الفئران التي حسبت نفسها خيولًا: تدريس الفلسفة وإشكاليات التعليم!

الفئران التي حسبت نفسها خيولًا: تدريس الفلسفة وإشكاليات التعليم!

لأنس غنايم
14 يناير، 2019

للأديب الروسي المعروف مكسيم گوركي (Maxim Gorky) قصة قصيرة بعنوان “المهرج”، بطل هذه القصة رجلٌ يدعى “نوتش”، يقضي حُكمًا عليه في أحد السجون .تولى “نوتش” مهمة إضحاك السجناء، والموقوفين، وأصحاب السوابق، والحرّاس، والجلّادين، وجدران السجن العتيقة، ومنصّات الإعدام التي كثيرًا ما تأرجح عليها الأبرياء.

يصف گوركي مشهداً طريفًا من طقوس “نوتش” التهريجية المعتادة:

ذات يوم خرج نوتش من زنزانته وقت النزهة وقد قيّد ثلاثة جرذان بخيط، وجعل يعدو وراءها في الفناء وكأنه يقود مركبة حربيّة زمن المعارك الكبرى. اندفعت الجرذان وقد أرعبها صياحه، اندفعت منطلقة في ذعر وجنون, يلتفّ معها في المنحنيات، ويتجاوز العوائق ببراعة، ويتوقف لأخذ قسط من الراحة في الاستراحات المتوهمة. ضجّ السجناء بالضحك وهم يشاهدون ذلك الرجل البدين وهو يقود هودجه العظيم بكل بلهٍ وجنون

هذا المشهد الذي رسمه گوركي ببراعة أديبٍ قلّ مثيله، يصلح لأن يكون توصيفًا مجازيًّا لعشرات النماذج والأمثلة في حياتنا اليومية ومساحاتنا الاجتماعية، والثقافيّة، والأدبيّة، والتي يتوهم فيها أصحابها اقتيادهم عربات ومقطورات وهوادج تسيّرها خيولٌ قويّةٌ مضمرة، مع كونها لا تعدو في الحقيقة عن اللحاق بكومة فئران في ساحة سجن، لا كريم فيه إلا الفراغ والعدم. ومن بين هذه المظاهر التي يصدق عليها مثال گوركي ومهرجه؛ قضية التعليم وإصلاحه.

معركة وخطوة؛ تعليم الفلسفة في المدارس

رحل عن عالمنا، قبل أسابيع قليلة، الدكتور والتربويّ الأردني إسحاق الفرحان، عن عمر ناهز الـ 94 عامًا. وقبل انقضاء أيام العزاء الثلاثة، التي يحتشد فيها أهل الراحل وأحبابه لاستذكار مآثره، وصالح أعماله -كما جرت العادة- أعاد بعض الصحفيين، والباحثين، فتح نقاش قديم، لا يزال يتجدد، وهو: ( تعليم الفلسفة في المناهج الدراسيّة).

ولأنّ الدكتور إسحاق الفرحان، كان مهندس مناهج التربية والتعليم وإعدادها في سبعينات القرن الماضي، أقام هؤلاء الصحفيون، والباحثون، معركًة شرسًة على الفرحان وذلك لكونه من دفع باتجاه إلغاء تعليم مادة الفلسفة في المدارس الأردنيّة. ومع أنّ السجال حول هذه القضية قديم، يرجع إلى سبعينات وثمانينات القرن المنصرم حيث كان من أقطابه تربَويون معروفون أمثال: حسني عايش، وذوقان عبيدات، وأحمد ماضي، وعادل ظاهر وغيرهم، يعود النقاش اليوم ويتجدد، إثر وفاة الفرحان -الذي لا دخل له في إلغاء مادة الفلسفة كما تظهر وثائق عديدة ذلك-.

وليس بعيدًا عن هذه المعركة، أقدمت المملكة العربية السعودية، على خطوةٍ جديدة، ألا وهي شروع وزارة التعليم السعودية في تدريس الفلسفة في المدارس الثانوية، والاستعانة بشركة بريطانية متخصصة لتدريب نخبة من المدربين لتعليم المدرسين على الكيفية الأفضل لتدريس الفلسفة للطلاب في المدارس.

وبين “المعركة الأردنيّة” المتعلقة بمساءلة من كان خلف إلغاء تدريس مادة الفلسفة، و“الخطوة السعوديّة” التي باركت تدريس مادة الفلسفة، نلاحظ بوضوحٍ تضخيم مسألة ” تعليم الفلسفة في المدرسة” في بلادنا العربيّة، سواءً احتفاءً باستدخالها هنا، أو تذمّرًا جراء شطبها هناك، مما يوجب التوقف على إشكاليّتين تتعلقان بإصلاح التعليم، والنهوض به:

1- الاشتغال بالمفضول عن الفاضل؛ الرنجة الحمراء تُزكم الأنوف:

في المنطق الحديث يوجد مغالطة معروفة بمغالطة الرنجة الحمراء (Red Herring Fallacy) وخلاصتها الاشتغال بالمفضول عن الفاضل وبالزخرف عن الجوهر. وقد أستعيرت هذه المغالطة للتعبير عن كل محاولة لتحويل الانتباه عن المسألة الرئيسية في الجدل، وذلك بإدخال تفصيلات غير هامة، أو بإلقاء موضوع لافت أو مثير للانفعالات وإنْ يكن غير ذي صلة بالموضوع المعني.

بحيث يكون الكلام في موضوع، ولا يلبث بأن يتحول إلى موضوع آخر تماماً. وسبب التسمية كما تحكي كتب المنطق، هي حيلة كان يستخدمها المجرمون الفارون لتضليل كلاب الحراسة التي تتعقبهم، وذلك بسحب سمك الرنجة حمراء عبر مسار هروبهم، وبما أن هذا النوع من السمك له رائحة شديدة، فإنها تغطي على رائحة البشر (المجرمين)، فيصعب على الكلاب تمييز رائحتهم، وتعقبها.

بناءً على هذه المغالطة، نجد انطباقها على قضية إصلاح التعليم، إذ بمجرد الحديث عن “مشكلة التعليم”، يتقافز الحديث إلى إشكال “تعليم الفلسفة في المناهج الدراسيّة”، وكأن مشكلة التعليم في الأردن وفي عالمنا العربي تتلخص في تعليم الفلسفة من عدمها! بالطبع ليس مطلوبًا صرف الطرف عن هذا الإشكال، أو التهوين من الإضافة المهمة التي تقدمها مادة الفلسفة؛ إنّما الذهاب إلى مناطق أكثر حرارةً من هذه الإشكاليّة. والكف عن تصوير المشكل باعتباره حذف مادة أو إضافتها إلى المناهج التعليميّة.

ما أريد قوله هنا أنّ مسرد مشاكل التعليم في عالمنا العربي يتضمن العديد من القضايا، والإشكالات، فلماذا يتم تقديمه وحصره في المناهج، وبصورة أدق في تعليم الفلسفة!

وبالطبع يمكننا هنا الحديث والاستبصار بنقودات العديد من مفكّري وفلاسفة التربية في العالم العربيّ، والغربيّ، على السواء، بداية من أفكار إيفان إليش وإيفرت رايمر (اللامدرسييـن أو الأناركيّة التعليميّة)، وباولو فريريّ (تعليم المقهورين) وفيليب جاكسون (المنهاج الخفي)، وميشيل سار (انهيار الدور الكلاسيكي للمعلم)، وبيير بورديو (العنف الرمزي)، وميشيل فوكو ( الامتحانات وجدلية المعرفة-السلطة)، وجون هولت (التعليم المنزلي)، وميلتون تشين (التعليم الواقعي)، ومنير فاشه (تعليم المجاورة – يُحسن)، وجان جاك روسو (التعليم الطبيعيّ)، وعلي وطفة (الحداثة التربوية)، وخلدون النقيب (الثورة الصامتة)، وغيرها العشرات من الأطاريح، والنقودات، والمشاريع المعروفة في علم الاجتماع التربويّ النقديّ اليوم.

2- التورّط في عالم السهولات المريحة

كثيرًا ما كان ينبّه ميشيل فوكو على “الحذر من السهولات”. والسهولات (facilities) -ككلمة تنتمي إلى المعجم الفوكويّ- تعني أساسًا: استسهال القول في شيءٍ ما (سياسيًّا، فلسفيًّا، اجتماعيًّا ..) وبالرغم من الميل الطبيعي إلى (السهولة) عند الإنسان كما رأى ذلك مالك بن نبي، إلّا أنّها خطيرة على الفكر الإنسانيّ والفلسفيّ، من جهة ترسيمها حدودَ التفكير في القضايا، حيث يعمل ذهان/مرض السهولة –كما شخّصه مالك بن نبي– أثناء تقويمه للأشياء على استسهالها، حيث الأمور لا تحتاج إلى تعب وكدِّ فكر.

إثر ذلك، وليس بعيدًا عن النقطة الأولى، من السهل القول بأن مشكل التعليم في عالمنا العربي يتشخص في غياب مادة الفلسفة، لكن يبدو من الصعب، التفكير في إشكالية التسلط التربويّ، وسلعنة التعليم، وتحويل المدارس إلى أدوات طيّعة بيد المستبدين، واستتفاه مهنة المدرس، وسوء توزيع الموارد التعليميّة، وفساد البنية التحتية للمدارس، ومافيات التعليم الظلّي، وانفصال المناهج الدراسية عن واقع الناس.. إلخ، وهذه القضايا، وغيرها حتى يفتح النقاش حولها، تحتاج إلى انعتاق الذهن من سهولاته؛ السهولات التي تحترف فن الاختزال والتسطيح.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×