الخليج في مواجهة التاريخ

لجميل الرويلي
16 يونيو، 2019

حين كانت شركة نوكيا تصول وتجول في أسواق العالم بمنتجاتها في عصرها الذهبي الذي لم يستمر إلا لبضع سنوات، لم يكن أحد يتوقع أن ذات المنتجات وخلال فترة وجيزة سيُنظر إليها كقطع متحفية لا تختلف عن الدلو والإزميل الحجري.

أنا لست هنا بصدد الحديث عن الأخطاء التجارية ولكنه مدخل جيد للحديث عن “العولمة المعيارية”، فمثلًا البنية التحتية للاتصالات موحدة عالميًا من الناحية الهندسية والتكوينية نتيجة لطريقة نشوء الحاسبات الآلية والتقنية الرقمية التي تفرض وحدة المعيار التقني والصناعي لكي تتصل هذه الحواسيب حول العالم مع بعضها البعض.

كذلك نشأت لذات السبب في كثير من المجالات عولمة معيارية ينبغي الخضوع لها ليستطيع العالم التواصل مع بعضه البعض.

هذا الشيء ينطبق على التقنية ونظم الاقتصاد والنظم الإدارية والتعليمية والثقافية وهو الآن في طور الدخول على النظم السياسية أيضًا. ليس الحديث عن التجديد في الخليج والتنوير وحوار الأديان والتسامح والوقوع المفاجئ في غرام إسرائيل إلا نتيجة لمؤثرات تلك العولمة المعيارية التي تجعل من “القدرة على التواصل الآمن” أولوية على أي شيء آخر.

ولو تحدثنا عن الربيع العربي متمثلًا في الثورات العربية بمجملها سنجد أنها أيضًا كانت بشكل أو بآخر نتيجة لتأثير تلك العولمة المعيارية فلم يكن الإنسان العربي قادرًا على تجاهل شذوذه السياسي عن المعيار العالمي الذي بات يشاهده ويتفاعل معه كل يوم.

الحكومات العربية لم تكن تشعر بذلك لأن مجرد هاجس المحاكاة السياسية لنظم الحكومات حول العالم كان يشكل لها فكرة مخيفة مرعبة تنافي حالة الجمود الفاسد التي تعفيها من سباق التماهي الحضاري والتناغم السياسي مع العالم حولها ويمنحها وسائلها البدائية في معالجة كل المشكلات الداخلية من خلال القتل والقمع ودس الرأس في رمال مؤامرة الصراع الوجودي.

مأزق تاريخي

ليس بوسع أي مواطن عاقل كراهية وطنه، وليس بوسع أي حكومة عاقلة كراهية مواطنيها ولم يعد بوسع العالم المتحضر تجاهل فكرة كم هو أحمق حين يبحث عن تواصل حقيقي دولي وشامل مع دولة لا تستطيع إيجاد طريقة آمنة لمواطنيها ليتواصلوا معها.

العالم العربي يعيش مأزقًا تاريخيًا تفرضه الحتمية المادية لتطور التاريخ وإن كان ثمة مؤامرة تحاك له فهي من أطراف تستغل هذا التطور التاريخي الحتمي لتوجهه إلى ما يحقق مصالحها بغض النظر عن مصير الدول العربية كمجتمعات بشرية تستحق الحياة.

لم يكن الدعم الغربي للجماعات المسلحة خافيًا سواء بإذكاء الطائفية في العراق أو تمكين إيران منه، أو دعم العنف من خلال وكلائها في المنطقة كعلاقة النظام القطري بالقاعدة وداعش وحزب الله حين كانت فاعلة على الأرض ثم تبنيها لجماعات الإسلام السياسي واستغلالها لسذاجتهم السياسية وكل ذلك كان يهدف للمزيد من الفوضى وإيصال الجميع لحالة معينة تخدم المصلحة الأميركية كبائع للسلاح ومتعطش لاحتكار مصادر الطاقة وكذلك تخدم إسرائيل كباحث عن التوسع الجغرافي ومن ثم الوجود السيادي المكتمل.

ما تمر به بعض الدول العربية ليست “غلطة” يجب شطبها وإعادة شعوب المنطقة للحال السابقة بل هي مرحلة حتمية ينبغي التعايش معها بشكل صحيح، شيء لابد من المرور به والوصول إلى “الحالة الأخرى” التي بعده.

أين المشكلة

الربيع العربي ليس هو المشكلة لأن ما يجب حدوثه سوف يحدث ولن يتمكن أحد من منع ذلك سواء الآن أو مستقبلًا طالما أن تلك الأنظمة ترفض التماهي مع العولمة المعيارية القائمة على الشفافية والمشاركة وكبح المطلق الشمولي لأن هذه هي ضمانات الاندماج الحضاري على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي.  أي مستقرئ جيد للتاريخ سيدرك ذلك بسهولة.

لهذا فالمشكلة الحقيقية هي كيف يتم التعامل مع مرحلة الثورة بشكل صحيح يحقق مصلحة الشعوب العربية الثائرة والشعوب العربية المستقرة من حولها؟

صعود الإسلام السياسي للحكم كان نتيجة طبيعية لما بعد الثورة لأن هذا التيار كان هو الأكثر تضحية في سبيل التغيير السياسي وهو الاصطفاف الوحيد الذي استطاع التكتل وقبل بدفع الثمن في مراحل سابقة سواء خلال النضال السياسي أو المسلح أو خلال تعرضهم لحملات ممنهجة من القمع والسجن والتنكيل كوسيلة استباقية من بعض الحكومات العربية بالإضافة إلى أن الإسلام السياسي يلبس الصبغة الرسالية واسعة الطيف المضادة تمامًا لصبغة الاستبدادية والاحتكار التي تثور عليها الشعوب.

لهذا سيكون هو أول من يذكره الناس لحظة الثورة وبعدها ولكنه غير قابل للاستمرار على نظريته غير المنطقية في تبني الخلافة الأممية والصراع الكوني المؤدلج بالإضافة لجهله الكبير في معنى الدولة الحديثة وتكوينها.

العولمة المعيارية كانت ستفرض على أي تيار يصل للسلطة أن يتوافق مع التنوع ويدخل تلقائيًا في مرحلة تصحيحية سيفرضها ضغط المشاركة السياسية التي سيبعثها الشعور بحرية ما بعد الثورة، وهذا ما حدث في تونس، أو يدخل في ثورة أخرى ضده قبل أن يصل لمرحلة تصدير أفكاره الخاصة والدخول في أحلاف دولية قوية، وهذا ما حدث للرئيس محمد مرسي بدعم داخلي وخارجي من قبل المحور المضاد للثورة في المنطقة.

لم يكن محمد مرسي مستوعبًا للمعنى الحقيقي للثورة ولا حتى الدولة فقام بإقصاء شركائه من التيارات الأخرى ودخل في خطاب أممي يتبنى بطريقة منبرية الجهاد في سوريا ونصرة الأمة الإسلامية في كل مكان وهي الإرهاصات الأولى للنزعة الخمينية الثورية في نسختها السنية. وكان يتابع بعض شيوخ الخليج يتوافدون على القاهرة ليباركوا هذا النصر الإسلامي حتى قال داعية سعودي في لقاء مع التلفزيون المصري:

“نحن نرى الرئيس مرسي رئيسًا لكل المسلمين!”

هذه هي ملامح الرئيس الذي تحتاجه أميركا ليكون حجر الرحى الأخرى مع إيران حيث سيطحن بينهما العالم العربي في حروب أيديولوجية مقدسة لا تنتهي.

وعلى الرغم من ذلك فأنا مؤمن بأن خروج مرسي من الحكم بتلك الطريقة الدموية، وما رافقها من حادثة رابعة، وتكريس حكم الرجل الواحد الذي سيفضي في النهاية إلى ثورة أخرى لم يكن هو الطريقة المناسبة لتصحيح الثورة، بل هو تكرار للمنهج الخليجي التقليدي في تبني دور الدولة المرضعة لمن لا يستحق الرضاع والذي في كل التجارب السابقة انتهى بأن عض الرضيع الثدي الذي رضع منه.

كما أنه وقوف مباشر أمام عجلة التاريخ ومحاولة غير منطقية لإيقافها عن الدوران وهذا يكلف دول الخليج الكثير من الجهد والمال والترقب والقلق والسمعة الشعبية والدولية والخسارة الاستراتيجية التي لن تطفو للسطح إلا في وقت متأخر جدًا. بالإضافة لذلك فمصر ستتكبد صراعات استنزاف لا تنتهي كما هو الحال اليوم في سيناء.

ما حدث ببساطة هو محاولة لإعادة عرض جهاز نوكيا بقدراته القديمة في مهرجان سباق عالمي للتقنية.

“اقتلوني واقتلوا مالكًا معي!”

الذين احتلوا العراق بأعذار كاذبة وحولوه لبؤرة منتجة للتطرف ثم سلموه لإيران هم أنفسهم الذين سعوا لصناعة دولة سنية متخمينة لنقل الصراع من طائفي داخلي إلى طائفي دولي بشكل مباشر.

والذين فشلوا في الوصول لهذا الهدف هم أنفسهم اليوم من أقنعوا محور الثورة المضادة بأن الحل الوحيد لتصحيح الثورات هو صناعة حرب أهلية بين الشعب والعسكر في كل دولة ثائرة وهم أنفسهم أيضًا من جعلوا هاجس الإسلام السياسي خطرًا كونيًا على المنطقة برمتها وأن القضاء عليه بالتطهير مهما كلف الثمن أمر لابد منه.

والصحيح أن ما يهدد أمن الخليج بشكل خاص هو “الخوف المفرط من الإسلام السياسي” أكثر من الإسلام السياسي نفسه. وفي النهاية ما لم تحققه الثورات الموجهة أيديولوجيًا في تدمير العالم العربي فسوف تحققه الثورات المضادة التي يوجهها الخوف المؤدلج.

وسينتهي الأمر إلى ذات الهدف المنشود، طفرة في بيع السلاح الأميركي وسقوط للحكومات القائمة في صراع طويل الأمد لايمكن إيقافه أو الوصول به إلى نتيجة واضحة مع الإشراف الدولي الاستعماري المباشر على الأراضي والشعوب ومصادر الطاقة.

في مثل هذه الأجواء سيكون من الطبيعي رؤية إسرائيل صديقًا ودودًا لأن الجميع في المنطقة لم يعد لهم أصدقاء، فالجميع عدو الجميع ما عدا إسرائيل التي تمد يدها بالسلام والدعم الاستخباراتي وتمد قدمها من تحت الطاولة للتوسع في الجولان ومن ثم بقية سوريا وأطراف سيناء وجنوب البحر الميت في الأردن.

إسرائيل التي كانت وما تزال مجرد مكتب إداري يخطط وينسق ويشرف عن قرب على مصالح رؤوس الأموال الصهيونية الموجودة حول العالم ويغذيها على صراعات الشرق الأوسط بصفقات السلاح والابتزاز السياسي والاقتصادي تحت رعاية حفنة من مرتزقة شيوخ الكونگرس الأميركي.

الربيع العربي كان وما يزال فرصة تاريخية لدول الخليج لتحيط نفسها بحزام صلب من الدول المتماسكة الصلبة ذات النظم السياسية عالية الديمومة والاستقرار من خلال دعم جميع التيارات في دول الثورة بما فيها الإسلام السياسي للانصهار في تجربة مدنية ستهذب احتقان وشراسة الجميع وتمنحهم فرصة التعلم والواقعية السياسية والإيمان بمبدأ الوطن الجغرافي بدلًا من أن يحيط الخليج نفسه بحزام من نار.

لم تعد الشعوب العربية ساذجة وجاهلة إلى ذلك الحد الذي يجعلها تتمسك بجماعة لا تملك من فنون السياسة إلا الدعوة للخلافة ومحاربة الوطن القومي. الثورة المضادة في صورتها الحالية ثورة مشوهة ليس لها تصور استراتيجي واضح وتنهك نفسها ماليًا وعسكريًا في مشاريع ليس لها أفق على الإطلاق وهي في اندفاعها الانتحاري للوقوف في وجه عجلة التاريخ أشبه ما تكون بمقولة عبدالله بن الزبير حين بارز مالك بن الأشتر:

“اقتلوني واقتلوا مالكًا معي!”

قد يبدو مريحًا لبعض الوقت أن يكون لك صديق دكتاتور يحكم  جمهورية تجاورك في الخريطة ويلبي طلباتك ولكن التعويل على المستبدين في هذا الوقت من عمر البشرية هو أكثر أنواع المقامرة تهورًا ومخاطرة فهذا النوع من الكائنات باتت أعمارهم موسمية.

لحظة الخليج

يتحدث الأستاذ عبدالله عبدالخالق وهو مفكر إماراتي في كتابه “لحظة الخليج” عن تمحور العالم العربي حول مركز ثقل جديد يتمثل في دول الخليج التي ستعيد رسم صورة الشرق الأوسط ولكن مع ما يتم على الأرض لا أجد أن العالم العربي يتمحور حول الخليج بل يجتمع ليرميه يومًا ما عن قوس واحدة.

لحظة الخليج لم تكن واعية ومستوعبة للسياق التاريخي الكوني لشعوب المنطقة ولا لحتميات العولمة المعيارية ولا لتبعات الإرث النفسي الأممي تجاه الخليج وهو يستميت في تحنيط حالة ماضوية عفَّى عليها الزمن على حساب دماء وطموحات الشعوب المحيطة به.

لا أجد لحظة الخليج في صورتها الحالية سوى لحظة خفّاشية متناقضة التركيب لها رأس سبع يكشر عن أنيابه وجناحا طائر لا يحلق بهما للأفق البعيد ولكن لينتقل تحت جنح الظلام ثم يلفهما حول جسده وعلى وجهه حين يتعلق من قدميه منكوسًا على رأسه يفكر بمفرده ويردد ما أريكم إلا ما أرى مع أنه مغمض العينين ولا يرى إلا ما بداخل رأسه.

لدى الخليج من مؤهلات الريادة الإقليمية ما ليس لدى سواه. لديه الاستقرار والعقد الاجتماعي المتين القائم على حكم وراثي مستقر متناغم في نشأته ووجوده مع ما حوله، ولديه المال والقيادات الشابة والعلاقات الدولية النافذة ولا يوجد أي مبرر لأن يشعل النيران بأطراف ثوبه بالجنوح للحلول الصلبة.

الدول التي لا تملك مبادئًا رسالية تشيعها وتستقطب الأحلاف حولها ستمضي وقتها في الدفاع عن نفسها بدلًا من صناعة درع من الحلفاء وهذا ما نجحت فيه إيران الخميني وتركيا أردوغان وفشلت فيه دول الخليج.

لا يشترط في المبادئ الرسالية أن تكون دينية متطرفة أو ثورية ويكفي دول الخليج ما لديها من إرث ديني كقبلة للمسلمين وإرث عروبي بكونهم أصل ونواة العرب وثقل اقتصادي يؤهلهم لدور “المعيل للأمة” لأن يلتهموا الجميع بالاحتواء الناعم الذي يؤمن بأن الوقت كفيل بأن يفعل فعله في تصحيح كل شيء.

يكفيهم ذلك لصناعة مرجعية أبوية رسالية ترفع شعار “رخاء ما بعد الثورة” ليفرض الخليج نفسه سلميًا على اقتصاد الدول وبنائها الاجتماعي والثقافي كما تفعل تركيا اليوم في الصومال وكما يفعل الأميركيون في أوكرانيا وجورجيا وكما فعل الروس سابقًا في الصين، ثم تذيب داخل ذلك الوجود والنفوذ وتلك الرسالة كل التيارات المتشنجة وتشغلها بممارسة الحضارة والعمل بدلًا من تغذية احتقاناتها بتكريس الكبت وإطالة عمر الصراع.

التطرف فكرة لا يمكن أن تموت في أي مجتمع إلا حين تبرز كتجربة فاشلة عبثية وستتكفل المجتمعات بنبذها وخنقها وإسقاطها لأنه لايوجد شعب يرفض الحياة ويبحث عن الموت لأجل لا شيء.

النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×