الوسطية كمشروع دولة في دول الخليج العربية

الوسطية كمشروع دولة في دول الخليج العربية

تبنت بعض دول الخليج العربية في السنوات القليلة الماضية فكرة الوسطية أو «الإسلام الوسطي» كحل للتحديات التي عصفت في المنطقة، وتوفير مناخٍ اجتماعيٍ أكثر تقبلاً للانفتاح، يسهل تحولاتها الاقتصادية والسياسية.

ففي السعودية تحديدًا، أوجد الفراغ الذي خلفته الصحوة مجالًا واسعًا لملئه، فالوسطية وإن ركزت على تصحيح المسار الذي انجرف نحو التطرف أحيانًا، أصبحت أيضًا مشروعًا وطنيًا ومسارًا دبلوماسيًا يرتبط بمؤسسات الدولة وصورتها في الخارج.

لا ينكر المرء وجود العديد من الجهود الفردية من بعض علماء الدين على مر السنين، الذين وإن لم يجعلو فكرة الوسطية محور حديثهم، فقد حاولوا التقريب لمفهوم أكثر اعتدالًا في فهم الدين.

ولكن هذا المقال لن يتطرق لهذه الفئة من العلماء. بل سيسلط الضوء على مفهوم الوسطية الذي ارتبط بمشروع الدولة للتغيير، لفهم هذا الاهتمام الذي نما مؤخرًا، ومدى إسهامه في توحيد صفوف المجتمع مع قيادتها التي عززت هذه الأفكار في محافل مختلفة في الداخل والخارج؛ لدحض العنف والتشدد وتقبل الثقافات والأديان الاخرى وتحول المجتمع إلى مجتمع منفتح على العالم.

مُنظر الفكر الوسطي

ارتبط مشروع الوسطية في منطقة الخليج العربي بالشيخ الموريتاني عبدالله بن بيه الذي عمل لسنوات في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ومن ثم رأس «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي» و «منتدى تعزيز السلم» في الإمارات العربية المتحدة. وقد تكون تربيته وحياته سببًا في اهتمامه الشخصي بهذا التوجه.

إذ ولد الشيخ بن بيه في قرية تمبدغة الموريتانية قرب الحدود المالية، والتي جعلته شاهدًا على نشاط الجماعات الإرهابية عن قرب. واهتم لذلك بمقاربة الفكر الوسطي ومحاولة فهم أسباب العنف والإرهاب في المنطقة.

 ويرى بن بيه بأن التمسك بالماضي يمثل إحدى المعضلات التي تواجه المسلمين، وأن الحركات التي تحرض على العنف «تعبث في هذه الأرض باسم موروث تاريخي». فيتساءل «هل الدين هو السبب؟ هل الصدمة بين الحداثة وما يسمى بالموروث هي السبب؟»

كما يرى بأن عدم القدرة على التعاطي مع الواقع جعل الشعوب العربية في مأزقٍ لا يقتصر فقط على البعد الفكري والديني، فيقول «يعيش الناس هنالك [في منطقة الشرق الأوسط] مشكلة جغرافية…مشكلة الذاكرة التاريخية الحادة، يحاولون إعادة ماضي غير واضح في حاضرٍ يختلف…كل هذا العبء التاريخي الذي نعيده ونخرجه إخراجًا سيئًا هو الذي يجثم على هذه المنطقة».

لذلك فإن مفهوم الوسطية من منظور بن بيه، هو محاولة للوقوف على الواقع وتقديم خطابٍ تجديديٍ يتماشى مع المستجدات السياسية والاجتماعية. فيعتقد مثلًا أن فكرة الأممية تبين مدى الإنفصال عن هذا الواقع، في حين أن النصوص الشرعية تدعو إلى الوطن والمواطنة.

كيف بدأت فكرة الوسطية في دول الخليج العربية؟

مرت التجربة الإماراتية بعدد من المراحل. فبدأت باستقطاب رجال دين ممن يميلون للفكر الوسطي، مرورًا بتأسيس منصات مختلفة من مراكز أبحاث ومؤسسات غير ربحية وفتح المجال لبعض الشخصيات الإعلامية لرسم ملامح هذا التوجه. ولم يقتصر هذا على الخطاب الديني، بل تضمن جوانب أخرى كتقديم البحوث والإستشارات التي وفرتها بعض المؤسسات الفكرية.

وبينما يعتقد البعض أن توجه السعودية نحو الوسطية هو نتاج لأحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من حوادث إرهابية في المملكة العربية السعودية وأرجاء العالم، يبدو أن هذا الخطاب الوسطي سبق هذه الأحداث.

فقد أصدرت جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية كتاب الشيخ بن بيه «خطاب الأمن في الإسلام وثقافة التسامح والوئام» عام 1999، أي قبل سنتين من أحداث 11 سبتمبر والهجمات الإرهابية التي وقعت في المملكة العربية السعودية.

يدل ذلك على أن التوجه كان قائمًا قبل تلك الأحداث، وأنه تنامى مع مرور السنوات ولم يكن وليد اللحظة أو الحادثة.

الإسلام السياسي

شكل عام 2014 منعطفًا هامًا في الخطاب الديني الرسمي، في خضم معترك «الإسلام السياسي» وسقوطه في مصر. فتأسست مراكز وهيئات وقل الإهتمام بأخرى، وصدر أمر ملكي يجرم مشاركة السعوديين في القتال خارج السعودية؛ كما أصدرت وزارة الخارجية السعودية قائمة بالجماعات الإرهابية والتي تضمنت النصرة والإخوان المسلمين وحزب الله السعودي وغيرها.

كما استقال بن بيه من منصبه كنائبٍ لـ«الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين» (والذي يتخذ من قطر مقرًا له تحت رئاسة الشيخ يوسف القرضاوي) في نهاية عام 2013. ليعلن بعد شهور عن تأسيس «منتدى تعزيز السلم» في أبوظبي تحت رعاية الشيخ عبد الله بن زايد وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة.

شيخ الأزهر أحمد الطيب رئيس مجلس حكماء المسلمين / WAM

وفي نفس السنة، تأسس «مجلس حكماء المسلمين» في أبوظبي والذي يهدف أيضًا إلى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة؛ ويعرف نفسه على أنه «أول كيان مؤسسي يهدف إلى توحيد الجهود في لم شمل الأمة الإسلامية وإطفاء الحرائق التي تجتاح جسدها وتهدد القيم الإنسانية ومبادئ الإسلام السمحة وتشيع شرور الطائفية والعنف التي تعصف بالعالم الإسلامي منذ عقود».

وفي عام 2016 نظم منتدى تعزيز السلم مؤتمرًا في المغرب يضم العديد من علماء الدين من مختلف الديانات، تمخض عنه «إعلان مراكش» الذي يهدف لحماية الأقليات الدينية في المجتمعات الإسلامية، مستمدًا مضمونه من «صحيفة المدينة» التي أقرها النبي محمد عليه السلام،  والتي ضمنت حقوق الأقليات الدينية في ذلك الوقت.

الدبلوماسية الدينية

ليس التوجه نحو الدبلوماسية الدينية بجديد في العالم العربي. إذ يعد المغرب من أوائل من اتبع هذا النهج منذ عشرات السنين، خصوصًا عام 2015 حين أنشأ مركزًا تعليميًا لتدريب الأئمة الأجانب في العاصمة الرباط. يعكس هذا التوجه البعد الجيوستراتيجي الذي ساعد المغرب على تحسين صورته الخارجية وتصدير نموذجه الديني إلى العالم القائم على التسامح ونبذ العنف.

كما لا تقتصر الدبلوماسية الدينية على الإسلام، بل تمارس من قبل المنتمين لديانات أخرى كوسيلة للتقريب بين الدبلوماسية والدين لحل النزاعات والخلافات الدينية.

ويرى بعض المهتمين في مجال الدبلوماسية الدينية أنه يصعب على الدول الغربية بمجتمعاتها العلمانية التقارب مع الدول العربية والإسلامية. حيث يحظى الدين بمكانة محورية، لذلك تصبح الدبلوماسية التقليدية غير فاعلة ومؤثرة، إذ لا تأخذ بعين الإعتبار هذا البعد الديني، ولا تستفيد من الثراء التاريخي في المجال الدبلوماسي.

إعادة روح الموصل

اتجهت الإمارات نحو الدبلوماسية الدينية في عدد من مشاريعها الخارجية، فقامت مثلًا في عام 2018 بالمشاركة في إعادة بناء جامع النوري التاريخي في الموصل المعروف بمئذنته الحدباء تحت مظلة مشروع اليونسكو لاعادة روح الموصل.

وكان الجامع شاهدًا للعديد من الأحداث المأساوية في العراق مؤخرًا. حيث خطب فيه أبو بكر البغدادي عام 2014 في أول ظهور له، وتعرض للقصف المتكرر خلال فترة استيلاء داعش على الموصل، ومن ثم تدميره عام 2017 أثناء معركة تحرير الموصل.

كما أعلنت وزيرة الثقافة الإماراتية نورة الكعبي أن الإمارات ستساهم بمبلغ قدره خمسون  مليون دولار لإعادة إعمار الجامع، لأهمية الموصل وكونها ملتقى الثقافات في الشرق الأوسط. كما شملت المساهمة الإمارتية ترميم كنيستي الساعة والطاهرة الكبرى ضمن خطط إعادة البناء، مما يوضح مدى اهتمام الإمارات بالدبلوماسية الدينية في سياستها الخارجية.

بيت العائلة الإبراهيمية

كانت لزيارة البابا فرانسيس لأبوظبي في فبراير 2019 أهمية خاصة، فهي أول زيارة للبابا في منطقة الخليج العربي، والتي ساهمت في فتح المجال للعديد من التغييرات وتدشين مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية» في أبو ظبي والذي  يضم مسجدًا وكنيسة ومعبدًا يهوديًا والمتوقع انتهائه في عام 2022.

الشيخ محمد بن زايد أثناء استقبال البابا فرانسيس / WAM

كما سمي عام 2019 بعام التسامح. وعين الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزيرًا للتسامح. ويعلّق الشيخ محمد بن راشد على هذا التعيين:

«علمتنا السنوات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط (الجديد) بأننا نحتاج أن نتعلم التسامح ونعلمه ونمارسه، أن نرضعه لأطفالنا فكرًا وقيمًا وتعليمًا وسلوكًا، أن نضع له قوانين وسياسات ومنظومة كاملة من البرامج والمبادرات. نعم تعلمنا ذلك من مئات الآلآف من القتلى وملايين النازحين والمنكوبين الذين رأيناهم في آخر خمس سنوات في هذه المنطقة بسبب التعصب والكراهية وعدم التسامح الطائفي والفكري والثقافي والديني»

«بالتي هي أحسن»

اتجهت السعودية في السنوات الماضية إلى تبني الفكر الوسطي. وارتبط اسم الدكتور محمد العيسى بمساعي المملكة العربية السعودية وتوجهها نحو ترسيخ مبدأ «الإسلام المعتدل» في الخارج منذ تعيينه رئيسًا لرابطة العالم الإسلامي في عام 2016.

فشارك العيسى في العديد من المؤتمرات ومراكز الأبحاث في الغرب لإيضاح مساعي السعودية. وفي مطلع هذا العام زار العيسى معسكر «أوشفيتز» في بولندا في الذكرى الخامسة والسبعين للمحرقة اليهودية وتحرير اليهود من المعسكر الألماني.

ومع أن اهتمام العيسى منذ ترأسه رابطة علماء المسلمين تركز على الخارج، إلا أنه اتجه هذا العام للمشاهد العربي من خلال برنامجه «بالتي هي أحسن»، والذي عرض يوميًا خلال شهر رمضان.

تناول فيه العيسى موضوع الوسطية بإسهاب، وخرج عن المألوف في إعادة صياغة بعض الأمور الدينية التي كانت جزءًا من ثقافتنا حتى زمن ليس ببعيد. فقد كان البرنامج خطوة للتقرب للجمهور العربي عامة والسعودي خاصة.

الإعتدال الديني بين الترفيه والتشدد 

تناول برنامج «بالتي هي أحسن» مواضيع كثيرة منها أدب الخلاف وتصدير الفتوى والتسامح والقيم والإسلام السياسي والإسلاموفوبيا والتصنيف والإقصاء. وحاولت جميع الحلقات توصيف المشهد الثقافي الحالي بطريقة تتلائم مع المتغيرات في المملكة العربية السعودية ودعمها من منظور ديني جديد.

كما تناولت آخر حلقات البرنامج موضوع الفرح وتطرقت لجانب الترفيه؛ حيث أوضح العيسى أن «الإسلام يحب أن يكون الناس في أجواء مفعمة بالفرح والسرور وليس الكآبة».

كما خاطب الفئة التي ترفض الفعاليات الترفيهية «نقول لمن ضيق على نفسه إن رغبت في ذلك فهذا يخصك وشأنك، لكن أولاً احترم رأي غيرك، الدين لا ينحصر في رأيك، وفهم الدين لا يقتصر على اجتهادك».

يقول العيسى بأن الاعتدال الديني هو الطريق إلى التدين الصحيح، وفسر التشدد بأنه «التضييق على الناس فيما لهم فيه سعة بالمخالفة بمنهج التيسير الذي أمرت به الشريعة الإسلامية» وأن اتباعهم التشدد الديني يجعلهم «يحتاطون للحرام أكثر من احتياطهم للحلال» بغلوهم في سد باب الذرائع. ويضيف بأن «تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام…لأن الأصل في الأشياء الحل وليس الحرمة».

وفيما يبدو كمحاولة لاستمرار هذا الطرح، عاد العيسى بعد إنتهاء شهر رمضان ببرنامجه الأسبوعي الجديد «في الأفاق» والذي يتناول أيضًا مفهوم الوسطية.

السلام والقضية الفلسطينية بين الإمارات والسعودية 

قد تتشارك المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات في العديد من الرؤى في مفهوم السلم والسلام والإسلام الوسطي، وتتعاون في المؤتمرات الدينية التي تندرج تحت مفهوم السلم كمؤتمر «فقه الطوارئ» الذي عقد مؤخرًا بتنظيم رابطة العالم الإسلامي ومجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، ولكنها قد تختلف في النتائج المرجوة من هذا الطرح وهذا التوجه.

فمثلاً، استطاعت الإمارات من خلال تسليط الضوء على فكرة السلم والتقريب للمفهوم الإبراهيمي ودياناته الإتفاق على «معادلة السلام» بينها وبين دولة إسرائيل هذا الشهر والتي سميت بـ«الاتفاق الإبراهيمي».

أعلام الإمارات وإسرائيل / Getty Images

كما بارك بن بيه هذا الإتفاق في كلمة قال فيها «إن الديانات المنتمية إلى العائلة الإبراهيمية عندما تتصالح وتتصافح فإن من شأن ذلك أن يعزز روح السلام في العالم ويسهل الولوج إلى طريق العدالة والخير ومعالجة المظالم والمظلوميات التاريخية».

في حين صرح وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أن «المملكة ملتزمة بالسلام كخيار استراتيجي استنادًا إلى مبادرات السلام العربية والقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، التي تمكن الشعب الفلسطيني من تأسيس دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية».

وهنا، تختلف السعودية والإمارات في موضوع الدبلوماسية الدينية وتناول الملف الفلسطيني. ففي حين يتفق البلدان في العديد من الملفات الإقليمية والداخلية، تضع السعودية القضية الفلسطينية في موضع خاص نظرًا لتاريخ المملكة مع القضية ومكانتها الدينية في العالم الإسلامي.

الخطاب الوسطي لإصلاح المؤسسات الدينية 

قد تبدو محاولة بعض دول الخليج العربية تبني خطاب الوسطية في الداخل والدبلوماسية الدينية في الخارج ضرورة ملحة، خصوصًا في زمن ما بعد النفط وتوجه دول الخليج لمصادر دخل تعتمد على الاستثمارات والسياحة الأجنبية. ولكن قد يستفيد أيضًا هذا الخطاب الجديد من محاولة جدية لتجديد المؤسسات الدينية لتتماشى مع رؤى الإسلام الوسطي.

ففي استطلاع رأي أجري العام الماضي مستهدفًا شريحة كبيرة من فئة الشباب العربي الذين تتراوح أعمارهم بين 18-24 عاماً، اتفق 66% من المستفتين على أهمية الدين في منطقة الشرق الأوسط في حين أعرب 79% على الحاجة الماسة لإصلاح المؤسسات الدينية.

وهذا يوضح أن الشباب اليوم لا يزالون يرون أن الدين ذو أهمية محورية لهويتهم وحياتهم، كما يرون أيضًا أن الخطاب الديني لا يعبر عن همومهم ولا يتطرق إلى مشكلاتهم، وذلك وبالرغم من انفتاحهم أكثر من غيرهم من الأجيال السابقة.

لا يتطلب هذا تقديم خطاب ديني يتماشى مع المتغيرات فقط، بل يحتاج إلى تحفيز وتشجيع الفكر النقدي، والذي يبدو أن السعودية والإمارات اتفقتا على أهميته عندما اعتُمد العام الماضي إدخال الفلسفة في مناهجما الدراسية. كما لا يزال هناك مجالٌا واسعٌ لتعزيز قيم الوسطية مثل تقبل آراء الآخرين والابتعاد عن الإقصاء والتصنيف وغيرها من القيم التي تحتاجها مجتمعاتنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×