غرور نارسيس في عصر الفراغ

سمر الفوالجة
25 يونيو، 2020

يتعرف كل جيل على نفسه من خلال شخصية أسطورية أو خرافية كبرى بعد قراءتها وفقًا لإشكالات اللحظة، و شخصية نارسيس كما يقول جيل ليبوفيتسكي في كتابه «عصر الفراغ» هي المرآة التي تعكس وضعنا المعاصر. ثمة مرحلة جديدة من الفردانية تتشكل؛ إذ تعبّر النرجسية عن بروز ملامح جديدة للفرد في علاقته مع ذاته وجسده ومع الآخر ومع العالم والزمن.

We’re All Narcissus Now / intellectualtakeout

ويمثل ليبوفيتسكي على ذلك شيوع كتاب «ثقافة النرجسية» والذي يعد من أكثر الكتب مبيعًا في كافة أرجاء الولايات المتحدة. لا يأتي هذا الشغف النرجسي من استلاب وحدة ضائعة ولا يعوض عن غياب الشخصية بل يفضي إلى نوع جديد منها ووعي ملتبس ومتذبذب.

فالأشخاص الذين يحظون بالأوقات السعيدة والإنجازات العادية يشغلهم هوسٌ محمومٌ لإظهار يومياتهم. فتتملك الإنسان حالة يحب فيها الإطراء الكثير ولفت الانتباه وجمع علامات الإعجاب. إنه يمثل مشهد نارسيس  الذي وقع في حب صورته المنعكسة على الماء، فيختار المرء  لنفسه الزاوية المناسبة لالتقاط الصورة والضوء المناسب والأشكال التجميلية، وكل ذلك سعيًا للحصول على النسخة المثالية من نفسه.

مجتمع الاستعراض

يمكن على سبيل المثال اجترار موقع إنستگرام، إذ يمثل هذا التطبيق ما يُطلق عليه مجتمع الاستعراض. فتظهر فيه صور الأزياء  والأجسام المشدودة والرحلات التي لا تنتهي ولقاء المشاهير واليوميات الرائعة التي يمكن أن يحظى بها أي شخص. إلا أن ذلك كله مدعاة لقلقٍ واضطراب للمستخدمين وخاصة من فئة الشباب. فهذا قد يجعل الإنسان ساخطًا على نفسه، قليلَ الثقة وكثير الانزعاج والظن بأنه لا يحظى بالاهتمام والتقدير الكافيين.

توفر مواقع التواصل الاجتماعي نجاحات مزيفة تضخم الذات. فيبدو كل واحد مهووسًا بها كعلامة تجارية يجدّ لإبرازها واستقبال الإطراء والاستحسان. وليس ذلك فحسب، بل تحقيق نجاحات سريعة عندما يغدو مشهورًا. يطلق عبدالسلام بنعبد العالي على هذا الحال الذي وصل إليه مجتمع الاستعراض بـ «الحياة الدوبينگ»؛ إذ يوفر هذا المجتمع نماذج للنجاحات السريعة والأرباح السهلة والانتصارات من غير جهد. هذا ما يتبدى واضحًا في حياة المشاهير الذين يحظون بآيات الإعجاب على أمور بسيطة وفي كثير من الأحيان على أمور معدومة المعنى.

وفي سياق هذا الاقتصاد السهل، يشرح ليبوفتسكي بأن للنجاح دلالة نفسية واحدة فحسب، تتلخص في الإعجاب والغيرة. في ظل أنظمتنا النرجسية، يرغب الجميع  في أن يحظوا بالغيرة أكثر من أن يحظوا بالاحترام.

يؤدي هذا كله إلى نوع من البربرية في علاقاتنا مع الآخرين. ويمكن اعتبار هذه الشخصية النرجسية بنية نفسية جديدة عالقة في شباك «عشق الذات» والرغبة في الاعتراف. إنها مسرح متكتم لا تعني فقط الشغف بالتعرف على الذات وإنما أيضًا الشغف بالإظهار الحميمي للأنا. فعلى الإنسان أن يظهر حوافزه و مميزاته الخاصة ويبرز عواطفه وشخصيته مع كل فرصة تتاح، ويعبر عن إحساسه الخاص؛ وإلا سقطنا في البرودة والمجهولية كما عبر ليبوفيتسكي.

مجتمع عصر الفراغ 

يتقاطع «عصر الفراغ» مع «مجتمع الاستعراض» للمفكر الفرنسي جي ديبور الصادر في ستينيات القرن الماضي. إذ يفتتح  ديبور كتابه مقتبسًا من فيورباخ:

 ولا شك أن عصرنا يفضل الصورة على الشيء، النسخة على الأصل، التمثيل على الواقع، المظهر على الوجود

فهو مجتمع يقدم الحياة نفسها على أنها تراكم هائل من الأشكال الاستعراضية، لا يعود هذا الاستعراض لإساءة استخدام عالم الرؤية بقدر ما هو نمط قد عمل على تشيئ رؤيتنا للعالم.

إننا في ظل هذه الفردانية التي صنعت منا شخصيات نرجسية وقعت في حب صورتها وأرادت أن تحظى بالإعجاب والاعتراف ولهاب مشاعر الآخرين بالغيرة بسبب ما تملك، فقدنا السعادة وروح البساطة، وبات كل منا يبرز صورة متصنعة عن نفسه. وبدلًا من أن  يحظى بنفس سوية وطمأنينة داخلية جر أذيال الكآبة والحزن، فطفق عصرٌ فارغٌ من أي معنى إنساني.

هددت هذه الثقافة التي فرضت نفسها بالتقنية علاقة الإنسان بذاته. فكلما ابتعد الإنسان عن معرفة ذاته أو انتُزع من تلك المعرفة، صار أقرب من حافة الهاوية حسب هايدغر. ويأتي حديثنا عن الحافظ ابن أبي الدنيا في عصر الفراغ سلوة وقيمة تربوية، ليجلي التواضع والابتعاد عن الشهرة في ظل عالم نرجسي يقذفنا مع الآخرين، فتذوب هوياتنا وننسى كينونة أنفسنا، فينادي  ابن أبي الدنيا بالعزلة والانفراد وبالصمت عند لغواء الحديث.

انهيار الأخلاق والحرية الفردية

والإنسان المعاصر كثير الحاجة للتزود بالأخلاق أو ما يسميها طه عبد الرحمن بـ«أخلاق شق الصدر» حيث هي أخلاق العمق التي تطهر الباطن. وتأتي هذه الحاجة لأن المستقبل سيشهد حدثين هامين؛ أحدهما، انهيار النظريات الأخلاقية والأنساق المعيارية والدساتير السلوكية. والثاني، ازدياد الهروب إلى الحياة الخاصة باعتبارها الفضاء المتميز لممارسة الحرية الفردية. فتنشأ عن ذلك الحاجة إلى أخلاق تأتي من داخل الفضاء الخاص.

لقد كتب ابن أبي الدنيا رقائق ومصنفات التزكية في زمن الحضارة العباسية حيث التفاخر في الأنساب والأملاك وزينة الحياة الدنيا. ويجيء في عصر الفراغ وصلًا بين تراثنا وحاضرنا، معزيًا للحال، مذكرًا بعدم الانغماس في متاهات الشهرة الزائفة والنجاحات اليسيرة والتفاخر المفضي للعجب.

ولكن، من هو ابن أبي الدنيا؟

ولد عبدالله ابن أبي الدنيا في عهد الخليفة المأمون ونشأ في بغداد المدينة الباذخة بمظاهر الحضارة المادية والمعنوية. وكانت أسرته أسرة خير وفضل وبيته بيت علم وصلاح؛ فقد كان أبوه من العلماء المهتمين بالحديث وروايته مما أسهم في نشأته العلمية وتكوينه في وقت مبكر.

وقد دفعت به أسرته إلى حلقات العلم، فقرأ القرآن والفقه وكتب الحديث وسمع من أعلام العصر وحفّاظه وهو دون سن البلوغ؛ و تتلمذ على يد مئات من الشيوخ. ذكر الذهبي جزءًا منها فعدّ أربعة وتسعين شيخًا. وبهذا تكونت شخصيته العلمية، فهو حنبلي المذهب، سلفي العقيدة، زُهدي المشرب. ثم إن هذه الروح الأخلاقية التي اعتنى بها وأكًد على شيوعها بين الناس أقعدها في مصنفاته التي تزيد عن مائة مصنف.

وأسهمت مصنفات ابن أبي الدنيا في الحركة الإصلاحية التي استهدفت تربية الجماهير العظيمة. وقد وصف ابن كثير هذه الرقائق فقال: 

المشهور بالتصانيف الكثير النافعة، الشائعة الذائعة في الرقائق وغيرها، وهي تزيد عن مائة مصنف، وقيل: إنها نحو الثلاثمائة مصنف.

لم تلق مؤلفات ابن أبي الدنيا الاهتمام والعناية فلم يطبع منها إلا القليل. ولم يزل مجهولًا على الرغم من ميزتين انفرد بهما؛ فقد قعد لمدرسة الزهد والتربية والأخلاق بما يزيد عن مائة مصنف، كما  ألف الكثير من كتب الأخبار المتعلقة بحوادث القرن الأول والثاني فكانت هذه الأخبار من أقدم ما أُلف في ذلك. 

التواضع والخمول

ورد كتاب ابن أبي الدنيا بمسميات عدّة عند من ذكره من العلماء. فقد أتى عند السيوطي والبغدادي والكتاني تحت اسم «التواضع والخمول» في حين ذكره الذهبي باسم «الخمول» وجاء على الصفحة الأولى من المخطوط باسم «الخمول والتواضع». ويرى المحقق نجم عبد الرحمن خلف أن الاختلاف شكلي ولا أهمية له. ويميل إلى أن اسم الكتاب هو «التواضع والخمول». وقد قُدم التواضع لأن مادة الكتاب أكثرها في التواضع.

جاء كتاب «التواضع والخمول» على سبع أبواب ثلاثة في التواضع ومستلزماته، وثلاثة في نواقضه من كِبر واختيال وشهرة. وأفرد بابًا في حسن الخلق. وفي ذلك لطيفة في كون الخلق إن حَسُن عُدّ تواضعًا، وإن فسد كان كبرًا. بدأ الكتاب بالحديث عن الخمول مبينًا أهميته، والخمول هنا لا يعني الكسل والإهمال إنما خمول الذكر والعمل بصمت. كما عقد بابًا في ذم الشهرة.

يعرض الكتاب آثارًا عن الصحابة والتابعين وتخلّقهم بالتواضع والابتعاد عن الشهرة. فالتكبر يوهم الإنسان بأنه أعلى من غيره، فيكن للآخرين الازدراء والاحتقار. وليس هذا فحسب بل إنه مدعاة لأن يظن بأن الحق معه والباطل عند غيره، فيرفض الحق تعنتًا، فما الكبر إلا  «بطر الحق، وغمط الناس».

وقد تنبه إلى ما انتهت إليه الأمور في عصره جراء الازدهار الحضاري من علل وأمراض اجتماعية من حسد وعجب وتفاخر فعمل على تصنيف كتب لمعالجة هذه الأمراض.

وفي محاولة للنظر في اللا مفكر فيه الذي لم يُصرح فيه النص يبدو أن ابن أبي الدنيا أراد للمسلمين التأسي بفعل الرسول عليه السلام ، مذكرًا جمهور عصره بالتواضع في زمن كثر فيه المشاهير.

التواضع والخمول في عصر إنستگرام

واتساقًا مع هذا الذي لم يصرح به النص يظهر اجترارنا لكتاب ابن أبي الدنيا في محاولة للنظر لما آلت إليه أحوال الإنسان المعاصر في عقد طاقاته للتمتع بالأضواء والتباهي أمام الآخرين، حتى باتت الشهرة كما يصرح زيجمونت باومان على أمور ليست بذات أهمية. فالشهداء قديمًا حظوا بالشهرة لأن أفعالهم حية ويمكن تخليدها، في حين أن الأسباب التي وضعت كثيرًا من المشاهير في بؤرة الضوء هي أقل الأسباب أهمية للانتشار.

وفي سياق ذلك، يتحدث آلان دونو بأنه على الرغم من بعض الإيجابية في مواقع التواصل الاجتماعي إلا أنها عملت على «ترميز التافهين»، إن كثيرًا من التافهين على مواقع التواصل والفاشينستات كما يقول دونو يظهرون لنا بمظهر النجاح. وغدا النجاح الذي كان يعني العمل الجاد والمواطنة الصالحة والخير للأهل وغير ذلك نجاحًا وفق معيار آخر يُختزل بالمال.  

ابن أبي الدنيا في عصر الفراغ - العزلة
العزلة / Unsplash

الذوبان وسط الآخرين 

يعرض كيليطو في كتابه «حصان نيتشه» مشهدًا خياليًا من يوم القيامة، فيذكر أن كثيرًا من القراء سيصيبهم الضجر من القراءة المستمرة لصحائفهم الخاصة، إن الاشمئزاز سيصيبهم من قراءتها لآلاف المرات.

لذلك سيقترح أحدهم أن تُقرأ صحائف الأغيار. لقد كانت فكرة مشوّقة بالفعل وانصرف الناس لقراءة بعضهم البعض بعد إزالة الصفحة الأولى التي تحيل لاسم صاحبها. وفي نهاية الأمر يحنّ الناس لقراءة ذواتهم فيصعب التعرف على الصحائف الخاصة لكل واحد بعد تداولها. يقول: يصيبهم القلق والاضطراب في الاهتداء إلى ذواتهم، ولو حالفهم الحظ سيكون النسيان قد أتلف عقولهم بعد المدة الطويلة، سيصبحون عاجزين عن التعرف على أنفسهم!

يذكِّر هذا المشهد بما تحدث عنه هايدجر في مفهوم «السقطة»؛ حيث ننسى أنفسنا وسط الآخرين، فيصعب علينا التعرف على ذواتنا وتشكيل ماهيتنا. إننا ننخرط مع الآخرين وتذوب ذواتنا وفي كثير من الأحيان يغيب صوتنا الخاص ورأينا ومبادئنا.

ولهذا حث ابن أبي الدنيا في كتابه «العزلة والانفراد» على الانفراد عن الخلق وترك المخالطة. وليس المعنى من ذلك ترك الجماعات بالجملة، إنما ترك المخالطة التي لا حاجة بها. والعزلة التي أرادها ابن أبي الدنيا جارية وفق المصلحة والحاجة وليست مطلوبة لذاتها كما عند أهل التصوف.

وللعزلة فوائد منها الابتعاد عن الرياء ومسارقة الطبع لما يشاهد الإنسان من أخلاق الناس وأعمالهم. فالفساد بكثرة المشاهدة يصبح هينًا على الطبع لا مستثقلًا، وكذا العزلة مفيدة بانقطاع طمع الناس فيك وانقطاع طمعك فيهم، وفيها الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقاء ومقاساة أخلاقهم. 

سفينة الحمقى / Medium

فيالق الحمقى 

يصف إمبرتو إيكو الكثير من رواد التواصل الاجتماعي بـ «فيالق الحمقى» حيث أتاحت هذه المواقع للناس جميعًا حق الكتابة والنشر وإبداء الرأي مهما كان خاليًا من أي منطق. ويعمل الكثير من رواد هذه المنصات على تسطيح المعارف وزج أنفسهم في حديث لا يكادون يفقهون فيه شيئًا.

إن الحداثة التي تدور حول حرية الذات والتي قام يورغن هابرماس بتفكيكها والمكونة من النزعة الفردانية والحق في النقد واستقلالية العقل البشري، جعلت من الجميع كخط واحد لا فرق بينهم، وذلك بحجة أن العقل أعدل قسمة بين الناس. لقد بدى المشهد اليوم كما تنبه نيتشه «حشوًا من الغباء»!

وفي صعيد تعقد المعرفة وصعوبة التخصص يظهر التبسيط محمودًا. حيث يمثل هذا التبسيط المطلوب «خيط أريان» يسعى لنشر المعرفة وسهولة فهمها عند الكثيرين. إلا أن ما ساعدت به مواقع التواصل الاجتماعي ليس التبسيط فحسب بل التسطيح. هذا التبسيط الذي يتجاوز الحدود يدفع نحو نظام التفاهة مؤديا لخفض الجودة. فاستخدام اللغة والخطاب الساذجين لا يرجى منه التطور العقلي المجتمعي الصحي، بل يصير مهددًا له. 

حول ذلك، يتحدث هنري أرفون بأننا: «نشاهد ازدهارًا موصولًا لأساطير جوفاء، وأهواء جمعية غير معقولة وتزييفات عقائدية دامية. ثمة مذاهب عابرة تطرح نفسها على أنها حقائق مطلقة، وهي ولية فكرة التجمع وتحمل علاماته؛ التبسيط عدو كل إرهاف وكل احتياط»

يروي برتراند راسل في هذا السياق أنه عندما طلب ملك مصر من إقليدس أن يعلمه الهندسة في دروس قليلة سهلة كان رد إقليدس على طلبه «لا يوجد طريق ملكي للرياضيات». وليس التسطيح فحسب ما ساهمت به مواقع التواصل بل وفرت منطقة خصبة للجدل والتهمة ودفع الآخرين والحديث على  غير بينة.

الصمت في عصر الضوضاء

تضمن كتاب ابن أبي الدنيا «الصمت وآداب اللسان» صورة عن الواقع الذي كان المجتمع الإسلامي يعيشه آنذاك، وذلك في محاولة منه للعلاج. إذ جاءت فكرة الكتاب عن ضرورة ملحة تقتضيها أجواء المجتمع الإسلامي، فقد كانت التيارات الفكرية والسياسية تصرف طاقاتها في الجدل والنقاش، وتنتهي إلى التنازع والتخاصم. فانتشرت الغيبة والنميمة والفحش في القول من سب ولعن وتكفير.

وقد أراد ابن أبي الدنيا أن يُقعّد لأسس السلوك الإسلامي في عصر الفتن. واستطاع بنظريته التربوية أن يوجههم لتأسيس مجتمع السلامة والعلم، مذكرًا بصلاح حال السلف الأول ممن صلحت قلوبهم بصلاح ألسنتهم.

ويغدو منهج ابن أبي الدنيا في هذا الكتاب حاملًا سمات عدة منها؛ الوحدة الموضوعية وجودة التبويب والترتيب. فقد وزع النصوص البالغ عددها  759 نصًا على ست وعشرين بابًا أتى فيها على كل ما يتعلق باللسان من ترهيب وترغيب، أما السمة الثالثة فهي رواية النصوص النبوية والآثار مسندة إلى قائلها.

إن ثمرة هذا الكتاب تُستحضر لبيان فضيلة الصمت في عصر الضوضاء، منبهًا على الصمت قبل الكلام في غير علم، أو الدخول في نقاش وجدال ليس له نتيجة مرجوة. ويذكر ابن أبي الدنيا أثرًا عن عبد الله بن دينار يقول فيه: الصمت على خمس: على علم وحلم وعيّ وجهل وعظيمة.

أخلاق السطح 

تأتي انتقادات ليبوفيتسكي لعصر الفراغ كواحدة من أهم الانتقادات في نقد الحداثة؛ إذ دخلت المجتمعات في مرحلة من الاستهلاك تخلل علاقاتهم العاطفية والأسرية وكذا أنشطتهم السياسية، إضافة للوصول إلى مرحلة تغير فيها نظر الإنسان إلى نفسه. وقد اعتنى بتسمية المعضلات الأخلاقية الناشئة عن كل ذلك المفكر طه عبد الرحمن فنعتها بـ «أخلاق السطح» ففي ظل كل هذه الانتقادات والملاحظات الهامة التي أشار إليها ليبوفيتسكي كان من الجدير طرح سؤال؛ ما العمل؟ من هنا يأتي ابن أبي الدنيا مذكرًا بالسؤال الأخلاقي بدافع الإصلاح والتقويم.

إن مساهمات ابن أبي الدنيا أسست لقواعد أخلاقية. ولا بد من طرح مثل هذه الأخلاقيات المجاوزة لسطح الحداثة الغائصة في عمق الحياة و الإنسان. وعلى حد قول طه عبد الرحمن: 

لا أعمق من حياة تمتد من عاجلها إلى آجلها، ولا أعمق من إنسان يتصل ظاهره بباطنه


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×