”، وانتهاز الظروف الملائمة “إذا وافقك الخير وافقه”، وفي المقابل تنتقد الذي لا يغتنم الفرص “قال دوك خير قال ما توسعه مخباتي”، وتنتقد المتقوقع على ذاته غير المضطلع على الفرص من حوله “الأرزاق بالدنيا وهو ما درى بها”.

الإدارة الماليّة

تعارَف العقيلات على ضبط التكاليف التشغيليّة لتكون ثلث الإيرادات المتوقع تحقيقها، وفي حال وجود مستثمر فإنه أيضًا يحصل على الثلث، بينما إذا كان العقيلي هو المستثمر والإداري فلهُ الثلثان. وبرزت أهميّة المال في الأعمال التجارية والمجتمع النجدي عمومًا “ترى الدراهم يودعنك سنافي … شف شغلهن يا صويحبي بابن رواف”. وفرّق العقيلات بين بيع النقد وبيع الآجل “البضايع مال ضايع”، وفي ذلك أيضًا دلالة على أن البضائع أصول متداولة (working capital) وليست سيولة. وفي التمويل “الدين واقف بباب الرزق” إشارة إلى أن الدين شرٌّ وإن كان يعد شعبيًا، لكن قد يكون لا بد منه في عالم التجارة، وقيل أيضًا “سلف شيوخ” لوصف الدين الذي لا يرد. وفي الاستثمار”اعقل حلالك بنصفه” وهي نصيحة بعدم استثمار أكثر من نصف الثروة في رحلة تجاريّة واحدة، وفي ذلك مبدأ تنويع المخاطر (diversification). أما في الرقابة على الاستثمار “مال تودعه بعه” فالمستثمر إذا كان لا يستطيع الإشراف على أصوله الاستثماريّة، فإن تسييلها أقل مخاطرة من إيداعها وتحمل التكاليف المرتفعة في ذلك الوقت لسوء الإدارة والإهمال والإهلاك أو السرقة.

التسويق والعلاقات العامّة

أعطى العمل والسفر عبر الحدود العقيلات معرفةً بالثقافات والشعوب المختلفة. وقد قيل “عقيل معرفة السلوم” وذلك لمعرفتهم بعادات وتقاليد وثقافات القبائل والشعوب المحيطة. وقال العقيلات “تعَش عند يهودي وامرح عند نصراني” في دلالة إلى أن اليهودي يذبح طعامه كالمسلمين، والنصراني مضياف أمين. والتعامل مع أشخاص من مختلف الأعراق والمشارب والأفكار يعني احتماليّة حدوث تصادم ثقافي، وهنا يقول المثل “السما وسيع” أي أن الإساءة اللفظيّة لا تستحق الرد عليها. وانتشرت في الأمثال الشعبيّة النجديّة ذكر المدن والبلدان المختلفة، مثل “جدران الشام توكّل” للدلالة على وفرة الموارد في الشام حتى نبتت الفواكة على جدرانها، وفي ذات السياق “الشام شامك لو الزمن ضامك”، بينما “الهند هندك لا قل ما عندك” للدلالة على أسعارها التنافسيّة. ويقال “فلان مثل سفينة هيت” أي كالنهر يسير مع التيار، و”العقيلي شارب من ماء غزة”، وللمستغرق في أحلام اليقظة “يشوف مناير مصر”، وللضبابيّة في التواصل “عاني يحكي على راوي” في إشارة إلى بلدتين عراقيتين يفصل بينهما الفرات فيتواصلون بالإشارة بدل الكلام. وبالإضافة إلى سعة الأفق الناتجة عن السفر والاضطلاع والإلمام بثقافات الشعوب، فإن أخلاق العقيلات العربيّة الإسلاميّة، وما بدا منهم من التزام ديني، صنع لهم سمعة حسنة. ويقول المثل الشعبي “النيّة مطيّة” أي النيّة وسيلة للوصول إلى الهدف، فإذا كانت صادقة سهلت درب النجاح. وقد أصبحت التعاملات التجاريّة الأمينة الصادقة التي لا غش فيها علامةً تجارية (brand) للعقيلات وميزة تنافسيّة إضافيّة لهم. فقد قالت العرب”مربينه عقيل” للدلالة على الشخص ذي الأخلاق الحميدة. وفي الشام أصبح يقال عند البيع “خلك عقيلي” أي كن أمينًا في البيع مثل العقيلات. وورد في الشعر الشعبي:

كاسبين للتجارة والنفيلة … والسمات الطيبة هي والصفات

لو تقول عقيل بالقدس أو خليله … أو بجال النيل ولا الفرات

كان جاوب من تنبّه أو تجيله … مرحبا بمحصلين الطايلات

خاتمة

في ظل ندرة الموارد الطبيعيّة وشظف العيش، برزت التجارة كعصب الاقتصاد النجدي لقرون. وقد شكلت خبرة العقيلات الإداريّة، بالإضافة إلى الشبكة اللوجستيّة التي أقاموها، والسمعة الحسنة التي حافظوا عليها، ميزات تنافسيّة جعلت من مدن صغيرة متناثرة في قلب الجزيرة العربيّة قطبًا تجاريًّا له وزنه. وكما نتعاقد اليوم مع الشركات العالميّة لتنفيذ مشاريعنا، تعاقد الخديوي إسماعيل في القرن التاسع عشر مع تجار من العقيلات في مشروع حفر قناة السويس، حيث أسهموا بخبراتهم الإداريّة في الإشراف على العاملين، بالإضافة إلى عربات النقل في عملية الحفر، ونقل الماء والمؤن على الإبل والحمير والبغال. وعند توحيد المملكة انضم العديد منهم لجهود الملك عبدالعزيز في حروبه، وساعدوا في إدارة عمليات النقل بين المنطقة الشرقيّة والوسطى، ولاحقًا قام المؤسس رحمه الله بتعيين رموز التجارة مستشارين وإداريين اقتصاديين وسياسيين وسفراء، لخبرتهم التجاريّة والإداريّة وعلاقاتهم الخارجيّة. إن النجاح التجاري في نجد جزءٌ من تاريخ المملكة العريق والثري، ويستحق المزيد من التوثيق والدراسة والتحليل الاقتصادي والاجتماعي، فالدروس والعبر من نجاحاتنا قبل عصر النفط، قد تلهم مستقبلنا بعده.

الصورة البارزة بواسطة Lukas من Pexels
صورتا مبادئ الاقتصاد والموارد البشرية بواسطة Steve Buissinne و Tumisu من Pixabay


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×