قوة القصص في الاقتصاد

قوة القصص في الاقتصاد

توفيق مدير
16 أبريل، 2020

يفهم جميع البشر الآن كلمة “كورونا” بمختلف لغاتهم وحالاتهم الاجتماعية والاقتصادية ومكانهم الجغرافي. بات كورونا اليوم أشهر من نار على علم، وحديث الكبير والصغير والغني والفقير في كل المجالس وكل وسائل التواصل الاجتماعي. عندما عطس والدي اليوم، صرخت أختي ذات الـ12 ربيعًا: “كورونا”، وهرولت لتستخدم معقم اليدين.

رغم أن مجموع الحالات التي أصيبت بهذا الوباء وقت كتابتي لهذا المقال بلغ نحو 170 ألف إنسان حول العالم، فإن انتشار القصة تجاوز انتشار المرض الفعلي. وأثر انتشار قصة المرض أكبر من أثر انتشار المرض نفسه على مختلف المجالات، فقصة المرض هي التي غيرت من سلوكياتنا أفرادًا وحكومات بشكل كبير، فجعلتنا نستخدم معقم الأيدي أكثر من أي وقت مضى، وجعلت الكثير منا اليوم يرتدي الكمامات حتى في المدن التي لم يصل إليها المرض، وغيرها من السلوكيات التي صرنا نراها اليوم بين أفراد المجتمع.

للقصص قوة خفية أكبر مما نعتقد بكثير!

عادة ما نجد أن العلوم الإنسانية والاجتماعية هي التي تهتم بدراسة القصص بينما تغفل عنها باقي العلوم الطبيعية، لكن القصص تُضيف بعدًا آخر لفهم الحياة، وتضع أقدامًا للعلوم الطبيعية تجعلها تتحرك. ومن الأمثلة على ذلك قضية التغير المناخي، فهي قضية درسها العلم منذ سنوات ولا يزال يدرسها، لكنها كانت محصورة بين العلماء ولم تتحرك بشكل كبير إلا في السنوات الأخيرة بعد أن تحولت لقصص يتناقلها الناس، كقصة المراهقة التي تركت دراستها لتجول العالم محاوِلةً توعية العالم بالقضية، وقصص أفلام هوليود التي صورت لنا نهاية العالم والمآسي المترتبة على إهمال البشر للقضية وغيرها من القصص.

الاقتصاد القصصي

يُعد روبرت شيلر من أكثر المفكرين تأثيرًا في العالم، فهو حائز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2013. وبحسب شيلر فإن علم الاقتصاد في السنوات الأخيرة أصبح يمر بتغيرات كبيرة، وأصبح يعطي أهمية أكبر لطبيعة الإنسان. ويمكن أن نرى برهان كلامه في جوائز نوبل للاقتصاد، فجائزة نوبل عام 2019 كانت للاقتصاد التجريبي وعام 2017 كانت للاقتصاد السلوكي، وكلاهما يعطيان اهتمامًا أكبر لطبيعة البشر من باقي فروع علم الاقتصاد.

الذي يعرف كيف يقرأ شيلر الأحداث الاقتصادية لا يستغرب من تنبئه وتحذيره من الأزمة المالية التي حدثت عام 2008 في وقت مبكر. ويتميز شيلر عن غيره عند قراءته وتحليله للأحداث الاقتصادية بأنه يحاول عادة الإلمام بسياق الأحداث من جميع الجوانب الممكنة حتى التي تتجاوز علم الاقتصاد. وفي أواخر 2019 نشر دراسة كبيرة في كتاب أسماه “الاقتصاد القصصي: كيف تنتشر القصص وتقود أحداثًا اقتصادية هامة” (Narrative Economics: How Stories Go Viral and Drive Major Economic Events).

تتلخص فلسفة شيلر في كتابه في أن علم الاقتصاد يُعنى بدراسة السلوك الإنساني، وأن السلوك الإنساني يتشكل بالأفكار، وأن الأفكار تنتشر بين البشر عبر القصص، لذا فإن القصص هي ما تصنع الأحداث الاقتصادية

يُعرّف شيلر الاقتصاد القصصي في كتابه  بأنه دراسة الأحداث الشهيرة لمحاولة فهم أثر غيرها من القصص على حركة الاقتصاد. ويضيف الكتاب بُعدًا آخر لفهم وتحليل كبرى الأحداث الاقتصادية والاجتماعية، بل قد يكون حجر الأساس لفرع جديد في الاقتصاد (الاقتصاد القصصي) ومهمًّا لفهم وربما التنبؤ بالأحداث الاقتصادية الكبرى. وتتلخص فلسفة شيلر في كتابه في أن علم الاقتصاد يُعنى بدراسة السلوك الإنساني، وأن السلوك الإنساني يتشكل بالأفكار، وأن الأفكار تنتشر بين البشر عبر القصص، لذا فإن القصص هي ما تصنع الأحداث الاقتصادية. ويقول شيلر:

لاشك أن أخطاء البنوك المركزية وقوانين الضرائب وغيرها من العوامل تساهم في صنع الأحداث الاقتصادية، لكن القصص هي القوة الخفية التي تصنعها

لذا حلّل شيلر انتشار القصص ولاحظ أن القصص تتشابه مع الأمراض والأوبئة في كونها مُعدية وأن لها نمط الانتشار المعروف نفسه في علم الأوبئة، فاستعان شيلر بعلم الأوبئة ودرس النموذج الرياضي لانتشار الأوبئة وطبَّقه على القصص ليتأكد من ملاحظته. تعتمد دورة حياة الوباء على عاملين رئيسين: عدد الحالات المرضية الجديدة وعدد الحالات التي تتماثل للشفاء، وعندما يزيد عدد الحالات الجديدة عن عدد الحالات التي تتماثل للشفاء يكون الوباء في مرحلة الانتشار، وعندما يزيد عدد الحالات التي تتماثل للشفاء يكون الوباء في مرحلة الاضمحلال.

يوضح الرسم البياني في اليمين نمط انتشار مرض الإيبولا في عام 2014 للفترة من يونيو إلى نوفمبر، بينما يوضح الرسم البياني في اليسار نمط انتشار البطالة (من أهم المتُغيرات في علم الاقتصاد) في الدول المتقدمة 2000-2007 

كيف تتشابه القصص والأوبئة؟

بدأ فيروس كورونا مثلًا بإصابات محدودة العدد ثم انتشر بالعدوى فزاد عدد الحالات المصابة (إيطاليا من 3 حالات مصابة إلى آلاف في أيام معدودة)، ثم -كغيره من الأمراض- سيقل عدد الحالات المصابة تدريجيًا (كما في الصين التي شهدت شفاء أكثر من 70٪ من الحالات وانحسار العدوى لحالات بالعشرات في اليوم الواحد بعد أن كانت تزيد بآلاف) إلى أن يختفي المرض. وكذلك القصص، حيث تكون فكرةً بين عدد محدود ثم تنتشر بين الناس كالعدوى بشكل كبير ثم تختفي. ويضيف شيلر أنه كما يمكن لبعض الأمراض التي تختفي أن تعود بطفرات جينية (كما هو الحال مع فيروس كورونا الجديد، فهو فيروس سابق استطاع الإنسان التغلب عليه لكنه عاد بطفرات جينية مختلفة)، يمكن لبعض القصص أيضًا أن تعود برِوايات (طفرات) جديدة.

يمكن أن نرى دورة حياة انتشار القصص في المتداول (Trend) في تويتر حيث ينتشر وسم ما ويزيد حديث الناس عنه بشكل متسارع فيصبح متداولًا لفترة ما، ثم يفقد الناس اهتمامهم به إلى أن ينسوه ويختفي.

كيف تؤثر القصص على الاقتصاد؟

أزمات الثقة في الاقتصاد من أشهر الأمثلة التي توضح كيف يمكن للقصص أن تؤثر في الاقتصاد، فعندما تنتشر -عبر القصص- فكرة أن البنوك ستفلس، تضعف ثقة المجتمع في البنوك ويهرع الجميع لسحب أرصدتهم من البنوك فيحدث ما يُعرف بـ”الذعر المالي”. وعندما تنتشر -عبر القصص أيضًا- فكرة ضعف الاقتصاد بين المستثمرين، يُحجمون عن الاستثمار فيتأثر الاقتصاد وتحدث أزمة “ثقة المستثمر”. وأخيرًا عندما تنتشر فكرة ضعف الاقتصاد بين المستهلكين، يُحجمون عن الاستهلاك فيتأثر الاقتصاد وتحدث أزمة “ثقة المستهلك”.

قصة الخوف من التقنية

ألبرت أينشتاين ذكر في كتاباته عام 1933 أن سبب الكساد كان سلب الآلة للوظائف من الإنسان، مما زاد البطالة وأضعف قوته الشرائية، أما اليوم فلا يوجد اقتصادي يعتقد أن الآلة كانت السبب في الكساد الكبير

من أشهر القصص التي تكلم عنها شيلر في كتابه وذكر أنها تختفي ثم تعود بروايات (طفرات) مختلفة أكثر من مرة قصة أو فكرة أن تختفي الوظائف بسبب التقنية. ففي بدايات 1860 بدأت الآلة تزيح الوظائف الزراعية، وبدأ الناس في مختلف المجالات يشعرون بالقلق من أن تسلب الآلة وظائفهم، وتناقل الناس الفكرة بشكل كبير تحت مسمى “Labor-saving machines”. ورغم أن الآلة آنذاك سلبت عددًا كبيرًا من الوظائف، فإن الناس وجدوا بدائل لتلك الوظائف التي خسروها للآلة ونسوا خوفهم منها. ثم وصلت البطالة في أميركا لمستويات كبيرة وغير مسبوقة في فترة الكساد الكبير (24.9٪ في عام 1933)، فارتاع الناس واتهموا الآلة بأنها سبب الكساد العظيم الذي أضنى كل بيت في الولايات المتحدة الأميركية. حتى أن ألبرت أينشتاين ذكر في كتاباته عام 1933 أن سبب الكساد كان سلب الآلة للوظائف من الإنسان، مما زاد البطالة وأضعف قوته الشرائية، أما اليوم فلا يوجد اقتصادي يعتقد أن الآلة كانت السبب في الكساد الكبير. ولأول مرة بدأ الناس آنذاك يُطلقون على الآلة “الرجل الآلي” وأخذ الخوف من التقنية مُسمى “البطالة التقنية”، وبعد أن تعايش الناس مع الآلة وذهب خوفهم منها ظهر ما يعرف بـ”الأتمتة/العقل الميكانيكي” (Automation) حيث تتحكم الآلة بمجموعة من الآلات، وعاد معها خوف الإنسان من التقنية.

يقول شيلر إن القصص لا تحتاج إلى أن تكون حقيقية أو حتى منطقية  لتُشكل آراء وسلوك البشر، المهم فقط أن تنتشر. ويمكن للقصص أن تنتشر بشتى الطرق، مثل أخبار الصحف، وأفلام السينما والأدب الروائي، والخطب الدينية والسياسية وغيرها.

الخوف من التقنية في الأفلام 

يذكر أحد علماء الجريمة أنه -عندما يدخل للسجون- كان يبدأ بسؤال بعض المساجين: “ما فلسفتك في الحياة؟” فلا يجد إجابة واضحة، ثم يعيد صياغة السؤال: “ما سبب وجود ذاك المسجون هنا؟” فيجد في القصة التي يرويها له المسجون إجابة شافية فيها مبادئ ذلك السجين ونظرته للحياة. لذا فإن القصص التي نتناقلها تحكي الكثير عنا كما يقول الاقتصادي ووزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس.

وصف ليو تولستوي الفن الجيد مرةً بأنه نوع من العدوى، أي أن الفن الجيد هو الذي يتمكن فيه الفنان من نقل حالته الشعورية عند إنتاجه لفنه إلى من يستعرض فنه. وبالنظر للأدب والسينما منذ الثورة الصناعية التي أوجدت الآلة، يمكننا أن نرى فيهما انعكاس خوف الإنسان من الآلة بشكل واضح، على سبيل المثال قصة الأطفال “The Magic Porridge Pot” للأخوان گريم وقصة “صبي الساحر” ليوهان گوته ، وفي فلمي “Blade Runner” و”The Terminator”.

صورة بواسطة Mike Navolta

من بين الكثير من الأعمال الأدبية والسينمائية التي تعكس خوف الإنسان من الآلة، يعتقد الاقتصادي فاروفاكيس أن فلم “المصفوفة” كان استثنائيًا في إظهار خوف الإنسان من الآلة لأنه تجاوز فكرة أن تسيطر الآلة علينا إلى أبعد من ذلك: أن تستعبدنا الآلة!

يُصور الفلم أن الآلة لم تكن قادرة على الاستغناء عن الإنسان بعد أن سيطرت على الكرة الأرضية، حيث استهلك الإنسان بسلوكه غير المسؤول جميع مصادر الطاقة مُسببًا تلوثًا كبيرًا نتج عنه سحابة سوداء كبيرة تحول بين الأرض والشمس وتعطل الاستفادة حتى من الطاقة الشمسية، فلم يتبقَّ للآلات مصدر طاقة إلا الحرارة التي تصدر من أجسادنا نحن البشر من خلال عملية التمثيل الغذائي. وحبست الآلات البشر داخل كبسولات شبيهة بالبيوت الخضراء التي صنعها الإنسان، فكما توفر تلك البيوت الخضراء الظروف البيئية المناسبة للنباتات، توفر هذه الكبسولات الظروف البيئية والتغذية التي يحتاجها الإنسان وتخزن الطاقة/الحرارة التي ينتجها جسمه.

يستبعد فاروفاكيس حصول السيناريوهات المرعبة التي تكلمت عنها الأفلام والروايات، لأن الإنسان يتميز عن الآلات بقدرته على الابتكار والتصميم

رغم ما توفره الكبسولات للإنسان المحبوس داخلها من تغذية وظروف فيزيائية مثالية (درجة حرارة وغيره)، فقد لاحظت الآلات أن البشر كانوا يعيشون عمرًا أقصر وينتجون طاقة أقل. وكان تفسير ضعف كفاءة الإنسان في إنتاج الطاقة أنه كائن اجتماعي يصعب عليه الحبس والعيش بلا أمل وحرية. وسعيًا لكفاءة أعلى، طورت الآلات جهازًا تصله بدماغ الإنسان يجعله يعيش في عالم افتراضي يجد فيه ما يحتاج من حياة اجتماعية وأمل وحرية دون أن يُدرك أنه حبيس كبسولة وعالم افتراضي. ويذهب الفلم لأبعد من ذلك ويقول بأننا (المشاهدون) نعيش في العالم الافتراضي الذي صنعته لنا الآلات غير مدركين أننا بتنا عبيدًا للآلات التي صنعناها لراحتنا.

يستبعد فاروفاكيس حصول السيناريوهات المرعبة التي تكلمت عنها الأفلام والروايات، لأن الإنسان يتميز عن الآلات بقدرته على الابتكار والتصميم. على سبيل المثال: عندما تشتري جهاز آيفون فإن أقل من ربع قيمته يذهب ثمنًا لتكاليف الإنتاج الميكانيكية لمصانع في الصين، بينما يذهب باقي ما تدفع لشركة أبل لحقوق ملكية الاختراع والتصميم (العمل الذي لم تستطع الآلة القيام به وحدها بعد).

رغم أن فاروفاكيس يستبعد حصول سيناريوهات الأفلام المرعبة، فإنه يعتقد أن هناك سيناريوهين محتملين، أحدهما مُتشائم والآخر متفائل. أيهما سيتحقق؟ 

الأول: دمار المجتمع بالطريقة التي حذر منها كارل ماكس، ولفهم هذا السيناريو لابد أن نفهم أولًا كيف ظهرت الآلة. 

كيف ظهرت الآلة؟

ظهرت التقنية (الآلة) في المجتمعات الرأسمالية، ولم يكن الدافع الأساسي لظهورها راحة الإنسان كما يعتقد الكثيرون، بل كان الجميع يسعون لتضخيم وتعظيم أرباحهم. وكانت التقنية المساعد والحل الأمثل لخفض تكاليف الإنتاج ومن ثم زيادة الأرباح. لذا عمدت الشركات في البداية لتبني التقنية لتُضاعف أرباحها، ثم اضطرت لتبني التقنية لتكون قادرة على المنافسة والبقاء في السوق. وهكذا أصبح الجميع مجبرين على الحصول على التقنية بأي سعر، وأصبح الاقتراض أساس الاستثمار لرواد الأعمال في المجتمعات الرأسمالية.

صورة من Skitterphoto

ورغم أن ظهور الآلة سرَّع النمو الاقتصادي بشكل كبير، فإن كارل ماركس يرى أن النمو الاقتصادي لن يستمر وسيدمر المجتمعات، والسبب -في رأيه- يتلخص في ثلاثة عوامل لتأثير الآلة على الاقتصاد:

  1. تُخفض الآلة تكاليف الإنتاج وينتج عن ذلك ارتفاع هامش الأرباح.
  2. تُجبر المنافسة بين الشركات الأسعار على الانخفاض وتمنع المبالغة بالأسعار فتنخفض الأرباح، ثم تظهر تقنيةٌ أحدث تُخفض تكاليف الإنتاج وترفع هامش الأرباح مرة أخرى. وما إن يصل المتنافسون إلى التقنية الجديدة حتى تنخفض الأسعار مرة أخرى.
  3. تختلف الآلة عن الإنسان في أنها لا تستهلك (تشتري) أيًّا من المنتجات التي تساعد في صنعها عندما تحل مكان الإنسان، مما يسبب ضعفًا في الطلب ينتج عنه انخفاض الأسعار.

تؤدي العوامل السابقة إلى انخفاض الأسعار بشكل سريع وكبير، فتصل الأسعار إلى مستويات متدنية جدًّا بحيث لا تغطي تكاليف الإنتاج أو قروض اضطر رواد الأعمال الصغار لأخذها للحصول على أحدث التقنيات. وعندها سيعجز رواد الأعمال الصغار عن:

  1. المنافسة فيضطر المستثمرون الصغار للخروج من المنافسة مما يُضعف ويقلل المنافسة العادلة، وبذلك ترتفع الأسعار وتزداد الشركات الكبرى والجشِعة قوةً وثراءً، ويُصبح الناس تحت رحمة هذه الشركات التي باتت تهدد الديمقراطية وتُسخر مواردها أحيانًا للتدخل في صنع قرارات الدولة على حساب العامة. 
  2. سداد القروض فتنهار البنوك وتحصل معها الأزمات الاقتصادية، فتزداد البطالة ويُجبَر الإنسان على القبول بأدنى الأجور لينافس الآلة مرة أخرى. لكنه -هذه المرة- يعمل في وظائف ذات مهارات متدنية، فيُجبر الإنسان على المهن البدنية البدائية ويصبح كالآلة لا يحتاج إلى أن يتطور في مهاراته وفكره. ولكم أن تتخيلوا مجتمعات تدفع الإنسان مجبورًا إلى مهن لا تنمي فكره ومهاراته فيصبح حبيس جهله وعبدًا للشركات الكبيرة.  

أما السيناريو الثاني فيتمثل في أن يستغل الإنسان التقنية لحل مشكلة نُدرة الموارد البشرية التي يُحاول علم الاقتصاد حلها، ويصبح كل شيء مُتوفرًا وبلا مقابل، فيتخلى الإنسان عن جشعه وجمعه للمال ويتفرغ لاستكشاف الفضاء أو ربما لنقاشات أرسطو وسقراط الفلسفية بينما تخدمه الآلات. 

خوف اليوم

يقول شيلر في كتابه إن الإنسان تخوَّف من التنقية أكثر من مرة، وفي كل مرة كان يتجاوز خوفه منها. استطاع الإنسان أن يستحدث وظائف جديدة تُعوض الوظائف التي سلبتها التقنية، واليوم يعود خوف الإنسان مرة أخرى من التقنية برواية (طفرة) جديدة تُسمى الذكاء الاصطناعي كما يظهر في الرسم البياني:

تبين الصورة شدة انتشار كل رواية (طفرة) من روايات الخوف من التقنية ويُرى فيها تزامن بعضها مع الأزمات الاقتصادية 

بلغ حديث الناس عن الذكاء الاصطناعي أوجّه اليوم، فعلى سبيل المثال صرنا نسمع اليوم ونتناقل فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيُوجِد قريبًا جدًا سيارات ذاتية القيادة يتوقع العالم معها أن تختفي وظيفة السائق التي يعمل بها ملايين البشر حول العالم. واضطرت بعض الدول لحظر شركة أوبر نتيجة مظاهرات كبيرة لسائقي سيارات الأجرة التقليدية اعتراضًا على المنافسة الشديدة التي ألحقت بهم بعض الخسائر، فكيف ستكون ردة فعل هؤلاء السائقين حينها وكيف سيتعامل العالم مع موجة البطالة الحادة؟

قد يستطيع الإنسان أن يستحدث وظائف جديدة عِوضًا عن التي سيسرقها أو سيُخفيها الذكاء الاصطناعي، لكن يبقى السؤال الأهم: هل سيستطيع الإنسان أن يُوجِد -وبسرعة كافية- العدد نفسه من الوظائف التي ستختفي؟ 

قد تكون التقنية مُخيفة للمجتمعات الصناعية أكثر من غيرها من المجتمعات، فممّ يخاف عالمنا العربي؟ ربما يخاف الإنسان من الإنسان أكثر من خوفه من الآلة في بعض دول العالم العربي، لأن عالمنا العربي ينقسم بين دول ليس فيها وظائف صناعية يُخشى عليها من الآلة ودول أفقر من أن تكون قادرة على شراء التقنية الحديثة. فمتى نستطيع أن نواكب الدول الصناعية بصناعات تجعلنا نجرب إحساس الخوف من التقنية؟

صورة الغلاف بواسطة Peter Lawrence


هذه المقالة ضمن ملف ثمانية X كورونا

نعيش اليوم كارثة إنسانية مع ظهور فيروس كورونا (كوفيد-19). وهنا محتوى يوثّق هذه الأزمة. لكن بروحٍ عربية، وسعودية.
24
كتبت جوليا ويك في صحيفة لوس أنجلوس تايمز عن تجربتها...
23
إن الطبيعة لم تخدعنا، بل إنها تكرر نفسها حد الملل....
22
كثيرًا ما نسمع عن التصميم؛ تصميم البرامج، والأزياء، والعمارة، والمواقع...
النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×