فلم «تينيت» نولان في مواجهة نولان

صنيتان بن وافي
15 سبتمبر، 2020


يقول الناقد درو ديتش في مراجعته لفلم كريستوفر نولان «تينيت» (Tenet): «تينيت فلم لا روح له ولا طاقة، إذ نجح في أن يكون مشروعًا علميًا، ولكنه فشل في أن يكون تحفة فنية»

ثمة نوعان من مشاهدي السينما: يرى النوع الأول بأنها لا تعدو أن تكون موضوعًا للتسلية وترويح النفس ولهؤلاء أسبابهم الخاصة. أما النوع الآخر فينظرون إلى السينما بوصفها فنًا قادرًا على امتحان الإنسان واستكشاف أبعاده، انطلاقًا مما تمتاز به من أدوات وأساليب ليس لها نظير في أي نوع آخر من الفنون؛ فهي بالنسبة لهم ككل الفنون الأخرى التي ينبغي أن تكون جادةً في التعامل مع الإنسان، ولهؤلاء أقدم هذه المراجعة.

يكاد الجميع يتفق أن ما من أحد برع في إحداث فوضى الشعور واتّقاد الذهن على حدٍ سواء في نفوس مشاهديه مثلما برع المخرج البريطاني كريستوفر نولان، الذي احتفظ طوال مسيرته الفنية بنوع مميز من الأفلام التي يجد الإنسان نفسه أمامها، في تجربة خاصة يتفاعل فيها العقل والروح في تناغم بديع، فيخرج المشاهد منها محتارًا بمشاعر مختلطة.

إلا أن فلم نولان الأخير «تينيت» قد ترك في نفسي نوعًا آخر من الحيرة غير التي عهدتها في أفلامه السابقة. فظل سؤال وحيد يشغلني: ما الذي أغفله هذا الفلم الذي بدا باهتًا بعض الشيء ليكون ضمن سلسلة أفلام نولان العظيمة؟ 

صراع البطل الروحي

يتألم محبو نولان لاعترافهم بأن الفلم افتقد للإحساس الجمالي الذي يميز أفلام المخرج الأخرى، والتي شكّلت هي نفسها دعاية كبيرة له. فعلى الرغم من أنه نجح بشكل واضح في خلق الاستثارة الذهنية الكافية لشد المشاهد، أخفق الفلم من جهة أخرى في صناعة التجربة الروحية التي تمثل حجر الأساس لأي عمل فني.

اعتاد نولان في أفلامه استخدام الزمن لإظهار مكنونات أبطاله. إذ يعمل الزمن كمساعد لغاية رئيسية هي صراع البطل الروحي داخل إطاره المحكوم به، سواء كان استخدامه بشكل علمي كما هو الحال مع «إنترستيلر» (Interstellar) أو من خلال تقنيات السيناريو مثل «ذا برستيج » (The Prestige).

فلم «إنترستيلر» / IMDB

فإذا كان الزمن هو المحرك الأساسي لكل تجارب الإنسان الروحية، ولبّ دورة الأيام المتقلبة بين رقي وانحطاط، ألا تقتضي الغاية الفنية إذن استخدام الزمن لتبيان الإنسان لا لتأكيد الزمن نفسه؟

وهذا بالذات ما أدهشني في هذا الفلم الذي تجاهل الإنسان الى حد كبير وركز على المعطيات التي كان من المفترض أن تخدم الإنسان. فالإنسان هو الأصل في الفن، وكل ما عداه هوامش.

نولان وسمات البطل 

ينتظر المُشاهد المحمّل بالذكريات السابقة لأفلام نولان اللحظة التي ينتقل فيها المشهد من فرط الحركة والضجيج إلى التجربة الذاتية المميزة لشخصيات الفلم، كما هي مع شخصيات نولان الأخرى؛ إلا أنه يقف خائبًا أمام حقيقة انعدام سمات البطولة في هذا البطل الجديد

إذ تؤكد لنا تجاربنا الإنسانية بأن على البطل امتلاك عنصرٍ جوهريٍّ يتمثل في مقايضة ما هو طبيعي وأرضي محدود بقدرة تخلق أثرًا مستدامًا أرفع درجة؛ وهو ما نعبر عنه بمفهوم «التضحية». 

يقول الشاعر الألماني فريدريك شيلر في كتاب «فلسفة الفن والجمال»: «كل تضحية بالحياة هي فعل لا تلاؤم غائي، ذلك أن الحياة هي الشرط الأول لكل خير، لكن التضحية بالحياة بدافع أخلاقي تلاؤم غائي من الصنف الأرقى»

شيلر يقرأ أشعاره / Wikimedia Commons

وهذا ما يطرح تساؤلًا عن تجربة البطل في هذا الفلم، ذلك أننا لم نر أي مظهر من هذا الصراع المتمثل في دافع الحياة المادية والدافع الأخلاقي الروحي، وهو ما جعل من البطل بليدًا إلى حد ما ومفرغًا من صفاته الإنسانية.

قارن ذلك بالدافع الإنساني الحقيقي الذي كان يحرّك كوبر في «إنترستيلر»، وحاول استحضار مشهد ممانعته الإنسانية الفطرية للرحلة الملحمية التي كان سيخوضها في الفضاء.

إذ ظهر صراع كوبر الداخلي العميق جليًّا في مشاهد متفرقة، ما بين إحساسه المأساوي بأنه تخلى عن عائلته وميله البطولي للرحلة التي من شأنها تغيير قدر الجميع، فكان يخوض باستمرار حتى في لحظات سكونه معتركًا ملحميًا في دخيلة روحه.

يتكرر المثال في ثلاثية «ذا دارك نايت» (The Dark Knight)، مع باتمان نفسه الذي واجه بكل قواه الخارقة الصعاب التي وضعته في صراع قبل أي شيء آخر مع نفسه، ليقف أخيرًا أمام الهاوية.

أما في «تينيت»، لم يواجه البطل سوى بعض المعارك التي استطاع التفوق فيها بلا جهد بالغ، دون أي تحد من شأنه وضع البطل في صراع وألم. إذ لم يكن أكثر من صعلوك شجاع، بروح فارغة لا يملك ما يخسره.

نولان، البطل مجردًا 

كما يكشف لنا تأمل وضع الشخصيات في «تينيت» بأن جميع الروابط الأساسية للعلاقات بين شخصيات الفلم قد انبثقت من عنصر واحد وهو الطفل الذي شكل روابط كان من المفترض انعكاسها بطريقة أو بأخرى على ذات البطل بشكل أكثر تجذرًا. 

غير أن النص أهمل هذه التوليفة لأسباب مجهولة، حتى أننا لا نعرف منه سوى اسمٍ وبضع مشاهد باهتة لا تصلح لتشكيل ارتباطٍ من أي نوع، فضلًا عن أن يكون له دور في خلق الترابط الوثيق بين الشخصيات.

إن من واجب السينما شأنها شأن أي نمط آخر من أنماط الفن عكس تحديات الإنسان وتجلياته. فيلمس المشاهد في نفسه القدرة على التعاطف مع تجارب وتحديات الشخصيات وإن كانت شريرة.

وقد قدمت السينما عددًا لا يستهان به من النماذج التي جعلتنا نفهم الدوافع الشخصية التي حتمت على هؤلاء الأبطال طريقهم هذا. ولن أتردد في القول بأن شخصية بين في «ذا دارك نايت رايزيز» (The Dark Knight Rises) كانت -ورغم كل الشرور التي اقترفتها- أكثر إنسانية من بطل فلم «تينيت»، وكذلك الجوكر في فلم «ذا دارك نايت». 

أما في «تينيت»، فالمرجح أن يقتصر إعجاب المشاهدين في الغالب على اللمسة الفكرية الخاصة بالزمن وتقنية تصويره؛ وهو موضوعٌ فنيٌّ لا محالة، لكنه لن يكتمل ما دام وجود الإنسان في الشخصيات والعلاقات غير حيٍّ. 


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×