التمدد العسكري لتركيا أردوغان وحرب الرهانات الخاسرة

قبل سنوات قليلة، لم تملك تركيا أيّ قواعد عسكرية خارج حدودها عدا تواجدها العسكري منذ عام 1974 شمال قبرص بحجة حماية الأقلية التركية. ولكن في الأعوام القليلة الماضية، صار جليًّا انفتاح شهية تركيا أردوغان بشكل غير مسبوق للتدخل في العديد من الأزمات ومناطق الصراع، والتمدد عسكريًا في عدة أقاليم متاخمة وغير متاخمة لحدودها.

كما بات من الواضح استخدامها وبشكل متزايدٍ لورقة دعم الجماعات والميليشيات المسلّحة المتطرفة، وهي ورقة لطالما لعبتها إيران –الدولة الأولى الراعية للإرهاب في الشرق الأوسط– بل وتدويرها لهم في تحدّ صريح لسيادة الدول ومد نفوذها وتنفيذ سياساتها في مناطق الصراع المختلفة بدءًا من سوريا ومرورًا بليبيا إلى أن وصلت أخيرًا إلى أذربيجان. ولكن، ما الذي حفّز تركيا لاتخاذ هذا المسار؟ 

التمدد العسكري التركي 

خلال المجاعة التي شهدتها الصومال في العام 2011، بدأت تركيا في التدخل الإنساني وتقديم الدعم والمساعدات تحت مظلة وكالة التنمية والتعاون الدولي التركية، حتى أصبحت رابع أكبر مانح للمساعدات عالميًا عام 2012.

كان ذلك تجسيدًا لمفهوم «الدبلوماسية الإنسانية» الاستراتيجي الذي طرحه وزير خارجيتها الأسبق أحمد داود أوغلو. وكما هو الحال في غالب الأحوال ومع العديد من الدول، يندر أن تكون التدخلات والمساعدات ذات دوافع إنسانية بحتة مجردة من المصالح الذاتية.

إذ حملت المبادرات والتواجد التركي في الصومال أهدافًا اقتصادية وجيوسياسية لا تخفى على المراقب، منها إيجاد سوق للبضائع والأعمال التركية وتسهيل الوصول للموارد الطبيعية الصومالية غير المستغلة والتموضع الاستراتيجي في القرن الإفريقي والوصول لأسواق أكبر في تلك المنطقة؛ بالإضافة إلى تعزيز النفوذ العسكري في القارة عبر بوابة الصومال.

واتضح ذلك جليًا حين افتتحت تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها بالقرب من مقديشو في العام 2017. كما افتتحت في أواخر العام 2015 قاعدة حامية عسكرية في قطر، وعُزّزت عسكريًا بشكل متسارع في أعقاب المقاطعة الخليجية المصرية للدوحة في عام 2017.

أما في العراق، فتنتشر العديد من القواعد العسكرية التركية في إقليم كردستان-العراق. وانتهكت بشكل متزايد السيادة العراقية بحجة محاربة الإرهاب وحزب العمال الكردستاني، على الرغم من استهداف غاراتها الجوية مؤخرًا مناطق ذات أقليّة مسيحية ويزيدية كذلك.

وفي سوريا، احتفظت تركيا بالعديد من القواعد العسكرية في العمق السوري وبالقرب من مناطقها الحدودية، والهدف الأساس منها هو مواجهة الأكراد.

أردوغان ودعم الفصائل المسلحة

لطالما دعمت تركيا العديد من الفصائل المسلحة والمعارضة في سوريا منذ اندلاع ثورتها. إلا أنها جمعت عام 2017 مجموعة من هذه الفصائل التي تدعمها تحت «الجيش الوطني السوري». كما ضمت تلك المتواجدة في إدلب تحت «جبهة التحرير الوطني»، لتضم الإثنين معًا قبيل اجتياحها عسكريًا لشمال شرق سوريا أوائل 2018، في عملية أسمتها «نبع السلام».

هدفت العملية لمواجهة التواجد الكردي على حدودها السورية والمتمثل في «قوات سوريا الديمقراطية» ذات القيادة والأغلبية الكردية والمدعومة أميركيًا، والتي كان لها -بالتعاون مع قوات التحالف- دور هام في مجابهة داعش شمال سوريا.

أما في ليبيا، قدمت  تركيا الدعم والمساعدات العسكرية لحكومة الوفاق الوطني، والتي أملت أن تجد فيها فرصة سانحة لكسر عزلتها الدبلوماسية والاقتصادية وتوسيع نفوذها في جنوب وشرق المتوسط.

فبعد مذكرة التفاهم بين أردوغان وحكومة الوفاق بقيادة فايز السرّاج حول التعاون الأمني والعسكري وترسيم الحدود البحرية في نوفمبر 2019، والتي كانت ولا تزال مثار جدل واستياء شعبي ليبي وعربي وأوربي واسع؛ وافق البرلمان التركي على طلب أردوغان إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا.

كما أرسل مسلّحين سوريّين تابعين للفصائل الموالية والمدعومة من تركيا إلى ليبيا في عملية إعادة تدوير لما يسمى بـ«المقاتلين الأجانب»، ذاكرًا في إحدى خطاباته أن «ليبيا إرث للعثمانيين». 

كذلك الحال في الصراع الدائر حاليًا في منطقة القوقاز بين أرمينيا وأذربيجان. حيث تسعى تركيا لتعزيز نفوذها السياسي وحماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة في مجابهة النفوذ الروسي من جهة والإيراني من جهة أخرى من خلال دعمها لأذربيجان. إلا أننا نلتمس هنا وجود إرث تاريخي عثماني قديم.

وإلى جانب تقديمها الدعم العسكري والجوي والاستخباراتي، تؤكد العديد من المصادر نقل تركيا مجموعات من المقاتلين السوريين للقتال نيابة عنها إلى جانب أذربيجان في الصراع الدائر هناك مقابل مبالغ مادية شهرية. وبالإضافة لكل ما ذكر، فإن لتركيا تواجدًا عسكريًا في كل من أفغانستان والبلقان وبحر إيجه وشرق البحر المتوسط. 

تدهور العلاقات التركية 

كان للتمدّد العسكري التركي تحت سلطة أردوغان في السنوات الخمس الأخيرة مسبباته في حسابات الاستراتيجية التركية.

إذ دعا وزير الخارجية ورئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو في كتابه «العمق الاستراتيجي»، والذي صدرت ترجمته العربية عام 2010، إلى التخلّي عن الانكفائية التي صاحبت السياسة الخارجية التركية منذ انهيار الدولة العثمانية وحتى انتهاء الحرب الباردة، والعمل على إعادة النفوذ والتأثير التركي في مناطق وأقاليم النفوذ العثماني السابق في البلقان والشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى.

ولكنه دعا في ذات الوقت إلى مبدأ تصفير المشكلات مع دول الجوار. وذكر في كتابه «عند مقارنة وضع تركيا الآن بما كانت عليه قبل أربعة أو خمسة أعوام سنجد أن علاقاتها مع كافة الدول المجاورة باتت وطيدة.» 

بالإمكان اليوم عكس مقولة أوغلو السابقة وانطباقها تمامًا. فعند مقارنة وضع تركيا الآن بما كانت عليه قبل أربعة أو خمسة أعوام سنجد أن علاقاتها مع كافة دول الجوار باتت قلقة ومتوترة.

وقد يستجلب تفضيل أردوغان للقوة الصلبة في تعاملاته مع مشكلات المنطقة مؤخرًا مكاسب سريعة على المدى القصير في بعض الأحيان. ولكن السؤال المهم يتعلق بمدى استدامة هذه المكاسب المتحققة على المدّين المتوسط والطويل، ومدى عواقب ذلك على علاقات تركيا الخارجية؛ والأهم من ذلك، أمن واستقرار المنطقة والإقليم.

حيث أدى التوغل العسكري في سوريا، بالإضافة لصفقة الصواريخ الروسية، إلى تدهور علاقات تركيا مع الولايات المتحدة الأميركية. وأسفر تدخلها العسكري في ليبيا ونزاعات التنقيب عن الغاز والحدود البحرية في شرق المتوسط مع قبرص واليونان عن تدهور علاقاتها مع الاتحاد الأوربي.

وينذر تدخل أردوغان العسكري وتأجيجه للنزاع الحالي بين أذربيجان وأرمينيا بتدهور علاقاته بشكل أكبر مع روسيا التي تناصر الأطراف المناهضة لتلك التي تدعمها تركيا في كل من سوريا وليبيا، بالإضافة للنزاع الأذربيجاني-الأرميني الحالي.

أدّى كل ذلك وغيره من المواقف والرهانات الجيوستراتيجية الخاسرة خلال العقد الأخير لتدهور علاقاته مع معظم الدول العربية، وبالأخص المحوريّة منها كالسعودية ومصر والإمارات؛ حتى أصبحت في أسوأ حالاتها منذ استلامه للسلطة.

تحول السياسة التركية

يعتمد النموذج الأردوغاني بشكله الحالي وانتهازيته الفجة على مفهومين: القومية الوطنية المتطرّفة والأممية الإسلامية.

ونفهم من هنا تحالفه الأيديولوجي ودعمه لجماعات الإسلام السياسي عبر الوطنية وفصائلها المتطرفة، وفي مقدّمتها جماعة الإخوان المسلمين، وتحالفه السياسي منذ أكثر من عامين مع «حزب الحركة القومية» (MHP) ذي المواقف اليمينية المتشددة المؤيدة للقومية التركية.

كثرت العلامات والحوادث الفارقة خلال حكم أردوغان منذ أن وصل حزبه إلى السلطة عام 2003. وساهمت في تبنّيه خياراته الحالية في سياسته الخارجية، من ذلك اتجاهه المتزايد نحو تعزيز مشاعر الأممية الإسلامية واللعب على وتر إرث الخلافة العثمانية في أعقاب فشل انضمامه للاتحاد الأوربي.

إلا أن التحوّل الكبير أتى في أعقاب حادثتين رئيسيتين: الثورات العربية عام 2011 ومحاولة الانقلاب عليه عام 2016. 

تمدد النفوذ التركي 

مثّلت أحداث الربيع العربي فرصة تاريخية في حسابات أردوغان وحزبه لإعادة التأثير والنفوذ التركي بما يليق بماضيها السلطاني وموقعها الجيوستراتيجي. وقد ساعدها في ذلك أنها أتت في وقت حقق فيه حزب العدالة والتنمية التركي نجاحات اقتصادية مهمة، وبنى علاقات إيجابية مع عدد من القوى الرسمية وأخرى مؤثرة في الأوساط غير الرسمية في المحيط العربي.

ومن هناك، ضُرب المثل بنموذج العدالة والتنمية في تركيا أثناء الثورات العربية كنموذج ناجح يحتذى به في أوساط الإسلاميين الطامحين للسلطة، بل وحتى في بعض الدوائر الغربية المراقبة والداعمة لما كان يجري من أحداث.

فأظهر أردوغان وحكومته رغبة قوية في استغلال الأحداث لصالح زيادة النفوذ والتأثير في العالم العربي، ليلعب دورًا نشطًا ومحوريًا في تأييدها ومناصرتها تحت شعار دعم الديمقراطية والرغبة الشعبية.

وقد ظهر جليًا منذ الأسابيع الأولى في كثيرٍ من الدول التي خرج فيها المتظاهرون إلى الشارع أن جماعات الإسلام السياسي، وبالأخص الإخوان المسلمين، كانت أكثر الجماعات المعارضة تنظيمًا، ليكبر رهان أردوغان على وصول هذه الجماعات للسلطة. 

بدا لأردوغان في السنتين الأولى من عمر الثورات أن رهانه سيكون رابحًا، وأنه سيجني ثمار تدخله وحضوره الاستباقي والنشط في العديد من مسارح الثورات، خصوصًا في مصر وسوريا. إلا أن ما حدث بعد ذلك أتى صادمًا وغير متوقع.

ففي مصر، بعد عزل حكومة الإخوان والرئيس محمد مرسي عن السلطة في 2013، تحول أردوغان بين ليلة وضحاها من صديق لمصر إلى عدو لها. وجعل تركيا ملاذًا للهاربين والمتطرفين من فلول الإخوان ومنصةً ينطلقون منها للهجوم على مصر وغيرها من دول المنطقة، بحسب ما يتوافق بالطبع مع سياسات «الباب العالي».

ولم يكتف أردوغان بجعل بلده مضافًا ومستقرًا لفلول الإخوان المصريين فقط، بل لمجموعة من المتطرفين الذين لا يمانعون في امتداح السلطان ومعارضة خصومه، من أمثال التكفيري حاكم المطيري. 

تغيير مسار الثورة السورية 

وفي سوريا، وقفت العديد من الدول العربية والأجنبية مع ثورة الشعب السوري في بداياتها ضد إجرام ووحشية النظام. وتشكّلت غرفة عمليات مشتركة في أنقرة لتنسيق ذلك. ولكن تركيا بالإضافة إلى قطر، دعمت حتى في السنوات الأولى من الثورة، جماعات معينة متطرفة دون تنسيق مع أجهزة الدول الأخرى المشاركة، طمعًا في وصول فصائلهم المدعومة للسلطة.

وقد كشف ذلك رئيس الاستخبارات السعودي السابق، الأمير بندر بن سلطان، في مقابلته مع اندبندنت عربية. حيث قال:

«قطر وتركيا كانتا تريدان دعم فصائل معينة وتحديدًا المتطرفين الإسلاميين، في اعتقاد منهم أن جماعة الإخوان المسلمين ستحكم سوريا بعد سقوط الأسد…وقد واجهنا الموجودين في غرفة التنسيق في أنقرة بهذا الشيء، وفي كل اجتماع نحذر أن هناك دعم يذهب لفصائل متطرفة، وحذرنا مرارًا وتكرارًا. وكان هناك ممثلون من كذا دولة غربية ومنها الولايات المتحدة في جميع الاجتماعات، وأتحدى أن ينكر مكاشفتنا لهم أحد…لاحظنا وتأكدنا من وجود تهريب أسلحة، وأخلينا مسؤوليتنا بسحب ضباطنا من غرفة أنقرة، وتركنا قطر وتركيا يمولان المتطرفين.»

شكّل التردد الأميركي عام 2013، ومن ثم التدخل الروسي عام 2014 مراحل مفصلية غيّرت من مسار الثورة لصالح النظام السوري. إلا أن الدعم التركي للفصائل المتطرفة في سوريا، وغضّها الطرف عن الهجرة الدولية إليها عبر الحدود التركية، بالإضافة لقمع وجرائم النظام السوري الوحشية، ساهمت بشكل كبير في انحراف مسار الثورة وتطرفها التدريجي.

أرض المعارك الخاسرة

هنا أيضًا، وبعد قرابة عقد من الدعم، خسر أردوغان رهانه. وبدلاً من التراجع  والتفكّر في جدوى المسار، تورّط في عملية عسكرية، متحالفًا مع مجموعة من الفصائل المتطرفة، لا لاستهداف قوات النظام أو حتى داعش، وإنما لاستهداف القوات الكردية التي كان لها دور كبير، بدعم من التحالف الدولي، في محاربة داعش.

في أكتوبر من العام الماضي، ذكر المبعوث الأميركي الخاص للتحالف الدولي لمحاربة داعش سابقًا، بريت ماكغورك، في مناظرة تلفزيونية: 

«أتى أربعون ألفًا من المقاتلين الإرهابيين الأجانب من مائة وعشر دولة حول العالم إلى سوريا للقتال في تلك الحرب، قدموا جميعهم عبر تركيا. (الخلافة) كانت على الحدود السورية-التركية. [ويكمل] عملنا مع تركيا، و تواجدت في تركيا أكثر من أي بلد آخر، لإقناعهم بإغلاق حدودهم، ولكنهم لم يفعلوا. كانوا يقولون بأنهم لا يستطيعون، ولكن الحدود أغلقت في اللحظة التي استولى فيها الأكراد على أجزاء من الحدود.»

وعلى الرغم من كل ذلك، نشاهد أردوغان الآن يقتات على مآسي السوريين بزجّهم كمرتزقة في معاركه الخاسرة الأخرى خارج أوطانهم في كل من ليبيا وأذربيجان، مستغلاً حاجتهم وأوضاعهم.

راهن أردوغان على جماعات «الإسلام السياسي» مع اندلاع ثورات الربيع العربي، وشاهد أحلامه خلال السنوات الماضية تتلاشى في ليبيا وسوريا ومصر وحتى السودان؛ حيث يبدو أن الإطاحة بالرئيس عمر البشير شكلت نهاية لاتفاقهما حول جزيرة سواكن السودانية عام 2017.

لم تقتصر خسارة حصان طروادة أردوغان للنفوذ والسيطرة -جماعة الإخوان المسلمين وأذرعها- على البلدان التي قامت فيها الثورات، بل شمل العديد من الدول العربية والأجنبية التي نشطت  فيها في العقد السابق بشكل أكثر حرية وأريحية، بدءًا بالسعودية؛ إذ ضُمت الجماعة لقوائم الإرهاب في العام 2014، وانتهاءً بالعديد من الدول الغربية التي تزايد النقاش في دوائرها الرسمية وغير الرسمية حول طبيعة الجماعة ومدى خطورة أيديولوجيتها على السلم المجتمعي في تلك البلدان.

على الرغم من ذلك، لا يزال أردوغان مصرًا على اللعب بيد خاسرة، وهو ما سيكون له ثمن بلا شك. 

سلطة الرجل الواحد

أما الحادثة الثانية فهي محاولة الانقلاب الفاشلة ضد أردوغان في العام 2016 -سواء كان على علم بها وسمح بحدوثها كما تشير بعض التقارير أم لا- حيث استغلّ أردوغان هذه الحادثة بشكل كامل لتأسيس سلطة الرجل الواحد والحكم المطلق في تركيا وقمع المعارضة حتى باتت تركيا البلد الأكثر سجنًا للصحفيين في العالم، بحسب لجنة حماية الصحفيين.

حتى حلفاء أردوغان السابقون، وفي مقدمتهم أحمد داود أوغلو، العقل الاستراتيجي خلف السياسة التركية الخارجية ما بعد الحرب الباردة، والذي كان يولي أهمية وأولوية قصوى للدبلوماسية والقوة الناعمة في سبيل تحقيق الأهداف الاستراتيجية التركية، بدأوا في النأي عنه وعن سياساته الإقصائية وطموحاته التوسعية.

وعلى خلفية خلافاته الحادة مع أردوغان حول ميله المتزايد للسياسات الاستبدادية داخليًا والمجازفات الإقليمية خارجيًا وإدارته السيئة للاقتصاد، استقال أوغلو من رئاسة الوزراء في مايو 2016، ثم أتبع ذلك باستقالته من حزب العدالة والتنمية في سبتمبر 2019، وتأسيسه «حزب المستقبل».

أردوغان وأمننة السياسة الخارجية

يعد النموذج الذي يسير عليه أردوغان من أكثر النماذج خطورة على الأمن الإقليمي، وثمنه السياسي والاقتصادي والذي أخذ في التجلّي بشكل واضح وكبير. فبالإمكان اليوم الحديث عن عملية «أمننة» السياسة الخارجية التركية تحت أردوغان، وهو المفهوم الذي طورته مدرسة كوبنهاجن للدراسات الأمنية.

ومن خلاله تُحوّل القضايا والمواضيع من سياسية أو غير ذلك إلى قضايا تهدد الأمن الوطني، وتؤدي إلى شرعنة استخدام تدابير استثنائية لحلها. نجد ذلك جليًا في تعامل أردوغان مع المسألة الكردية مثلًا، أو غيرها من المسائل كالحرب الأهلية السورية وجماعة گولن والقضية الليبية والنزاع الأذربيجاني-الأرميني.

وستستمر سياسات التدخّل العسكري والتوسّع الأردوغانية في مراكمة التوترات بسياسات تركيا الخارجية، دون إظهار أي رغبة أو قدرة في حلها؛ مما سيؤثر بدوره على استقرار المنطقة ككل، وأمن تركيا الاقتصادي بالتحديد.

رهانات أردوغان الخاسرة

يعيش الاقتصاد التركي اليوم انكماشًا تاريخيًا، فالليرة التركية تنزف في هبوط مدوٍ غير مسبوق، ساهمت فيه كل من أزمة جائحة كورونا وسياسات أردوغان الاقتصادية ومجازفاته التوسعية التي أدخلته في مشاكل وخطر عزلة اقتصادية مع العديد من الدول العربية والغربية.

وارتفعت مطالبات في الولايات المتحدة الأميركية بفرض عقوبات على أنقرة، على خلفية منظومة الدفاع الجوي الروسية (S-400) التي اشترتها الأخيرة. ولوّح الاتحاد الأوربي بفرض عقوبات على خلفية العدوانية التركية وتصاعد التوترات في شرق البحر المتوسط.

وتضررت العلاقات التجارية بين تركيا وعدد من الدول العربية، في مقدمتها السعودية، بسبب نزعات أردوغان التوسعية وتصريحاته الشعبوية.

في خطابه أمام البرلمان التركي مطلع أكتوبر الحالي، ظهر الرئيس أردوغان متشنجًا بخطاب عدواني صريح ضد الدول الخليجية التي وقفت ضد مشاريعه ومغامراته التوسعية والعدوانية في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، وتبجّج بأنه سيواصل «رفع راياته في المنطقة».

إن إصرار أردوغان العجيب على المضي في النهج الخاطئ والرهانات الخاسرة سيكون بلا شك على حساب اقتصاد دولته وتأثيرها السياسي. إلا أن أمن المنطقة مع الأسف سيعاني من تبعات صعبة. أما العنتريات والشعارات الشعبوية الفارغة، والتي تخصص أردوغان في إطلاقها بين حين وآخر، عدا أنها لا تبني اقتصادًا ولا تسهم في استقرار وطن، لم تعد تنطلي إلا على قلّة من المؤدلجين البسطاء.

وإلا فكيف يمكن لذي عقل أن يصدّق أو يحترم من استشاط غضبًا لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وإسرائيل، وبلغ به حد التهديد بسحب سفيره من أبو ظبي، وجاره السفير الإسرائيلي في أنقره ينام قرير العين، وسفيره التركي قابعٌ في تل أبيب.

أما الدول الخليجية التي يعنيها أردوغان، فلم تعتد على التصريحات الجوفاء. وتوثر العمل بصمت وبرؤية طموحة لتحقيق الأمن والاستقرار والرفاه لشعوبها.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×