حفل تامر حسني - الأغنية السعودية حبيسة اللا-إبداع

الأغنية السعودية حبيسة اللا-إبداع

هل تود أن تستمتع للمقالة صوتيًا على شكل محادثة؟
اشترك في بودكاست أرباع للاستماع لمقالات ثمانية في لقاءات حصرية مع كتّابه

لطالما خُيّل لي أن الأغنية السعودية تحمل في كلماتها معانٍ أعمق وأكبر مما أسمعه في الأغاني الأميركية. إذ كانت المقارنة مرتبطة بما سمعته حينها من الأغاني التجارية والتي قست عليها مخطئًا الأغنية الأميركية ككل.

فالأغنية الأميركية التي كنت أسمعها أغنيةٌ تُصنع كسلعة يبثها الراديو لترويجها فقط دون النظر لمعيار الجودة. ولكن مسامعي ما لبثت أن أصغت إلى موسيقا بعيدة كل البعد عن المنافذ التسويقية التي تدفع بالمنتج الموسيقي حتى يصل إلى العالم العربي.

وعندما تفتحت مدارك أذني الموسيقية لما وراء الراديو الأميركي، سرعان ما توالدت في ذهني التساؤلات والشكوك تجاه الأغنية السعودية وتاريخها. إذ لمّا قارنت أقدم أغنية سعودية بأحدثها، لاحظت أنها خضعت لتعديلات شكلية عديدة ولكنها فشلت في التحرر من حدود العاطفة.

لنتبين بعد بحثٍ طويلٍ، آثار عدة تجارب متباينة كالشيلات وأغاني الراب التي لم تحسب كجزء من تشكيلة الأغنية السعودية. فلم كل هذا الجمود؟ 

الأغنية التي تصنع التاريخ

كانت البداية عندما تعرّفت على بوب ديلان مدندنًا مع قيثارته أغاني الفولك والبلوز. قبل ذلك كنت لا أعرف عن ديلان سوى أنه المغني الوحيد الحاصل على جائزة نوبل للسلام في الأدب. وقد كانت لي محاولات سابقة في سماع موسيقاه ولكني لم أجد في أشعاره ما أفهم. علقت ألحان إحدى أغانيه مؤخرًا في رأسي، فبدأت رحلة استكشاف ديلان الذي صنع التاريخ عندما كتب الأغنية.

بوب ديلان - الأغنية السعودية حبيسة اللا-إبداع
بوب ديلان مع The Band عام 1974 / Wikimedia Commons

انطلقت أولًا أبحث عن كلمات الأغنية التي علقت معي «لا بأس يا أمي، أنا أنزف فقط» (It’s Alright Ma, I’m only Bleeding) فلم أفهمها ولم أفهم صلة الأبيات ببعضها البعض. ولكنني بدأت أقرأ تحليلات هذه الأغنية، فوجدت أن ديلان قد رنّ في أغنية واحدة أجراسًا سياسية، وهز أوتارًا وجودية، وصرخ محتجًا عن ثقافة الحرب الأميركية والمزيد. إذ يقول ديلان: 

Temptation’s page flies out the door, you follow, find yourself at war 

«تتبعثر صفحات الإغراء، وحالما تتبعها،  تجد نفسك فجأة في حرب»

ألّف ديلان هذه الأغنية في العام 1964، أثناء تصعيد الجهود العسكرية الأميركية في حربها ضد فيتنام. وهنا يغني ديلان فاضحًا طرق استقطاب الجيش للجنود من خلال استخدام إغراءات كاذبة. ثم يوجه فوّهة نقده في الأغنية نفسها إلى قطاع التسويق الأميركي الذي يشجع على الاستهلاك فيقول: 

Advertising signs they con, you into thinking you’re the one

«لوحات التسويق تحتال عليك فتظن أنك المختار»

يقفز ديلان بعد ذلك ليحاكي قضايا فلسفية كالفردية والوجودية والعدمية: 

 You lose yourself, you reappear, you suddenly find you got nothing to fear ,alone you stand with nobody near

«تفقد نفسك، ثم تعود لتظهر، فجأة ليس لديك ما تخشاه، واقفُ وحدك ولا أحد قربك»

والقائمة تطول. 

تنوع الأغنية العربية 

بعد أن تشكل فهمي المندمج بالانبهار والإعجاب، اعترتني الحسرة على فهمي الخاطئ لتاريخ الأغنية الأميركية، فذهبت أبحث عن تجربة مشابهة في أغانينا. إلا أنني لم أجد تجربة سعودية خالصة تناظر تجربة بوب ديلان.

من الجهة الأخرى، بدأت بتأمل التجربة العربية التي رسمت ملامح عدة للأغنية. فأخذت أتأمل أطروحات الثنائي محمود درويش ومارسيل خليفة في أعمالهما المشتركة التي أضافوا بها عنصر التنوع للأغنية الذي نفتقده عندما نسمع الأغنية السعودية.

مارسيل خليفة ومحمود درويش - الأغنية السعودية حبيسة اللا-إبداع
مارسيل خليفة ومحمود درويش مع إدوارد سعيد / VetoGate

فلا يمكن نتجاهل أنهم قالوا في السياسة كلمتهم في أغنية «أنا أحمد العربي»، وتساءلوا عن الانتماء الوطني في «جواز سفر»، وعرجوا على الموت في أغنية «نشيد الموتى». كما قصوا قصصًا شخصية في «ريتا» حينما قالوا «بين ريتا وعيوني بندقية، والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لإله في العيون العسلية»

ولا ننسى زياد الرحباني الذي قدم في أغانيه تعجُّبه من ملامح الجيل الجديد في أغنية «شو هالجيل». أو عندما سخر من نفسه في أغنية «أفلاطون» متأملًا في صورة رمزية قدرة العصافير على استكشاف عجائب العالم فقط من خلال الطيران بينما هو حبيس الغرفة -أو حبيس الوطن-. يقول مثلًا:

«نيالون والله نيالون برموا الدنيا فتلوا الكون

وأنا علقان بنفس الغرفة مفكر حالي أفلاطون».

والحقيقة أن الرحباني ودرويش وخليفة طرحوا مجموعة كبيرة من الأغاني التي جعلت الأغنية العربية تحمل أبعادًا مختلفة.

ولكننا عندما نسمع بأن الأغنية السعودية جزءٌ من نسيج الأغنية العربية سرعان ما يتبين لنا الفارق العجيب.

الأغنية السعودية في قفص العاطفة

ماذا لو كان لدينا من يكتب مثل بوب ديلان؟ أو على الأقل مثل الثنائي درويش وخليفة؟

لقد بقيت الأغنية السعودية طوال سنين عديدة أسيرة اللا-إبداع، إذ صُنعت وفق قوالب جامدة جدًا. فعندما أستمع لأغاني طلال مداح أو محمد عبده أو عبدالمجيد عبدالله مثلًا، أجد أن الفروقات مع اختلاف العصر الذي يغني فيه كل منهم هي فروقات تقنية أكثر من كونها جوهرية. إذ تقع كلها تحت مظلة الأغنية العاطفية.

فبالرغم من أن شعراء الأغنية السعودية وملحنيها ومغنيها وجميع عناصر الخط الإنتاجي أبدعوا في توظيف مهاراتهم في ضبط الأغنية تقنيًا، ترقص الأغنية داخل محور بات ضيقًا جدًا لاحتمال الإبداع الفني. فلا يسعني اليوم إلا أن أقول أن الوقت قد حان للأغنية السعودية أن تخرج من قفص الحب وتحلّق في أبعاد أوسع لتلامس قضايا أكبر.

الفن الشعبي بين المهرجانات والشيلات

وبالرغم من أني لست من جمهور الأغنية المصرية الشعبيّة، لاحظت أنها قد نجحت في توظيف الأغنية خارج الإطار التقليدي قبل أن تُقص أجنحتها. فللأغنية الشعبية المصرية تاريخ حافل يخرج من الشارع للشارع: بدءًا من أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام اللذين كانا وجه الأغنية السياسية المصرية، مرورًا بمحمد منير الذي حرك مياه الأغنية المصرية الراكدة، وانتهاءً بمطربي «المهرجانات» الذين أوقفتهم نقابة المهن الموسيقية بداية هذا العام.

ولو بحثنا عن نظير الأغنية الشعبية المصرية على المستوى السعودي، تبرز الشيلات. ذلك الفن الذي جاء لسد الفجوة العميقة بين الأناشيد والأغاني كبديل يمزج الاثنين في بيئة محافظة ترتبك من سماع المعازف.

ولكني أرى لنجاح الشيلات بعدًا آخر بعيدًا عن الانتشار، وهو قدرتها على تنوع المواضيع المطروحة. وقد يكون فن الشيلات النموذج الفاصل الذي يوضح ارتداد الأغنية السعودية عن التنوع؛ ذلك لأن الشيلات نجحت في كسر القاعدة، وغردت بعيدًا عن السرب.

بل قد تكون تيمة العاطفة أقل ما تطرقت له الشيلات السعودية. إذ تطغى عليها المواضيع التي يُتفاخر فيها بالقبيلة أولًا، ثم تبرز أنماط أخرى ضمن شيلات الفخر كالتفاخر بصفات معينة أو الرفقة الطيبة؛ والتي نجدها واضحة في شيلات مثل «يا ناقتي» أو «ألا يا هاجسي». ومع ذلك فالصراع بين الشيلة والأغنية واضح جدًا، ولا يبدو أن هذين الخطين سينسجمان تحت مسمى الأغنية.

كلاش وفن الراب السعودي 

وعندما أخذت أبحث عن أساليب غنائية أخرى حاولتْ إثراء الأغنية السعودية، لم أجد سوى الراب السعودي. هذا الفن الغنائي الغربي الذي دخل المملكة منذ عقدين وما زال يجد صعوبة في فرض ذاته ضمن ساحة الأغنية السعودية. وكان أحد أبرز نجوم هذا النوع الفني شاب سعودي ظهر في بداية الألفية يدعى كلاش.

لم يكن هذا الشاب محسوبًا على شركة إنتاج أو إدارة أعمال رسمية رغم الانتشار الواسع الذي حصدته أغانيه حينها. إذ سرق الأضواء من خلال أدائه لأغاني الراب.

أتذكر أني كنت طفلًا عندما استمعت لبعض أغانيه التي كانت تتنقل آنذاك من هاتف لآخر عن طريق تقنية البلوتوث. حينها، قطعًا أني لم أعتبر ما كنت أسمع أغنية سعودية، بل مجرد مقطع صوتي لشخص مجهول الهوية يقوم بإهانة من سماهم «شباب الكول».

كان ذلك حتمًا أداة ترفيهية لا أكثر لمراهق منعته أمه من التلفظ بكل العبارات الواردة في الأغنية. لكني الآن أقول أن كلاش قد يكون أقرب ما بلغه سعودي للدور الذي قام به بوب ديلان في إثراء التنوع الفكري في الأغنية الأميركية.

ففي مراجعة بسيطة للمواضيع التي طرحها، نجد أنه لم يقم فقط بشتم «شباب الكول» واستغلال شهرته في تصفية حساباته الشخصية، بل غنى عن حواري جدة وتطرق لأخلاقيات الشباب السعودي كما انتقد في أغانيه الإعلام السعودي.

كلاش خارج إطار الفن 

المؤسف أن المجتمع الغنائي السعودي لم يتبن كلاش. وربما لا يعد بعض العاملين في هذا القطاع ولا المجتمع ما صنعه كلاش بفن يدخل ضمن إطار الفن السعودي. زاد على ذلك سجنه في عام 2007 بسبب ما ورد في أغنياته من شتائم.

قد تكون علاقة كلاش بالمجتمع السعودي بشكل عام والغنائي خصوصًا أقل حدة من بداية مشواره، لكن ذلك لم يأت من فراغ. ففي عام 2008 وبعد خروجه من السجن، ظهر كلاش في برنامج «أحمر بالخط العريض» ليكشف عن هويته الشخصية وكأنه يطالب بالاعتراف الرسمي به.

محمد الغامدي (كلاش) / EremNews

كما خرج عن المألوف عندما غنى عن الأم وكأنه يتقرب من المجتمع الغنائي مستخدمًا نفس قالب الأغنية السعودية المعتاد.

ربما ساعد ذلك في تحسين صورته والاعتراف به كمغنٍ، ولو كان ذلك الاعتراف غير واضح حتى اليوم.

هنا يجب أن نتساءل: لماذا تقصي الأغنية السعودية فن الشيلات والراب بدلًا من ضمها تحت مظلتها والاستفادة من مواهب فنانيها وزيادة قاعدتها الجماهيرية؟ لماذا تحصر الأغنية السعودية نفسها مرارًا وتكرارًا؟

لماذا فشلت الأغنية السعودية؟ 

لو اعتبرنا جدلًا أن الأغنية هي أداة تعبير، فمن غير المنطقي أن القضية الوحيدة التي تهم المستمع السعودي هي الحب (سواء كان ذلك حب العشيق أو حب الوطن أو حب الأم). ولو اتفقنا على اعتبار الأغنية أداة تعبيرية، فمن المسؤول عن وضعها في هذا القالب الجامد ومن القادر على كسره؟

لماذا استطاعت الأدوات التعبيرية الأخرى في السعودية تلوين ذاتها وفشلت الأغنية في فعل ذلك؟ ففي عالم الصحافة السعودية مثلًا نجد تجارب تاريخية ثرية في طرح القضايا المختلفة، ومنابر خطب صلاة الجمعة التي طرحت مواضيع تتغلب في تنوعها عما تطرحه استديوهات التسجيل.

وعندما نراجع شكل الأغنية السعودية نلاحظ خضوعها لتعديلات عديدة مثل مدة الأغنية وسرعة رتمها وطول القصيدة. تعطي هذه التغييرات السطحية انطباعًا بأن الأغنية منتج مرن يتشكل حسب ظروف المرحلة ومتطلبات السوق.

لكن التغييرات التي شهدتها الأغنية السعودية فشلت في مس جوهرها. ومن ذلك نستنتج أن الأغنية السعودية مُنتج يتم التعامل معه كسلعة استهلاكية لا أداة تعبيرية فنية. وهذا النمط موجود في جميع الأسواق بما فيها ذاك الذي خرج منه بوب ديلان.

ولكي لا أقع في خطأ المقارنة، حاولت جاهدًا البحث عن أشباه بوب ديلان والثنائي درويش وخليفة والرحباني ونجم ومنير السعوديين، هؤلاء الذين يغردون بعيدًا عن السرب فلم أجد سوى تجارب فردية معدودة لا تحسب على الأغنية السعودية.

لا أجزم أنهم ليسوا موجودين، ولكنهم أشباح لا أصوات لهم على الساحة. من هنا ينبثق تساؤلٌ آخر: ما الذي يجعل الأغنية الأميركية تحتمل بوب ديلان ومادونا في الوقت نفسه بينما لا تسع الأغنية السعودية سوى نمط واحد؟


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×