اللايقين وأزمة الوجود ما بعد كورونا

إلى جانب القلق اليومي مثلت الأشهر الماضية قلقًا من نوع مختلف، كان كفيلًا بأن يشعل فينا نار القلق والخوف ويدخلنا في دوامة لا تنتهي من اللايقين والصراع الذاتي. إذ لم يسبق للدول والمجتمعات الحديثة أن واجهت هذا المستوى من الإجراءات الحذرة التي اختلطت بكمٍّ هائلٍ من الأخبار والتصريحات المتضاربة، لتضعنا جميعًا أمام مواجهة مباشرة مع الأسئلة الوجودية التي وقف الإنسان حائرًا في جوابها منذ الأزل، والتي اختلطت بالمعرفة المطلقة والتحكم في الحياة ومساراتها المختلفة. 

الإيمان الكاذب واللايقين 

إنّ القلق من اللايقين الذي خلقته جائحة كورونا نتاج أنظمتنا الحياتيّة المُعاصرة نفسها، والتي تصرّ على إعطاء مسار ذهني واضح ومحدد لحياة الإنسان رغم ادّعائها دعم حريته وفرديته، وهو أمرٌ ليس بجديد. فتاريخيّا كان هذا ديدَن كل الأنظمة، وخاصة تلك التي تتّسم بادّعائها التفرّد والإطلاق.

تلقّنك الأنظمة هويتك ومبادئك وقيمك وما يجب عليك أن تُحقق في حياتك. قد لا يتّفق البعض مع هذا الرأي باعتبار أن الفردانية والتحرّر من القيود الاجتماعية تطغى على عصرنا، وهذا صحيح. ولكنّه لا يعني أن هذا العصر نفسه لا يفرض قيودًا من نوع آخر. إذ أصبح للفردانية نمطٌ خاص ومسارٌ محدّد، ولذلك لا نجد أفرادًا كثيرين مختلفين فيما يفعلونه بحياتهم الخاصة أو ما يريدون أن يحققوه.

لم تعُد الأحلام والأمنيات والمتاعب الفردية فرديةً في الحقيقة، بل صارت جمعيّة ومتشابهة، الآمال والهموم نفسها لكل فرد تقريبًا.يُسمّي سارتر هذه الحالة «بالإيمان الكاذب» (Bad Faith)، وهي حالة من الذوبان في الجموع بإنكار حقيقة القدر الهائل والمخيف من الفرص والخيارات المتوفرة لكل فرد.

عقيدة سارتر

تتمحور فلسفة سارتر الوجودية حول الإنسان بالذات. وقد يجادل البعض بأنها ليست فلسفة بل تيارًا أو حركة اجتماعية.

وفي كل الأحوال، يظلّ شعارها الرئيس الوجود «في معنى وجود الإنسان الذي يسبق الجوهر» مُلخّصا لمُجمل الفلسفة الوجودية منذ بداياتها في القرن التاسع عشر بكيركجارد ونيتشه ودوستويفسكي، فالإنسان في نظر سارتر وُلد من دون أيّ تحديد سابق لهويته أو شخصيّته، وعليه هو وحده أن يختار من يكون وبماذا يؤمن وكيف يتصرّف إزاء حياته.

جان بول سارتر / Le Pictorium Agency

الحياة مليئة بالطرق المفترقة، ولا يوجد ما يحدّد أي طريق هو الصحيح قبل أن يختار الإنسان وبشكل أصيل أي طريق سيسلك. فأي الطرق اختار يكون هو الطريق الصحيح طالما اختاره عن أصالة نفس.

ولكن لا يُمكن للمتأمّل إلا أن يلاحظ -كما لاحظ ألبير كامو- بأنّ فلسفة سارتر تأخذ صورة «عقيدة مقدسة صارمة»، لا تلتزم بأي مبدأ أو غاية متحجّجةً بعدم وجود أيّ معنى سابق لحياة الإنسان.

بتعبير آخر، رغم تأكيد سارتر على حرية الإنسان وتعدّد الطرق أمامه وتحليله المتماسك للايقينيّات الحياة، فإنه يبدو وكأنه يعرض طريقًا محددًا للخلاص، مقتربًا بذلك من الفيلسوف الألماني ذو النزعة النازية هايدگر، والذي بدوره ذهب إلى أن حل جميع معضلات الإنسان الوجودية يكمن في التمسك أو الرجوع إلى ذاته الأصيلة.

فضيلة اللايقين

على النقيض من سارتر، ذهب ألبير كامو إلى أن الإنسان غير قادرٍ على  التخلص من اللايقين في الحياة -كما يظهر ذلك بوضوح في روايته المشهورة «الطاعون». إذ لا يمكن القضاء على الطاعون أو اللايقين وكل ما يمكن عمله هو تقبله كواقع وضرورة.

لم يقصد كامو أن يُسلّم المرء بواقع الحال ولا يفعل شيئًا، بل كما فعل بطل روايته الذي بعد أن سلّم أن الطاعون ليس عقابًا من الإله وبعدم قدرة العلم على التخلص من الفيروس، ظلّ يمارس طريقته العلمية كطبيب في معالجة المرضى، دون أن يستبعد المبادئ الدينية من حياته، مستمرًا في محاولة الفهم ومشجّعًا غيره على التعاون.

رغم عدم إيمانه بوجود معنى سابق لحياة الإنسان، ظلّ بطل كامو مؤمنًا بضرورة العمل وفق مبدأ الكرامة الإنسانية. لقد نظر إلى اللايقين كفضيلة وليس كلعنة.

كارل ياسبرز / Stefan Moses

ياسبرز والذات

نستحضر هنا الفيلسوف الآخر الجدير بالذكر في هذا الصدد، كارل ياسبرز المعاصر لهايدگر، والذي رغم شهرته المحدودة بين الوجوديين، يبقى تحليله للايقين الأكثر جاذبية وواقعية. فبالنسبة لياسبرز، لا توجد ذاتٌ أصيلة يمكن التمسّك بها أو اكتشافها -كما اقترح هايدگر-، فالذات الإنسانية عبارة عن حركة أو مجموعة تجارب مستمرة، تلعب حرية الاختيار دورًا مهمّا في تكوينها.

فالإنسان حرٌّ في نظر ياسبرز لأنه غير قادر على التأكّد من نتائج فعله واختياره، وذلك بسبب الطريقة المُعقدة التي يعمل بها العالَم. فاللايقين ضروريٌ لضمان حرية الإنسان ومسؤوليته، ولا يقع بذلك موضع خوف أو قلق، بل العكس تمامًا.

ينبغي على الإنسان -كما تؤكد سيمون دي بوفوار- أن لا يهرب من اللايقين بل يؤسس علاقة وثيقة معه، علاقة يسائل فيها أجوبة الحياة القديمة ليصل إلى أجوبة جديدة، وهكذا يواصل مسيرة الاستقرار واللااستقرار.

الحياة التي نريد

في يونيو 2019، تحدّث شابٌّ من أصل أرجنتيني يدعى باتريك ماين في «تيدكس» عن تجربته الشخصيّة مع اللايقين وكيف يستعمله كأداة لبناء ذاته. ففي العشرين من عمره، كان باتريك يدرس الاقتصاد في الجامعة، ويعمل في نفس الوقت بوظيفتين مختلفتين ليعود إلى منزله في حوالي الساعة الحادية عشر ليلًا.

وفي إحدى الليالي وبينما هو في طريق عودته أخذه التفكير ليتمنى أن يصل إلى سن الأربعين في أسرع وقت حتى تكون لديه وظيفة مستقرّة يستطيع من خلالها دفع إيجاره وفواتيره بشكل مستقر. وهنا تحديدًا حدثت لحظته التنويرية الخاصة. إذ اندهش من طريقة تفكيره: كيف لشاب مثلي في العشرين من عمره أن يتمنى بلوغ الأربعين؟

باتريك في بيجين / Patrick Mayne

قرر باتريك أن يغيّر حياته، فترك الجامعة واستقال من وظيفتيه وهاجر إلى الدنمارك. وبعد ثلاث سنوات استغل فيها كل الفرص التي توفرت له، كان قد تخرّج بشهادة مرموقة من إحدى الجامعات هناك، وأصبح بطلًا في لعبة الرگبي، وأحاط نفسه بأصدقاء يشبهونه، وأسس مجموعة من المشاريع الصغيرة أهّلته للسفر عبر أوربا لحضور ورش ومؤتمرات.

أخيرًا، حصل باتريك على ما كان يتمناه. ولكنه قرر رغم ذلك ترك كل شيء خلفه والهجرة مرة أخرى. هذه المرة إلى الصين. لم تكن الرحلة عن طريق طائرة، بل رحلة برية على متن  قطارات وعبر مدن مختلفة، أخذت منه شهرًا كاملًا قبل أن يصل إلى بكين. ليطرح أخيرًا على نفسه السؤال: لماذا؟

لماذا تركت كل ذلك الاستقرار؟ ولماذا اخترت السفر عبر القطار؟ لأن اللايقين دائمًا يخلق الفرص التي توصلنا للحياة التي نتلهّف لها. يخرج المجهول دائمًا أعظم ما فينا من قدرات، والقويّ هو من يستطيع النمو والازدهار رغم التباس الطريق، وأنا أريد ذلك لنفسي.

الخيار لنا

يبدو أننا في معزل اليوم عن وجودية القرن العشرين التي خرجت من رحم الحرب العالمية الثانية بمشاهدها وذكرياتها المرعبة. ليصبح السؤال الوجودي اليوم هو الحياة ما بعد كورونا. إذ تذكرنا حدة الجائحة أن الإنسان سيجد نفسه في مفترق الطرق دائمًا وأبدًا، فإما أن يعمل بوصية ألبير كامو ويسير في طريق اللايقين، فيتقبل عجزه عن إيجاد حل فوريٍّ للجائحة، ويحتضن الفرص؛ أو أن يبقى أسيرًا للقلق الوجودي. 


هذه المقالة ضمن ملف ثمانية × كورونا

بروح عربية وسعودية، نوثق في هذا الملف تداعيات الكارثة الإنسانية التي حلّت مع ظهور فيروس كورونا وأثار الأزمة على الفرد والسياسات والمجتمع.
27
فرضت جائحة كورونا العديد من التحديات والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية على...
26
يرى د. مشعل العقيل أن كورونا لم يعد مرضًا فحسب،...
25
كتبت جوليا ويك في صحيفة لوس أنجلوس تايمز عن تجربتها...
النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×