التعقيد الاقتصادي ودخل الفرد


علاء المكتوم 6 يونيو، 2020
التعقيد الاقتصادي ودخل الفرد / Unsplash

تناولنا في المقال الأول الفرق الجوهري بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات البدائية، ووضحنا العلاقة العامة بين تنوع المنتجات وتعقيدها في صادرات الدول، لنصل إلى المفهوم المهم: «التعقيد الاقتصادي». في هذا المقال نقارن بين التعقيد الاقتصادي والمقاييس الأخرى، ونبيّن دقّته العالية كمؤشر لما تمتلكه المجتمعات من معرفة تقود إلى ازدهارها.

لماذا نحلل الصادرات تحديدًا؟

يعتمد مؤشر التعقيد الاقتصادي على بيانات التبادل التجاري الدولي (أي صادرات العالم) لإرساء معادلاته الرياضية. هناك سببان رئيسيان لاتخاذ هذه الوسيلة:

الأول: تمتاز الصادرات بأنها خط النهاية في مقدرات أي دولة، أي أنها الانعكاس النهائي لإمكاناتها. فإذا كانت دولة ما تصدر منتجات متنوعة جدًا ونادرة، فهذا يعني أنها نجحت في العوامل الداخلية التي تجعلها قادرة على تحقيق ذلك.

الثاني: الصادرات هي حزمة البيانات الوحيدة التي تعطينا معلومات ثرية وموثوقة تربط ما بين الدول ومنتجاتها تحت تصنيف عالمي موحد. فجميع المقاييس الأخرى تتطلب تعاونًا من الحكومات ومستوى معينًا من الشفافية والمصداقية. لكن الصادرات بطبيعتها تتميز بأنها على مرأى من الجميع مما يجعلها قابلة للقياس الموضوعي دون أي افتراض أو تنظير أو اجتهاد.

التعقيد الاقتصادي ودخل الفرد

هناك علاقة مباشرة بين التعقيد الاقتصادي ودخل الفرد من الناتج المحلي (أي غنى الأفراد). كلما ارتفع التعقيد الاقتصادي في الدولة، تزايد دخل الفرد مستقبلاً. فامتلاك الدولة لتعقيدٍ اقتصاديٍّ عالٍ إذًا لا يعني بالضرورة أن دخل الفرد فيها مرتفع في وضعها الحالي. يحدث أثر التعقيد الاقتصادي دائمًا في المستقبل.

هذا الرسم البياني (2009) يوضح العلاقة بين التعقيد الاقتصادي ودخل الفرد.

العلاقة بين التعقيد الاقتصادي ودخل الفرد

الدول الملونة بالأحمر هي التي تصدّر موارد طبيعية بنسبة تتجاوز 10% من صادراتها. نلاحظ أن دخل الفرد في كثيرٍ من هذه الدول مرتفع رغم أن التعقيد الاقتصادي فيها منخفض نسبيًا، مثل السعودية والكويت وقطر وليبيا وفنزويلا وعمان وإيران (وهذا تم إيضاح أسبابه في فقرة النفط والألماس في المقال السابق). ولا يعبِّر غنى هذه الدول عن مقدراتها وحجم المعرفة فيها، وإنما ترجع أسبابه لتوفر ثروات طبيعية جاءت بسبب الحظ، ويتسم اقتصادها بعدم الاستقرار أمام التغيرات.

أما الدول الملونة بالأزرق فتصدّر موارد طبيعية بنسبة تقل عن 10%، ويمكن ملاحظة اتّساق العلاقة لديها بين التعقيد الاقتصادي ودخل الفرد. فكلما زاد التعقيد الاقتصادي، ارتفع دخل الفرد. تمتلك بعض تلك الدول تعقيدًا اقتصاديًّا جيدا نسبيًا ومع ذلك فدخل الفرد عندها منخفض، مثل الهند والصين وتايلاند. ولكننا كما سبق وذكرنا، يتطّلب أثر التعقيد الاقتصادي وقتا حتى يؤتي ثماره على دخل الفرد. وبالفعل، نجد أن هذه الدول تحقق نموًا متسارعًا في المشهد الاقتصادي حاليًا.

لم يعتبر مؤشر التعقيد الاقتصادي أفضل من المقاييس الأخرى؟

سعى الأدب الاقتصادي بأشكال مختلفة لتفسير مسببات النمو الاقتصادي. يُمعن البعض النظر في الحوكمة وجودة المؤسسات القائمة في الدولة (الاستقرار السياسي/سيادة القانون/الأداء الحكومي إلخ)، وآخرون ينظرون في رأس المال البشري (سنوات التعليم/التعليم العالي/المهارات الإدراكية)، وآخرون ينظرون إلى مستوى التنافسية في الدولة (مؤشر GCI والذي يتضمن 150 معيارًا).

سنقارن هنا بين كلٍّ من هذه المقاييس الثلاث (مؤسسات/رأس مال بشري/تنافسية) في مقابل مؤشر التعقيد الاقتصادي لنؤكد أن هذا الأخير أدقّها جميعًا وأنه أكثر ارتباطًا في قياس نمو الدخل ونمو الاقتصاد.

1. الحوكمة وجودة المؤسسات

أحد أشهر مقاييس هذا العامل هي مؤشرات الحوكمة Worldwide Governance Indicators اختصارًا (WGI) والتي تتألف من 6 مؤشرات رئيسية نشرها البنك الدولي: (الاستقرار السياسي/المشاركة والمساءلة/سيادة القانون/جودة التشريع/فاعلية الحكومة/مكافحة الفساد)

يوضح الرسم البياني أدناه أن تأثير مقياس WGI بكل مؤشراته الستة على النمو الاقتصادي يقتصر على 1% فقط، بينما يبلغ ارتباط مؤشر التعقيد الاقتصادي على النمو الاقتصادي نسبة 15%:

الإسهام  في النمو

2. رأس المال البشري

تركز المنهجيات المعمول بها لقياس رأس المال البشري وأثره على النمو الاقتصادي دومًا على التعليم الرسمي (سنوات التعليم/نسبة المتعلمين/جودة التعليم والمتمثلة في درجات الاختبارات العالمية)، وهي مقاييس تركز على الجانب النظري من المعرفة البشرية. 

يهتم مؤشر التعقيد الاقتصادي أيضًا برأس المال البشري، إلا أنه ينظر له من الجانب العملي، حيث يسلط الضوء -كما أسلفنا- على المعرفة المنتجة التي يحملها المجتمع ككل، ممثلةً بالصنعات التي يمتلكها الأفراد ومدى تنوعها ترابطها مع بعضها وأثرها على الصادرات.

لا يعني هذا أبدًا أن التعليم التقليدي غير هام، فلابد لبلوغ التعقيد الاقتصادي أن يكون بوسع المجتمع القراءة والكتابة وإجادة الرياضيات وغيرها من العلوم. ولكننا نتحدث عن المقاييس. يقيس التعليم التقليدي المخرجات بأن يضع اختبارات موحدة على الجميع لا تعكس تنوعهم، في حين يقيس مؤشر التعقيد الاقتصادي كافة المعرفة المنتجة التي يمتلكها المجتمع ومدى تنوعها الظاهر في مخرجاته الاقتصادية.

ولعمل مقارنة واضحة بين الأداتين، فلننظر إلى حالة غانا وتايلاند.

غانا وتايلاند

غانا وتايلاند بين التعليم والاقتصاد 

كان استثمار الدولتين في سنوات التعليم متقاربًا في السبعينات، ولكن في الأربعين سنة اللاحقة زادت غانا من استثمارها وبقوة في التعليم مقارنة بتايلاند.

مؤشر التعقيد الاقتصادي - غانا وتايلاند

لكننا حينما نتأمل مؤشر التعقيد الاقتصادي عند البلدين، يتضح أن تايلاند تقدمت كثيرًا بينما استمر المؤشر بالتذبذب في نفس المستوى عند غانا، حيث ظلت تصدر الكاكاو والألمنيوم والأسماك ومنتجات الغابة، منتجات بسيطة التعقيد وقليلة الترابط.

وخلال نفس الفترة يتضح الفارق الكبير بين غانا وتايلاند من حيث دخل الفرد من الناتج المحلي (أي ثراء الأفراد). لم يسهم استثمار غانا في التعليم في أي تغيير على دخل الفرد، بينما كان أثر التعقيد الاقتصادي جليًا لدى تايلاند والتي تضاعف دخل أفرادها خمس مرات. يمكن إجراء نفس المقارنة بين دول أخرى والوصول لنتائج مشابهة.

ولو أسقطنا هذا التحليل على جميع دول العالم، لوجدنا أن أثر التعقيد الاقتصادي على دخل أفرادها أوضح وأشد ارتباطًا من أثر جميع عوامل التعليم.

أثر التعقيد الاقتصادي على دخل الفرد

3. مقياس التنافسية

يقيس مؤشر التنافسية اقتصاد الدولة بواسطة 150 معيارًا يراها هامة للتنافسية ثم يقوم بجمعها في رقم يمثل المعدل. بينما ينظر مؤشر التعقيد الاقتصادي بشكل مباشر إلى المقدرات التي تحوز عليها الدولة بالنظر إلى المنتجات التي تصدرها، ويستنتج الصناعات ذات التنافسية التي يفترض ويُتوقع الاستثمار فيها. وهنا نقارن مؤشر التنافسية ومؤشر التعقيد الاقتصادي وأثر كل منهما على نمو الاقتصاد:

مقارنة بين مؤشر التنافسية، ومؤشر التعقيد الاقتصادي

يتضح أن تصنيف التعقيد الاقتصادي مؤثر بشكل أكبر من مؤشر التنافسية في قياس النمو.

نستنتج من كل هذا أن مؤشر التعقيد الاقتصادي ECI مؤثرٌ قويٌ على دخل الفرد لجميع دول العالم، وأنه أداة ممتازة لتخمين النمو الاقتصادي بشكل أقوى من المقاييس المستخدمة عادةً. كما نستنتج أنه يعكس كمية المعرفة المنتجة التي يمتلكها المجتمع.

لا يعني هذا أن العوامل الأخرى ليست ذات أهمية، بل إن بعضها جوهري في أي اقتصاد متقدم. لكن ما يهمنا هنا هو إيجاد مؤشر يقيس لنا النمو الاقتصادي والوجهة الاقتصادية  للدول التي تسعى للنماء وتنويع صادراتها.

المَقْدرات

سبق ووضحنا في المقال السابق أن المنتج الواحد يتطلب صنعة أو أكثر لإنتاجه، وأشرنا بأن هذا فيه نوع من التبسيط. في الواقع، يتطلب المنتج -بالإضافة إلى صنعات الأفراد- عوامل أخرى مثل البنية اللوجستية الملائمة والتشريعات الحكومية المسهّلة لإنتاجه والتي لا تتصادم معه والمؤسسات المالية والقانونية المساهمة في تواجده، إلى آخره من العوامل التي تشتغل كمناخ فعال لكي يتم إنتاجه. سنسمّي كل هذه العوامل “مَقدرات” Capabilities.

 المقدرات عوامل غير قابلة للتبادل التجاري، أي يستحيل جلبها من الخارج، وتحتاج زمنًا طويلاً من النمو الداخلي للخبرات والتشريعات لكي تنضج وتتكامل. كما تختلف المنتجات فيما بينها بعدد المقدرات اللازمة لصنعها وطبيعتها.

وكذلك تختلف الدول فيما بينها بوفرة/طبيعة المقدرات التي تحوز عليها. يمكن للدولة صناعة المنتجات التي تتوفر على المقدرات اللازمة لإنتاجها فقط. لن يتم إنجاز منتج معين إذا توفرت ٩٠٪ من المقدرات اللازمة، لكن نزعة ستنشأ لتوفير باقي المقدرات لهذا الإنتاج.

دائما ما تكون المنتجات المعقدة (شرائح الكمبيوتر مثلاً) كما ذكرنا سابقًا قليلة التواجد، أي تنتجها دول أقل، وهي منتجات تتطلب مقدرات عالية. بوسع الدول التي تمتلك مقدرات عالية صناعة منتجات عديدة ومتنوعة، ومن ضمنها المنتجات الأقل تواجدًا (شرائح الكمبيوتر).

المقدرات والمنتجات 

دعونا نوضح هذه العلاقة الجميلة بين المقدرات والمنتجات في مثال الورد والأغذية الطازجة.

إذا كانت دولة (1) لا تصدر أغذية طازجة، فمن المحتمل جدًا أنها لا تمتلك خطًّا لوجستيكيّا متخصصا بتبريد الأطعمة، وكذلك من المحتمل جدًا أن أنظمة الجمارك لديها لا تمنح خطًا سريعًا للتخليص الجمركي لهذا النوع من البضائع، كما قد لا يتوفر نظام لمنح شهادات سلامة المأكولات. وبسبب هذه الظروف، فإن أي مستثمر لديه الرغبة في الدخول في هذه الصناعة (تصدير الأغذية الطازجة) ستتصدى هذه العقبات طريقه. هذه العقبات هي مقدرات مفقودة.

لكن، لنفترض أن دولة أخرى (2) لا تصدر هي الأخرى الأغذية الطازجة، ولكنها تصدر الورد والزهور. في الغالب إذًا أنها تمتلك خطًّا لوجستيكيّا للتبريد، وخطًا سريعًا في التخليص الجمركي، لكنها لا تتوفر على نظام لمنح شهادات سلامة المأكولات لأن الورد لا يستلزم ذلك. هناك إذًا تقاطع في المقدرات بين الأغذية الطازجة والورد كما هو موضح في الصورة:

تقاطع في المقدرات بين الأغذية الطازجة والورد

بسبب هذا التقاطع، للدولة في النموذج (2) فرصة في تصدير الأغذية الطازجة أكثر من الدولة في النموذج (1) لأن مقدرات الورد تتقاطع بشكل كبير مع مقدرات الأغذية الطازجة. ويصير امتلاك مقدرة (نظام شهادة المأكولات) أكثر إلحاحًا وأكثر جدوى عند الدولة (2) كما أن المخاطرة في توفيره من قبل الدولة أقل بكثير.

تحليل مقدرات كل منتج ومحاولة إيجاد مناطق التشابه بينه وبين كافة المنتجات الأخرى ليس أمرًا سهلاً لأنه يتطلب تحليلاً دقيقًا للمتطلبات التقنية والمؤسساتية والمعرفية لجميع منتجات العالم ومقارنتها ببعضها، مما يعني كمًا مرعبًا من تقصي المعلومات وتحليلها.

لكن مؤشرات التعقيد الاقتصادي تقيس ذلك بشكل أسهل وأدق: إذا كان المنتجان يتشاركان في المقدرات فاحتمالية أن يتم تصديرهما معًا عالية، وبالتالي نستطيع استنباط المقدرات وعلاقتها ببعضها بمجرد النظر إلى صادرات دول العالم وتحليل علاقتها بمعادلات لوغاريتمية. وسنفصل في ذلك لاحقًا.

تراكم المقدرات 

يزداد تراكم المقدرات لدى الدولة بشكل أسّي Exponential مع عدد المقدرات الموجود في اقتصاد الدولة أساسًا، وذلك لأنها تتقاطع فيما بينها فتولد مقدرات جديدة ذات جدوى بشكل أسرع (مثال أحرف الأبجدية في المقال السابق).

تجدر الإشارة لملاحظة هامة: كلما ازداد تنوع منتجات الدولة، فإن المنتجات الجديدة تدخل مزيج صادراتها دون التخلي عن تصدير المنتجات التي بدأت بتصديرها. يبطل هذا بعض النظريات التي تقول أن الدول تتجه إلى التخصص فتتخلى عن تصدير المنتجات البدائية مع مرور الزمن.

هنا نختم المقال بتساؤلات هامة نجيب عليها في المقال القادم:

إن كان من الممكن معرفة كافة المقدرات عند أية دولة من خلال النظر إلى الصادرات وتحليلها، هل يمكن رسم نموذج بصري واضح لهذه العلاقة بين كافة منتجات العالم والمقدرات اللازمة لها في الدول؟

ثم كيف يمكن معرفة المقدرات الموجودة في اقتصادنا السعودي بشكل واضح؟ وكيف لنا أن نطور هذه المقدرات لكي تولّد منتجات أكثر تنوعًا؟ ما هو مستوى التعقيد الاقتصادي في السعودية؟ ما هي المنتجات التي نصدرها بشكل تنافسي غير النفط؟ وهل لها فرص مستقبلية في النمو والتوسع؟


هذه المقالة ضمن ملف اقتصاديات دول الخليج العربية

مستقبل اقتصاديات دول الخليج العربية ومدى استدامتها في التأثير على القطاع الخاص والنفطي. يتناولها بالتحليل كتاب وباحثون في الشأن الخليجي.
11
تشكل مشكلة الإسكان أحد أهم التحديات التي تواجهها المملكة العربية...
10
عندما نُشر بيان الميزانية العامة لعام 2020 أواخر عام 2019،...
9
«هذه المقالة مهداة لأرواح البحارة الذين قضوا حياتهم في أعماق...
النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×