أيُّ قيمة لعملك؟

مروان الرشيد
11 يونيو، 2020


وأنت جالس في مكتبك تقضي الساعات التسع التي يجب أن تقضيها لتُعدَّ موظفًا مُثابرًا ومُلتزمًا يستحق كل هللة من راتبه، قد تصرف بعض الساعات في التفكُّر في جدوى عملك: هل هذا فعلًا ما تريد أن تقضي بقية حياتك في فعله؟ هل لعملك أثر في مجتمعك ووطنك والعالم؟ هل سيتعطل مجرى العمل لو تغيبت لأيام أو أسابيع أو أشهر؟ أسئلة كثيرة تخطر في بالك في هذه الساعات الطويلة التي تتظاهر فيها بالعمل.

مصائب باندورا

تحكي الأساطير الإغريقية أن البشر في أول أمرهم كانوا يعيشون عيشة راضية لا يعكرها جوع ولا مرض ولا خوف ولا موت. وأن زيوس (أبو الآلهة) أراد أن يُعكِّر حياة البشر انتقامًا من بروميثيوس الذي سرق قبسًا من النار وأعطاه البشر. 

أرسل زيوس إلى البشر امرأة اسمها «باندورا» التي يعني اسمها «ذات العطايا»، لِمَا امتازت به من هبات. وكان في جعبتها جرة مُحكمة الإغلاق وتحوي أمورًا لا تدري باندورا ما هي، وقد أُمِرَت ألَّا تفتح الجرة وألَّا تطَّلع عليها.

ولكن باندورا غلبها الفضول، ففتحت الجرة. وفور أن فتحتها «حتى انتشر على وجه البسيطة سحاب كثيف من الأرزاء، وضباب كالح من الأسواء».

ومن بين الرزايا التي حوتها الجرة: الأمراض والحروب والمعاناة والموت، وبالخصوص «العمل». ارتعبت باندورا وسارعت إلى تغطية الجرة، لكن فات الأوان، إذ لم يبقَ شيء في الجرة سوى «الأمل».

سايكي تفتح صندوق باندور، لوحة للفنان أوديلون ريدون / Wikimedia Commons

العمل في الزمن البدائي

كان البشر يهيمون على وجه البسيطة، ويقتاتون على جمع الفواكه وصيد الفرائس، ويسكنون الكهوف أو يحفرون الحفر ويغطونها بالجلد إذا غامروا في أرض سهلية خلف الطرائد. ولم يكن ثمَّ تباينات اجتماعية حادة بين الذكر والأنثى، وبين مَن يملكون ومَن لا يملكون، حتى حدثت الثورة الزراعية وتمكَّن الإنسان من فلاحة الأرض وتدجين الحيوان.

وحينئذٍ تباينت المجتمعات البشرية على نوعين: المجتمعات الحضرية التي تسكن أرضًا خصبةً وتتوفر على الماء، اشتغلت بزراعة الأرض. والمجتمعات الجوَّالة التي وجدت نفسها في أراضي قاحلة ولا يتوفر الماء إلا موسميًّا أو في واحات متباعدة، اشتغلت برعاية الماشية والترحال.

ومع هذا التطوِّر في شكل الحضارة، تباين البشر بين مَن يملكون وسائل الإنتاج (الأرض وأدوات الحرث وحيوانات العمل) ومَن لا يملكونها. وصار الذي لا يملك وسائل الإنتاج يؤجِّر عمله لمن يملكها مقابل أجر.

العمل أساسًا للمِلْكيَّة 

يولي الفيلسوف الإنگليزي التجريبي جون لوك العمل أهمية كبرى، فيجعله أساسًا للمِلْكيَّة والتملُّك. فبعد أن يفترض أن الأرض مِلْكيَّة مشاعية لجميع البشر، يقول إنه بالعمل فيها تنتقل ملكيتها من الملكية المشتركة إلى الملكية الخاصة. فالبشر يمتلكون أنفسهم، وعملهم امتداد عضوي لأنفسهم. وعليه إذا خالط عملهم الأرض، عادت ملكية الأرض إليهم.

يتكلم لوك هنا بالطبع عن الوضع الطبيعي، قبل نشوء الحضارة وقيام الدولة وترسُّخ الملكية العامة والخاصة على نطاق واسع. والشاهد هنا كيف أن العمل يقوم أساسًا للتملُّك، إذ هو عملية إضفاء طابع شخصي على الأشياء الخارجية. هكذا كانت قيمة العمل في طراوة الزمن وجِدَّته.

تمثال لسقراط / Wikimedia Commons

النبيل لا يعمل

في العالم القديم كان العمل محصورًا على المستعبدين والخدم. أما الرجل الحر، المواطن اليوناني في المدينة-الدولة أو النبيل في الجمهورية الرومانية، فكان مُتحرِّرًا من أعباء العمل. وكانت حريته هذه ممكنة باستعباده الآخرين، ففي استعبادهم تَكْمُن حريته. 

وكان يصرف هذه الحرية من عبودية العمل في تدبير شؤون الدولة والتشاور في السياسة. وحينما ينتهي من هذه، كان يُخصِّص وقت فراغه للفلسفة والعلوم والشؤون الفكرية والأدبية.

لولا هذا التفرُّغ للمشاغل الأدبية والعلمية القائم على مفارقة العبودية ثمنًا للحرية، لما أمكن للفلاسفة الإغريق أن يجدوا وقتًا لتعاطي الفلسفة، ولا استطاع سقراط أن يترصَّد للناس في الأسواق والأزقة ليطرح عليهم الأسئلة المحرجة حول العدالة والخير والجمال، ولا كان بمقدور أفلاطون أن يعتزل في أكاديميته ليكتب حواراته السقراطية، وكذلك الحال مع أرسطو ومعهده. 

ويذكر الفيلسوف الروماني شيشرون أن أخصب فتراته في التأليف والنشر كانت في الفترة التي انقطع فيها عن العمل السياسي، وتفرغ فيها للعمل الفكري تمامًا. ومن هنا كان تركيز القدماء على التفكير والكلام في تعريف الإنسان، فالإنسان حيوان ناطق عاقل، وهذا التعريف يُخْرِج مَن لا يتعقَّل (يمارس مَلَكات التفكير) ولا يُشارك في تدبير شؤون المدينة – من حد الإنسانية.

نشأة الفنون الحرة 

ترسَّخ تعريف العمل هذا باعتباره عبودية وعبئًا في القرون الوسطى، وترسخ هذا سياسيًّا واقتصاديًّا. ونشأ ما يسمى بالفنون الحُرَّة التي يجدر بالرجل الحر (المُتحرر من العمل) أن يتعلمها، على العكس من الفنون الحِرفية التي يتعلمها الرجل غير الحر الذي يجب عليه أن يعمل من أجل أن يحقق ضرورات العيش. 

وكانت هذه الفنون تتصف بأنها نظرية، وتكمِّل القدرات التي صار بها الإنسان إنسانًا وفقًا لتعريف القدماء: أي العقل والنطق. وهذه الفنون هي النحو والبلاغة والمنطق والحساب والهندسة الرياضية والموسيقى وعلم الفلك. ونجد صدى هذا التفريق في اللغة العربية، فكلمة «مهنة» تشترك تأثيليًّا مع كلمة «مهانة»، و«الماهن» هو الخادم، ويُقال: امتهن فلانٌ فلانًا، أيْ استخدمه خادمًا له.

مصنع درفلة الحديد، لوحة للفنان أدولف مينزل / Wikimedia Commons

تقديس العمل

بدءًا من بوادر العصر الحديث، انتقل التركيز من فضيلة العقل إلى فضيلة العمل. تقول حنة أرندت مؤرخة هذا التحول: «إن العصور الكلاسيكية الإغريقية اتفقت على أن أرقى مراتب الحياة البشرية هي حياة المدينة، وأن أسمى قدرات الإنسان هي الكلام، على حد التعريف المزدوج الشهير لأرسطو. ثم عرَّفت روما وفلاسفة القرون الوسطى الإنسان بأنه حيوان عاقل. وفي أوائل العصر الحديث كان الاعتقاد السائد أن الإنسان صانع، ثم جاء القرن التاسع عشر فوُصِف الإنسان بأنه حيوان عامل».

وقد غالى ماركس في شأن العمل «خالق الإنسان»، وجاراه صاحبه إنگلز فقال إن العمل هو العملية التي نقلت القرد إلى إنسان. وهكذا حفل القرن العشرون بأيديولوجيَّات مختلفة ومتباينة، وأحيانًا متصارعة، ولكن اتفقت جميعها على تقديس العمل وجعله قيمة اجتماعية لا غنى عنها. 

فالشيوعية تُقدِّس العمل لذاته وتراه أنبل ما يمكن أن ينخرط فيه الإنسان، وأنه الطريق المُوصل إلى المجتمع الشيوعي الذي يزول فيه -للمفارقة- كل عمل، فيُقدِّم فيه الإنسان قدر استطاعته ويأخذ قدر حاجته. 

وفي الدول الفاشية، قُدِّس العمل باعتباره وسيلة لتحقيق عظمة الدولة واستعادة أمجاد الأمة الضائعة. أما في الدول الرأسمالية، فالعمل مطلوب لتحقيق المطامح الشخصية وتجسيد آمالِ مُراكمة الثروة ونيل السعادة.

عاملات في أحد المصانع / Wikimedia Commons

صناعة الوظائف 

في الدول الرأسمالية ذات الاقتصاد السوقي، يُفترض ألَّا تضطلع الدولة بالتوظيف، وأن تكتفي بالحد الأدنى من الموظفين الحكوميين الذين تقوم بهم الشؤون العامة، وأن تترك التوظيف لقوى السوق والمنافسة الحرة.

وهذا المبدأ النظري، الذي يترك التوظيف لحاجات السوق الفعلية ولا يوجد فيه توظيف لمجرد تقليل البطالة في المجتمع، يُفترض به أن يكتفي بالوظائف النافعة والمُنتجة، ويُزيل الوظائف غير النافعة وغير المطلوبة. ولكن الدولة وجدت طريقة غير مباشرة لدعم الوظائف وإيجادها.

فالسياسي الذي يطمح بأن يُنتخب لمنصب تشريعي أو تنفيذي لا بُدَّ أن يعِد بإيجاد الوظائف أو الحفاظ على الوظائف الموجودة. ولتحقيق هذا الغرض، يعمل على ترسية عقود حكومية على شركات خدمية وصناعية وعسكرية، شريطة أن تقيم مصانعها ومعاملها في مناطق ناخبيه وتوظف منهم. وقد لا تكون ثمة حاجة ملحة لهذه الخدمة أو ذلك العتاد الصناعي أو العسكري.

أعمال لا حاجة إليها

كتب عَالِم الإنسان ديفيد گريبر كتابًا تحت عنوان «وظائف الهراء» (Bullshit Jobs: A Theory)، حاول فيه أن يسبر كُنه هذه الوظائف وأن يقدِّم فيه تفسيرًا لكيفية نشوئها، وما أثرها على ممارسيها وعلى المجتمع بعمومه. يُعرِّف گريبر هذا النوع من الوظائف بأنه:

العمل الهرائي هو ضرب من الوظائف المدفوعة التي لا هدف لها ولا ضرورة أو قد تكون مُضرِّة، حتى أن الموظف نفسه لا يمكنه تبرير وجودها، إلا أن عليه أن يتظاهر بخلاف ذلك بسبب شروط التوظيف

ويُعدِّد أنواعًا من وظائف الهراء، منها:

الحاشية: وهدف عمل الفرد في هذه الوظيفة جعلُ من وظَّفه يبدو ويشعر أنه مُهم. ويضرب المؤلف مثلًا بموظفة استقبال في دار نشر، يتلخص عملها في الرد على المكالمات الواردة التي لا تزيد عن الواحدة في اليوم. ولذا يعمد مُوظِّفوها إلى إعطائها مهام لا أهمية لها في المكتب كتعبئة طبق بحلوى النعناع. 

ما الذي يدفع الشركة إلى توظيف شخص بمرتّب وبدلات في مهمة يمكن أن يؤديها أي شخص في المكتب حينما يكون مُتفرغًا؟ يُجيب الكاتب: حفاظًا على المظاهر؛ فدار نشر لا تملك موظف استقبال قد توحي بأنها ليست بالاحترافية الكافية وليست كدور النشر الراقية.

نساء في مكتب، هنغاريا / Wikimedia Commons

البلطجية: لا بُدَّ أنك تلقيت يومًا اتصالًا من رقم غريب، وعند الرد وجدت شخصًا يحاول إقناعك بالاستثمار في العملات الأجنبية، ورغم رفضك يستمر في محاولة إقناعك بربحية هذا الاستثمار. هذا عمل المسوقين عن بُعد، ويضعها المؤلف في خانة الوظائف «البلطجية» لما تنطوي عليه من عدوانية وتلاعب. 

وهو يضع الدعاية والإعلان والعلاقات العامة تحت هذا المُسمى، لأنها تتلاعب بالفرد وتقتات على مخاوفه لجعله يعتقد أنه يحتاج هذا المُنتج أو تلك الخدمة. والذين يعملون في هذه القطاعات غالبًا ما يشعرون بالخواء، لاستشعارهم أن عملهم ليس له قيمة اجتماعية إيجابية.

وأخيرًا، المُرقعة

في إحدى نظرياته النفسية يتكلم فرويد عن «عُصَاب ربات البيوت»، وهو اضطراب نفسي يُصيب ربات البيوت اللاتي يشعرن أن بمقدورهن أن يُقدِّمن شيئًا أكبر للعالم، لكنّهن يجدن دورهنَّ محصورًا في التنظيف خلف ذكور العائلة وإصلاح الأشياء التي يُفسدونها. 

في هذا النوع ينحصر دور الموظف في تصحيح الأخطاء التي يرتكبها مَن هم فوقه مِن الرؤساء. ولو أن رؤساءه تمتعوا بكفاءة أكبر في القيام بأعمالهم، لما كان ثمة حاجة لوظيفته. يضرب المؤلف مثلًا بجامعته، حيث في قسم الصيانة يوجد نجار واحد وهو دائم الانشغال. لذا يوجد في قسم الصيانة موظفٌ عمله الرئيس استقبال الاتصالات ليُعلم الناس أن النجار مشغول. ولو أن القسم وفر نجارًا آخر بدلًا عمَّن يعتذر عن النجار الأول، لكان أجدى.

لوحة في المصنع للفنان بافيل فيلونوف / Wikimedia Commons

تقليص ساعات العمل 

يرى الفيلسوف الإنگليزي برتراند رسل أن الحاجة إلى العمل على هذه الشاكلة وبهذه الساعات لا يرجع إلى حاجات العمل، وإنما إلى حاجة اجتماعية لإشغال أفراد المجتمع. فالفكرة السائدة هي أن «الأيادي الفارغة يجد لها الشيطان عملًا»، وإلَّا فالحقيقة أن التقنيات الحديثة جعلت الحاجة إلى العمل ساعات طوال تتقلص بشكل كبير.

ولنتذكر أن رسل كان يتحدث في ثلاثينيات القرن الماضي، أيْ قبل الثورة المعلوماتية والإنترنت والذكاء الصناعي والروبوتات، وهي جميعها أشياء قللت ضرورة قضاء 9 ساعات من اليوم في العمل. ويرى رسل أن عدد الساعات المعقولة للعمل 4 ساعات في اليوم، قياسًا على الوضع في أيام الحرب الكبرى (1914-1918) إذ فُرِّغ أغلب الناس للقتال أو لمصانع الأسلحة والذخيرة أو في الجهد الحربي، إلا أن الحرب 

أظهرت بما لا يدع مجالًا للشك أنه بالتنظيم العلمي للإنتاج، يمكن إبقاء المجموعات السكانية الحديثة في حالة رفاه جيدة، بقدر ضئيل من القدرة العملية في العالم الحديث.

ولكن بعدما انتهت الحرب لم تلبث أن عادت الأمور لما كانت عليه، لماذا؟ «لأن العمل واجب، والإنسان يجب ألَّا يتقاضى أجره بقدر ما أنتجه بل بقدر فضيلته المتمثِّلة باجتهاده والتزامه». 

مناوئو العمل ودعاته 

ولكن مع كل شيء، قد يبدو أن لكلام دُعاة العمل ما يسنده، وإن لم يكن سوى تاريخ طويل من التقاليد الداعية إلى العمل والحاثة عليه. يقول ڤولتير على لسان شخصياته في نهاية رواية «كانديد»: «العمل يبعد عنَّا ثلاثة شرور: الضجر، ونزعة الشر، والحاجة».

قال باگنلوس: «أنت مُحق، لأنه عندما وُضِع الإنسان في جنة، كان ذلك لكي يعمل؛ مما يُثبت أن الإنسان لم يولد للراحة». فقال مارتن: «فلنعمل بلا تفكير، هذه هي الطريقة الوحيدة لجعل الحياة تُحتَمل».

هل من طائل حقيقي لعملك؟ 

في الظروف العالمية التي نعيشها هذه الأيام، تجري مُساءلة عميقة للعمل وطبيعته، وكيف يجب أن يكون، وساعاته الكافية. وقد ظل أرباب العمل غير معترفين بجدوى العمل عن بُعْد، ومقتنعين أن الموظف ما لم يكن تحت أنظارهم فإنه لن ينجز العمل. وفي أوقات الأزمات والطوارئ تستبين قيمة عملك ومعناه. 

فعندما تضرب الأمة الحرب أو الكوارث الطبيعية والجوائح، وتكون ثمة حاجة لالتزام المنازل وعدم الخروج إلا للضرورة، ستسقط الغشاوة، وسيظهر لك على الأرجح أن العمل الذي تكدح فيه نهارك وليلك ليس من طائل حقيقي تحته، وأن حضورك لمكان العمل ليس ضروريًّا، وأن الساعات التي تقضيها في المكتب أكثر من اللازم. 

الكثير ممن ينالون أجورًا أقل منك ويتمتعون بمزايا لا تُذكر يؤدون وظائف لا غنى لها لرفاه المجتمع واستمراريته. فأي قيمة لعملك؟


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×