لماذا “لقيمات” أسوأ من المسلسلات الخليجية التي ينتقدها

لمازن العتيبي
1 يوليو، 2019

“ليش أنا مهتم بالأعمال السعودية؟

لأن الفنون وجودتها تعطي انعكاس كويس عن هوية وثقافة وطريقة عيش البلد الي جاية منها.

ولأن بلدنا في هذه الفترة تحتاج تكاتف كل المجالات عشان نظهر بصورة مؤثرة وقيادية وجيدة، فإن الإعلام والثقافة والفن والمسرح تعتبر مجالات مهمة جدًا للتعبير عننا.

فلما يتصدر المشهد الدرامي والفني هذي الأعمال الي يفترض ان الدولة هي الي داعمتها، فهذي مشكلة كبيرة لازم أنوه عنها.”

عبدالمجيد of النماص، الأول من اسمه، المخلّص، المعلّم، الأب، الابن، والروح التي تتعذب كل سنةٍ شهرًا لتغفر لنا خطايانا الفنيّة

“في البداية، كُنت سعيدة جدًا لوجود قناة تتخصص ‘بنقد’ المعروض الفني الهابط في المستويين الفكري والإخراجي. لكن يبدو أنني كُنت أطالب القناة وتوجهاتها أكثر مما تحتمل. لأنه كما يبدو فالموضوع عبارة عن -تهريج على المهرجين”

الجوهرة الذييب

الطيار: لقيمات يقدّم نقدًا سيئًا

هل سبق وأن خضت نقاشًا على الإنترنت؟

إذا كانت الإجابة نعم، فأنت بالتأكيد قد مررت بالسيناريو التالي: تأتي أنت بحجة تعتقد أنها مقنعة، ثم تبدأ بصياغة أفكارك على شكل ردٍ في منتدى، أو في سلسلة تغريدات، أو في مجموعة رسائل واتساب. تعمل جاهدًا على أن تكون أفكارك واضحةً قابلةً للفهم، وحجّتك ظاهرةً بأفضل طريقة ممكنة، ثم ترسل رسالتك. ليأتي بعدها خصمك متجاهلًا جميع أفكارك، ويرد عليك ب: “لاكن؟ لاكن؟ هذا كبرك وما تعرف تكتب “لكن”؟ روح تعلّم إملاء يا بابا ثم تعال ناقشني”.

لو تحول الشخص الغثيث في الأعلى إلى برنامجٍ يوتيوبي، لكان لقيمات.

منذ بدايته في 2012، نُصّب لقيمات جهةً نقديةً عُليا، يكشف مع كل حلقة سوء المسلسلات الخليجية، ويشفي غليل المتابعين المغبونين. وبالرغم من الكناني يكرر دائمًا بأنه لا يريد الظهور بمظهر الناقد الفني

ولا أعتقد أن وصف النقد المقدّم في لقيمات بالنقد السيء أمرٌ مثير للجدل. فبالرغم من أن أخطاء الاستمرارية ومبالغات التمثيل بيئة خصبة للنكت السريعة، فإنها لم تكن أبدًا سببًا لسوء الدراما الخليجية.

في كل مرّة أشاهد فيها الكناني يسخر من خطأ استمرارية ما، أتخيل أنه يسخر من مشهد التحقيق في الفارس الداكن، أحد أفضل أفلام العقد الماضي، وأحد أفضل مشاهد ذلك الفيلم. في كل مرة يسخر فيها من لهجة ممثل أو ممثلة، أتخيله يسخر من لهجة جوليان مور في 30 روك، إحدى أفضل ممثلات هوليوود، في أحد أفضل المسلسلات الكوميدية.

في كل مرة يسخر فيها من مبالغة ممثل ما، بجملته الشهيرة: “أوفر أوفر أوفر”، أتخيله يسخر من مشاهد بكاء كلير دينز في هوملاند، وهي التي كانت للسنوات السبع الماضية الممثلة الأفضل على التلفاز وبلا منازع.

أخطاء الاستمرارية، أخطاء الحقبة -حيث تستخدم منتجات حديثة في مسلسل تاريخي-، اتقان اللهجات، ثغرات القصة، كل هذه تفاصيل إنتاجية يجب على طاقم الإنتاج الانتباه لها، لكنها لم تكن أبدًا سبب سوء المسلسلات الخليجية. وهذه الحقيقة تكون في أوضح حالاتها عندما يحاول لقيمات أن يمتدح عملًا ما.

عندما يكون المسلسل سيئًا، فهو يحظى بحلقةً كاملة من النقد. أو إذا بلغ السوء منه مبلغًا عظيمًا، فتخصص له عدة حلقات لتبيان سوءه. في هذه الحلقات يستعرض القائمون على البرنامج أخطاء الاستمرارية باعتبارها دليلًا على سوء الإخراج، ومبالغات الممثلين باعتبارها دليلًا على سوء النص وسوء التمثيل. وبالرغم من أن هذا الاستعراض خاطئ، فهو على الأقل استعراض.

بينما المسلسل الجيّد، فيُذكر عادةً في نهاية الحلقة، مسبوقًا بإعلانٍ من الكناني على وزن: “الكل يقول اني سلبي وما أتكلم إلا عن الأغلاط..”. ثم يذكر الكناني حسنات المسلسل، أن التمثيل جيد مثلًا، أو أن السيناريو جيد، أو أن الإخراج جيد. هذه الإطراءات الباردة تأتي جافّةً بلا “أدلة”، بلا مناقشة. من السهل الضحك على الأخطاء التقنية السطحية، إلا أن تحديد الشيء الجيد يحتاج تعمقًا أكثر.

بجانب الانتقادات التقنية، يبالغ لقيمات ما بين الفينة والأخرى بالانتقاد، لحد الإهانات الشخصية. وهذه هي الخطيئة العظمى.

في عدة حلقات، يسخر الكناني من أشكال الممثلات الاتي يرى أنهن قبيحات. في إحدى هذه الحلقات، يستعرض صورتين لشيلاء سبت، قبل وبعد عملية التجميل. في حلقة أخرى، يفعل المثل مع الفنانة أمل العوضي. والغريب في هذه الانتقادات ليست طبيعتها الشخصية فقط، بل كون الناقد من أشد المعارضين لاستخدام مساحيق التجميل في المسلسلات. فكيف يستغرب إصرار الممثلات على الظهور وكأنهن في حفلة عرس لا تنتهي، وهو أحد المشاركين في التركيز المقزز على مظهرهن.

وفي نفس حلقة أمل العوضي -والتي تبدأ بإعلان سيجعلك تنتحب كلما تذكرت أن هذا البرنامج يهدف إلى محاربة “سماجة” المسلسلات الخليجية-، يهاجم الكناني الفنانة القديرة أسمهان توفيق، لأدائها دور امرأة مسنة تدخل في علاقة محرمة مع شابٍ بنصف عمرها. يقول الكناني: “يعني فنانة كبيرة، و لها تاريخ. و وصلت لهالمرحلة من الإنحطاط؟”.

وهذا الهجوم، من جديد، ليس غريبًا بسبب طبيعته الشخصية فحسب، بل لأن الكناني نفسه لا يتوانى عن استخدام الإشارات الجنسية في حلقاته، وفي أفلامه. ولا أدري كيف يكون فعل أسمهان، وهي التي تجسد شخصيةً دون فحش أو تعري، أكثر خدشًا للحياء من كتابة شخصيةٍ تمارس العادة السرية على كتاب طبي، مثلًا.

لكن، لو استثنينا هذه الهجمات الشخصية، يصبح السؤال: ما المشكلة في النقد السطحي؟ ما المشكلة في الضحك على اللقطات السخيفة؟

“في كل استراحة في المملكة بتلقى مخرج، وكلهم حالفين ما يسوون ولا فيلم يشبهنا”

فهد كَوِين

الجزء الثاني: لماذا النقد السيء سيء

ما أتابع مسلسلات خليجية” ابحث عن هذه الجملة في تويتر، واستمتع بكل الأشخاص الذين يريدونك أن تعرف بأنهم “كول”.

في عام 2010 كنت أحد هؤلاء الفخورين بإنجازهم. كنت بالكاد قد تخطيت الخامسة عشر، ولم تعد عائلتي تغضب عندما تشاهدني أتابع فيلمًا أو مسلسلًا أجنبيًا. كذلك كنت وقتها على باب الاكتشاف الأعظم، التورنت، فكنت مستعدًا لنبذ أيام البرامج والمسلسلات العربية.

ثم في إحدى ليالي ذلك العام، وبينما أنا جالس مع عائلتي على العشاء، عرضت القناة التي كانت دائمًا مشتعلة على الصامت مسلسلًا جديدًا، أم البنات. للمرة الأولى في حياتي البالغة الجديدة، أتابع مسلسلًا مع عائلتي دون أن يصيبني الغثيان. كان كل شيءٍ يوحي بمسلسل خليجي يشبه المسلسلات الأخرى، أب متسلط، أم مظلومة، قصة حب محرم، قصة حب نقي، قصة زواج مكسور. وبالرغم من هذا، كنت متسمّرًا بالشاشة ليلةً بعد ليلة، وأصبحت أكثر إصرارًا من أفراد عائلتي على متابعة هذا المسلسل.

أسلوب هبة مشاري حمادة، وهو الذي أصبح مملًا مُجترًا اليوم، كان لا يزال بريئًا ساحرًا حينها. وكان ذلك السحر تذكيرٌ بأن مشكلة المسلسلات الخليجية لم تكن أبدًا بطبيعة القصص التي تحكيها، قصص التسلط والحب والورث، في نهاية المطاف هذه القصص قصصنا، وهذه المشاغل هي مشاغلنا. بل إن المشكلة الفعلية تكمن في التنفيذ، وأن المسلسل الخليجي الجيّد ليس من رفاق الغول والعنقاء، بل هو واقع ممكن في أي لحظة.

منذ ذلك الوقت لا يمر موسم رمضاني دون أن أتصفح فيه حلقات المسلسلات الخليجية، بحثًا عن تجربة ساحرة أخرى. أغلب تجاربي هذه كانت مخيّبة، وحتى الأعمال الجيّدة التي أعثر عليها كانت “جيّدةً” بأكثر معاني الكلمة كرمًا وتسامحًا، تفعل شيئًا واحدًا بطريقة صحيحة، و”تخربط” في باقي الأشياء. إلا أن القريب الجيّد أكثر إنعاشًا من البعيد الممتاز.

السواد الأعظم ممن يعتقدون أنهم أفضل من المحتوى الخليجي لن يمرّوا أبدًا بهذه التجربة. لأنه لا يعتقدون بأفضليتهم، بل يعرفون حقًا أنها مسلسلات سيئة، وبرهانهم هو برامج كلقيمات.

لناقد الأفلام هولك اقتباس رائع عن الدور الذي يلعبه ناقد الأفلام، يقول:

“لا أعتقد أن وظيفتي كناقد هي أن أخبرك عن أفكاري تجاه الفلم، وظيفة الناقد هي أن يساعدك على فهم أفكارك أنت”

وهذا ما يحدث مع لقيمات. لو قرر صانعوا البرنامج غدًا أن يحولوه إلى برنامج تشجيعي، يمتدح المسلسلات الخليجية ويثني عليها، هل سيتفق معهم أغلب الجمهور؟ بالطبع لا، الجمهور قد قرر مسبقًا أن هذه المسلسلات سيئة، وما يبحث عنه هو تفسير لسوءها. لقيمات، بانتقاداته الخاطئة، يعطيهم تعريفًا مضللًا لسبب السوء، تعريفٌ يمكن اختصاره بـ: لأنه خليجي.

في أكثر من حلقة ينتقد تكرار القصص في المسلسلات الخليجية، قصص مثلثات الحب، أو مشاكل الزواج، أو الشركات والحلال الورث، ويعتبرها سببًا لسوء هذه المسلسلات. هذا الاعتقاد المنتشر يتجاهل أن العديد من المسلسلات الأجنبية الرائعة تدور أحداثها في أروقة الشركات، أو في بيوت العوائل الأميركية. بيليونز، سوتس، سكسيشين، مادمين، بارينتهود، بيگ لوف.

وبالرغم من وضوح خطأ هذه الانتقادات، تجد التعليقات على حلقات لقيمات مليئة بالآتي: “وسعت ذائقتي النقدية، فضحتهم، من بعد لقيمات صاير ألاحظ التفاصيل ذي، ما أدري كيف كنا نتابع هالمسلسلات والله، نميت الناقد في داخلي”. وهكذا يتحول النقد الذي من المفترض أن يساهم في التحسين، إلى أداة لجلد الذات يستخدمها الخليجيون ضد فنّهم.

المخيف هنا هو أن يصبح تعريف الجيّد مساويًا للأجنبي، أن تعتبر القصص الجيدة هي قصص القتلة المتسلسلين، والمدن الما-بعد-كارثية، وحروب العصور الوسطى. بالرغم من حبي لكل هذه الأنواع، إلا أنها لا تنبع من ثقافتنا الشعبية، ومن المخيف أن تصبح معيارًا نقيس به فننا.

إلا أن جريمة لقيمات العظمى ليست بحق الجمهور مباشرة. الخاسر الأعظم من سوء لقيمات هو صنّاع الأفلام الخليجيين.

فكل مخرج يبدأ متابعًا عاشقًا للأفلام، وتعريفه للجودة يشابه تعريف بقية الجمهور. مع مرور الوقت، عندما يتطوّر عشق المتابعة هذا إلى شغفً بعالم السينما، تصبح مهمة “فهم الأفكار” أكثر أهمية. فصانع الأفلام أولى بأن يعرف لماذا أصبحت القصة السيئة سيئةً، ولماذا اللقطة المؤثرة مؤثرةً.

وعملية التحوّل من متفرجِ عادي إلى صانع شغوف لا تكتمل دون وجود النقّاد. في ظهوره على بودكاست “مولتين أون موفيز“، يتحدث المخرج المبدع إدگار رايت عن ذكرياته كمراهق مع كتاب الناقد ليونارد مولتين، وكيف أنه كان يحفظ المراجعات ظهرًا عن قلب. لا تتوقف العلاقة بين الناقد والصانع على التأثير فقط، بل قد يتحول الناقد -مستعينًا بسنين خبرته- إلى صانعٍ ممتاز، كـ بول شريدر أو بيتير بوگدانوفيتش، وجُلّ روّاد الموجة الفرنسية الجديدة.

وكما تختلف صناعة الأفلام من بلدٍ إلى بلدٍ باختلاف الثقافات، تختلف الاتجاهات والملاحظات النقديّة.

صنّاع الأفلام الخليجيين اليوم يقرأون عن السينما الغربية والشرقية أكثر مما يقرأون عن أفلام ومسلسلات بلدانهم. فأصبح أسهل لهم، من خلال ما شاهدت في مهرجان أفلام السعودية ومسلسلي بدون فلتر وكوكب آخر، أن يجاروا القصص والأساليب الغربية من أن يجرّبوا ويصنعوا طريقهم الخاص.

لا أقصد هنا بأن لقيمات سبب هذه المشكلة، أو أن مشكلة المحاكاة هذه تجعل كل الأعمال المحلية سيئة -من الطبيعي أن تجاري الصناعة المتأخرة الصناعة المتقدمة. كل ما أقوله هو أن التفاعل بتكبرٍ مع الفن المحلي، مهما كان سيئًا، يقلل من فرص تطوّره. وهويّة لقيمات في النقد، التي استنسخها لاحقًا طارق الحربي على روتانا، هي الأكثر حضورًا، والأكثر ربحًا. فبالطبع ستكون هي الأكثر تأثيرًا، والأكثر استنساخًا في المستقبل.

واعتناق صنّاع الأفلام المحليين لبرنامج نقدي، فقط لأنهم يرونه “جلّادًا” ينتقم لهم ممن أخذوا مقاعدهم الفنيّة، هو أمرٌ مزعج، ونتيجته الحتمية أن تُقدّس انتقادات لقيمات، فنرى أعمالًا فنيّة لا مخاطرة فيها لئلا توسم ب”أبو رفسة”، ولا نُكَت فيها لئلا تتبعها ضحكة عبادي الجوهر الساخرة.

“مت بطلًا، أو عش بما يكفي لترى نفسك تصبح الشرير”

جوناثان نولان

الموسم الثالث: لقيمات مسلسلٌ خليجي متنكّر

في الحلقة السادسة والثلاثين من لقيمات، يتحدث الكناني عن وضع الفن الكويتي حاليًا، ويستعرض اقتباسات من فنّانين كويتيين منزعجين مما يصفونه بوقاحة فنّهم. تنتهي الحلقة بمونتاج مدته دقيقتين ونصف، يستعرض لقطات من مسلسلات ومسرحيات كويتية قديمة، تسبقه عبارة: “هكذا كانت الدراما في الكويت”، ويختمه الكناني قائلًا: “شتاااان، شتان”.

وأنا أشاهد هذه اللقطات، التي لا أعرف منها سوى خالتي قماشة، تسائلت ما الفرق بين “رطرطة” ناصر القصبي وحركات إبراهيم الصلال هنا؟ ما الفرق بين كوميديا “أوه لخبطت في الكلام” التي تملأ كل مسلسلٍ خليجيٍ الآن، وإفّيهات خالد النفيسي وعبدالحسين عبدالرضا هنا؟ ما الفرق بين شخصية “الخبل” التي كانت موجودة في كل مسلسل ومسرحية، ما الفرق بينها وأيًا كان ما يفعله حبيب الحبيب اليوم؟

يحكي الخليجيون لأنفسهم قصّةً كان فيها فنّهم رائعًا، ثم تدهور مع الزمن. في السعودية عادةً ما تأتي القصة على شكل “مثل طاش”، الجميع، والقائمون على لقيمات منهم، يريدون مسلسلًا شبيهًا بطاش ما طاش، في قدرته على إضحاك الشعب وجمعهم على شاشة واحدة. لهؤلاء اسأل: متى كانت آخر مرة تابعتم فيها طاش؟

بالنسبة لي كانت قبل أسبوع. عدت لمشاهدة حلقاتي التي كنت أعتقد أنها مفضلّة، الغرق في الأرشيف، الكشتة، الكاوبوي. وكانت التجربة، مثل أي محاولة لاستعادة شعورٍ مضى، مخيبةً للآمال. على مدى الحلقات الثلاث، كانت ضحكاتي تعدّ على أصابع اليد الواحدة، الكثير من النكت كانت محرجة، مثلها مثل نكت هايبرلوب أو بدون فلتر.

القصة التي يحكيها الخليجيون لأنفسهم هي قصّة تدني مستوى الأعمال المحليّة، بينما الحقيقة تتعلق أكثر بارتفاع ذائقة المتابع المحلّي، بعد أن انفتحت عيناه على الأعمال العالمية، الأعمال التي لم تكن لتصل لجودتها اليوم لولا عشرات السنين من التجارب والأخطاء خلفها. لو قارن المتابع الخليجي بين ما أعجبه بالأمس وما نفّره اليوم، لوجد أنهما متطابقان، بيد أن أحدهما قد صوّر بدقة عالية.

انعدام التطوّر هذا، كان الدليل الأول على أن لقيمات -وبالتالي قناة سين- أصبح نموذجًا مصغرًا لصناعة الفن الخليجية.

في عام 2012، عند بداية لقيمات، كانت فكرة برنامجٍ يوتيوبي يسخر من المسلسلات الخليجية فكرةً جيدة، خصوصًا أنها جاءت في وقتٍ كانت برامجه الساخرة كلها تتشابه، مقلدةً الأنجح حينها: لا يكثر وعلى الطاير وايش اللي.

مع مرور الوقت تغيّرت الأمور، واحدًا تلو الآخر توقفت البرامج الأنجح، واتجه مقدّموها إلى تمثيل الأفلام أو تقديم البرامج التلفزيّة أو إلى برامج يوتيوبية أخرى.

في عالم 2017، توقف لقيمات هو الآخر. في الحلقة رقم 50 قال الكناني:

“بعد خمسين حلقة من برنامج لقيمات، أعتقد أني قلت الي أبي أقوله، وعبرت عمّا في نفسي أولًا، وعما في أنفس الكثير من الي أقابلهم أو يتابعون البرنامج، لذلك أحب اقولكم اني راح أتوقف عن تقديم برنامج لقيمات”

لكن في رمضان الذي تلى عاد لقيمات، وفي رمضان الحالي أيضًا.

وانعدام التطور الذي أقصده لا يتعلق فقط بأن القائمين على البرنامج لم يتوجهوا لإنتاج شيء آخر، بل في نوعية البرنامج نفسه.

الانتقادات المذكورة في الطيّار ليست بالجديدة، انتقادات “مشهد أبو رفسة” و”اضحك اضحك اضحك” و”كيميديا” -هل نستطيع أن نناقش كيف أن السخرية من البدو لا تزال أكثر أنواع العنصرية قبولًا؟ لا؟ أوكيه-. وكان يرد عليها الكناني غالبًا بطريقتين:

يتجاهل الكناني أن العديد من المقالات النقدية تستخدم أسلوبًا ساخرًا مضحكًا دون أن تقلل من قيمتها الفنية، بل أن العديد منها أصبحت تسجّل وتصوّر مثل لقيمات بالضبط. كذلك يتجاهل أن الأعمال الفنية السيئة بيئة أكثر خصوبة للنقد الموضوعي، حيث تسهل معرفة الصحيح بتوضيح الخاطئ، مثل مراجعات “خمسون درجةً من الرمادي“، و”مشعّ“، و”شيرلوك هولمز“.

مقاومة النقد باختيار الطريق الأسهل توضّح أن عيوب الدراما الخليجية لم تكن بسبب غباوة المنتجين أو انعدام ثقافة الكتّاب والممثلين. الجمود، والرضى بالقليل، أمران مغريان، والكل مهددٌ أن يُحرق بناريهما، منتجًا في التلفزيون أو إعلاميًا يوتيوبيًا على حد سواء.

“مازن، ليش كل فقرة تبدأ باقتباس؟ مازن… مازن ليش جالس تنحاش.. مازن تعال وين رايح؟ مازن!”

عبدالرحمن أبومالح

الحلقة الأخيرة: النقد الجيد جيد

في عام 2015، أُنتجت حلقة عن لقيمات من برنامج اسمه وحدة وطن على قناة الإخبارية السعودية الرسمية، يجادل “الخبراء” في الحلقة أن لقيمات يساهم في دفع الشباب إلى التطرف والإرهاب. لا أريد سرد الألعاب البهلوانية الفكرية التي استخدمها الخبراء لإثبات التهمة، إلا أنه يجب علي ذكر الشائعات التي تقول أن منتجيّ البرنامج كانوا زملاءً لأحد الفنانين الذين انتقدهم الكناني، وفعلوا ما فعلوا ليدافعوا عنه.

في عام 2016، قام القائمون على مسلسل شباب البومب بإنتاج حلقة تقليدية لقصة برنامج لقيمات، تحت عنوان “برنامج دونات”. وبالرغم من أن انتقادهم للبرنامج صحيح، إلّا أن تلفيقهم لدوافع الكناني كان غير أخلاقي، إذ أظهروه ممثلًا فاشلًا صنع برنامجه بدافع الحقد والانتقام، بينما تشير الحقيقة إلى أن الكناني كتب سيناريو أحد أنجح الأفلام السعودية القصيرة، ومثّل مع أبرز المخرجين السعوديين الحاليين، كعبدالله العياف وبدر الحمود -الذي أخرج أولى حلقات لقيمات.

مشاعري السلبية تجاه لقيمات كانت موجودةً منذ البداية، ونمَت فيّ سنةً بعد سنة. إلا أن الحادثتين السابقتين ساهمتا في تغيير طريقة تفكيري تجاه سوء لقيمات. في الماضي كنت أراه برنامجًا سيئًا لأنه برنامج سيء، لا داعي لأي تفسير أو تبرير. مع الوقت، وجدت الكثير من الذين يتفقون معي في المشاعر، ويتفقون في عدم الحاجة للتبرير، أو يكتفون بالقول: “سامج ينكّت على سامجين”.

ثم بعد الحادثتين، اتضحت لي أهمية التبريرات. لا سيطرة لنا على مشاعرنا، لكننا لا نستطيع أن نعيش دون تفسير هذه المشاعر. وإذ غاب عنّا التفسير الصحيح، فسنخترع تفسيرًا آخر يناسبنا، خصوصًا إذا كانت المشاعر التي نريد تفسيرها مشاعرَ سلبية. الأشرار فقط يكرهون دون سبب.

في الاقتباس الذي يفتتح المقالة، يستخدم الكناني أسلوبًا قوميًا غريبًا لانتقاد صنّاع المسلسلات السعودية. استخدامه لجملة “بلدنا في هذه الفترة تحتاج تكاتف جميع المجالات” لا يختلف كثيرًا عن استخدام الخبير القانوني الذي اتهمه بدعم الإرهاب، “المملكة الآن تمر بفترة المفترض فينا جميعًا التكاتف، ليس إظهار مقاطع من هذه الشاكلة”.

وفي حلقة الفن الكويتي يستخدم أسلوبًا مشابهًا لانتقاد من يراهم يشوهون صورة المجتمع الكويتي. لم يتهم الكناني أحدًا بدعم الإرهاب أو تشويه صورة الوطن، وهي تهمتان خطيرتان، لكنه استخدم أسلوبًا يوهم بهذين التهمتين حتى يعزز من قوّة حجته.

في غياب التبرير الصحيح، تظهر التبريرات الخاطئة، والتي تكون أحيانًا قاتلة.

بعد الحادثتين، استوعبت أن انتقادي الصامت، اللامُبرر، للقيمات كان جزءًا من المشكلة. بأنني لا أستطيع أن أطالبه بتقديم نقد جيد وأنا الذي أرفض أن أفعل المثل له. من هنا جاءت فكرة المقالة، النقد الحقيقي لا يكون هجومًا شخصيًا، ولا يتنكر بجلد “النقد البنّاء” أيضًا، النقد الحقيقي هو تقديم تبرير لشعورٍ ما. النقد الحقيقي يقدّم لجمهور العمل لا لصانعيه.

مع دخول السينما للمملكة، وبدء التجهيزات لصناعة الأفلام الخليجية، أتخيل أننا سنُغرق بموجةٍ ضخمة من النقاد المحليين. في حال كان أحد هؤلاء النقّاد المستقبليين يقرأ المقالة هذه الآن، أتمنى أن تكون قد ساعدَته في فهم مشاعره تجاه لقيمات، وأن يساعد هو الجماهير المستقبلية في فهم مشاعرهم تجاه فنهم الذي يشبههم.

النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×