اطّلع على كل ما ننشره عن جائحة كورونا وأثرها على الوطن العربي
الأخ الكبير الصيني: رأسماليون في خدمة الحزب الشيوعي!

الأخ الكبير الصيني: رأسماليون في خدمة الحزب الشيوعي!

لأمين حمزاوي
23 فبراير، 2020

بدأت الصين في 2014 العمل على مشروع رقابة لـ”تحسين السلوك الفردي والاقتصادي“، ودعته “نظام الرصيد الاجتماعي” (Social Credit System). مهمة البرنامج هي عمل ملفات خاصة بأداء المواطنين والشركات المهني والاجتماعي، وذلك عبر تحليل كم ضخم من البيانات والصور التي تُجمَع بواسطة كاميرات المُراقبة المنتشرة على طول البلاد، ومقارنتها باستخدام برمجيات متطورة تعاقدت عليها الحكومة مع ثمان من كبرى الشركات الصينية. وتشمل تلك البرمجيات نظامًا مُتقدمًا للتعرف على الأوجه، وتُسجَّل بواسطته نشاطات كل مُواطن في ملف خاص به، ومن ثم تقييمه بناء على هذا الملف.

يُستخدَم هذا الملف لتحقيق غايتين، الأولى هي المساهمة في تقييم سلوك وانضباط المواطن الاجتماعي والاقتصادي وجمع نقاطه، ومن ثم تحديد مستوى الخدمات التي يستحقها مقابل مجموعه، ومن بينها السماح بدخول المطاعم، وشراء تذاكر السفر، وحجوزات الفنادق، أو الجزاء الذي يستحقه في حال حقق مجموعًا سلبيًا من النقاط، ومن بين ذلك حظر التوظيف وتذاكر السفر، وصعوبة الالتحاق بالمدارس الجيدة، وصولًا إلى تعطيل الإنترنت الشخصي، والانضمام إلى قائمة سوداء ذات تبعات مهنية واجتماعية خطيرة. أما الغاية الثانية فهي إجراء مسح تنبئي لمجموع الملفات باستخدام برنامج طورته الحكومة الصينية لاكتشاف التهديدات المُحتملة ضد النظام ورصد مناوئيه. وقد طُبِّق على مقاطعة شينجيانـگ ذات الأغلبية المُسلمة من المواطنين الإيگـور، ويُهدد هذا البرنامج بالتحول إلى أداة تنكيل عشوائية حيث تملك الحكومة سلطة مطلقة في إلصاق التهم بالمواطنين دون أدلة تُذكر سوى تنبؤ “ذكي” يعتمد على تحليل مجموعة من البيانات. وحتى على فرض كونه تحليلًا مُعقدًا ودقيقًا، فإنه يظل مُجرد تنبؤ احترازي لا يَمنح سلطة الاتهام أو الادعاء دون وجود واقعة تؤيده، هذا بغض النظر عما قد تُسببه أي نسبة خطـأ مهما كانت ضئيلة في بنية التحليل، وذلك عند تطبيقها على شريحة كبيرة من الجمهور الذي يُمثل موضوع ذلك التحليل. ويُهدد البرنامج أيضًا بتوسع في استخدام النفوذ السياسي المُتضخم أصلًا للمسؤولين الصينيين، حيث يُمكن إدراج مواطنين بطريقة اعتباطية ضمن قائمة التهديد بناء على رغبات المسؤولين أو صراعاتهم الخاصة.

الرصيد الاجتماعي .. مراقبة المواطنين!

لم يُطبَق برنامج الرصيد الاجتماعي منذ بدايته على نطاق واسع يشمل كامل البلاد، وإنما بدأ في بعض المقاطعات ومحال العمل، وقد ساهم في تطبيقه توافر نحو 170 مليون كاميرا مراقبة منتشرة على امتداد الصين، كانت الحكومة قد وضعتها في الأماكن العامة ضمن مشروع سابق معروف باسم “Skynet” وهو مشروع لمراقبة النظام تديره شركتا Hikvision (عملاق تقنيات المراقبة التي يُعَد الملياردير الصيني گـونگ هونگجيا ثاني أكبر مساهميها) وDahua الصينيتان، حيث بإمكان تلك الكاميرات رصد الشخص والتعرف عليه من مسافة 15 كم. وتهدف الحكومة إلى مضاعفة عددها إلى 400 مليون، حتى تتمكن من تطبيق برنامج الرصيد الاجتماعي بشكل كامل خلال العام الحالي. مع العلم بأنه منذ ذلك التطبيق المحدود للبرنامج، فإنه قد نال من 15 مليون مواطن، حيث أُلغيت 32 مليون تذكرة سفر، وستة ملايين تذكرة قطار وفقًا للمحكمة الشعبية العليا في الصين.

مراقبة المواطنين – فليكر

لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل امتدت إلى الإنترنت الذي تفرض عليه الصين بالأساس رقابة صارمة، حيث تحظر عددًا من المواقع أهمها گوگل وفيسبوك، كما يخضع تطبيق الدردشة الأشهر في الصين “WeChat” لرقابة أمنية صارمة تُوفرها شركة Tencent، حيث بإمكان السلطات الاطلاع على محتوى الرسائل الخاص بجميع مجموعات (groups) التواصل. هذا وتطلب الحكومة من شركات التكنولوجيا مراقبة سجلات المحادثات والاحتفاظ بها لمدة ستة أشهر، وإبلاغ السلطات بأي نشاط غير قانوني. بالإضافة إلى كونها أجبرت بالفعل مواطني أقلية الإيـگـور على تثبيت تطبيق رقابة للهاتف يُدعى “تطهير الإنترنت”، وهو قادر على الوصول إلى جميع بيانات الهاتف بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو.

بالإضافة إلى ذلك، تُقدم منصة علي بابا الشهيرة للتسوق الإلكتروني عبر وسيطها Ant Financial بيانات ونشاط مستخدميها للحكومة الصينية بناء على طلبها، وتساهم هذه البيانات في حساب الرصيد الاجتماعي لكل فرد، حيث تجمع الشركة عبر نظامها المدعو SESAME CREDIT (وهو نسخة تجريبية من نظام الرصيد الشامل) بيانات المستهلكين وأصحاب الأعمال الصغيرة المتمثلة في:

  1. نشاطهم الشرائي.
  2. سلوكهم التصفحي وتفضيلاتهم. 
  3. السمات الشخصية: حيث  تُفحَص دقة ومدى المعلومات التي يُقدمها العميل عن نفسه.  
  4. العلاقات بين الأشخاص: تعكس صفات أصدقاء المستخدم والتفاعلات بين المستخدم وأصدقائه على وسائط التواصل الاجتماعي.

لماذا يُهدد السوق الحرية؟

وفقًا لصحيفة مورننـگ بوست (Morning Post) الصادرة بهونـگ كونـگ، أعلنت الولايات المتحدة ودول أوربية في سبتمبر 2018 حظرًا على تصدير بعض الأجزاء (الإلكترونيات) المُستعملة في منظومة المراقبة الضخمة تلك، وقد كانت تصل إلى الصين في السابق عبر هونـگ كونگ، لكن بحسب الصحيفة، لم تزل أجزاء أخرى تصل إلى الصين قادمة من الولايات المُتحدة التي تُعَد المصدر الأساسي لها. حيث استفاد الوسطاء الصينيون Hikvision وDahua من عقود بقيمة 1.2 مليار دولار أبرمتها الحكومة الصينية لمشاريع المراقبة.

تعاظمت استفادة الشركات الصينية العاملة بمجال الإلكترونيات (وخاصة صناعة كاميرات المراقبة وأنظمة تحليل البيانات) من تضاعف الإنفاق الحكومي على مشاريع الأمن الداخلي. وتستفيد الشركات الغربية العاملة بنفس المجال أيضًا من تضاعف إنفاق الصين على انتهاك خصوصية مواطنيها، وذلك عبر توريد مكونات المراقبة المُعقدة التي لم يحد من توريدها سوى التدخل الحكومي الغربي، فقد أقامت الشركات الغربية “شركات استراتيجية” مع نظيراتها الصينية كما تذكر المتحدثة باسم عملاق المراقبة الصيني الآخر Tiandy. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفجوة المالية بين الإنفاق الصيني  على الأمن المحلي والخارجي في ازدياد مستمر، حيث تجاوز الأولُ الثاني بنسبة 13% في 2016، بدلًا من 0.8% فقط خلال 2014. واتسعت الفجوة أكثر في 2017 لتبلغ حسب التقديرات 18.6%، وتعتمد هذه التقديرات على تقارير وزارة المالية الصينية والمكتب الوطني للإحصاء.

خلال القرن الماضي، كتب فريدرك هايك الاقتصادي الكبير وأحد المُدافعين الكبار عن حرية السوق المُطلقة أو ما يُعرف بالنيوليبرالية، أن اقتصاد السوق الحر هو ما يحمي حرية الأفراد ضد تجاوزات الدولة، وأنه “لا يُمكن لحرية الصحافة أن تُوجَد لو أن أدوات الطباعة كانت تحت سيطرة الحكومة، ولا لحرية التنقل أن تُوجَد لو أن الحكومة احتكرت وسائل النقل” (هايك، 1978، ص.149)

فما الذي آلت إليه حرية السوق اليوم؟ تُصدِّر الشركات الغربية تقنيات الرقابة المُستخدمة في القمع السياسي واضطهاد الأقليات لتحقيق الأرباح، وتساعد مهووسي السلطة المستبدين من أمثال قيادات الحزب الشيوعي على انتهاك حرية وخصوصية الصينيين على الطريقة الماوية. ويساهم رأسماليو السوق الحر الغربيون والشرقيون على السواء في تضخم أنظمة الرقابة، واستغلال بيانات مُستخدمي الإنترنت مثلما تفعل شركة علي بابا، ويفعل مثلها عملاق التسويق الأميركي أمازون، حيث يستغلان بيانات مُستخدميهما -دون إذنهم- لصالح شركات الإعلان، بهدف توجيه إعلانات بعينها إلى أفراد بعينهم، وذلك عبر تتبع نشاطهم الاستهلاكي.

في مارس 2018، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن خرق قامت به شركة جمع وتحليلات البيانات البريطانية كامبرِدج أنالِتِكا، عبر الاطلاع على بيانات شديدة الخصوصية لمستخدمي فيسبوك واستغلالها لصالح الحملة الداعمة لترشح دونالد ترامب للرئاسة الأميركية.

بهذه الطريقة، تحوّل جوهر الرقابة المُعاصرة من سلطة الحكومة (السياسية) إلى سلطة الشركات، وأصبحت تهدف لدراسة وتنميط المُستهلكين بهدف تحقيق أرباح ضخمة أو التلاعب الانتخابي لصالح المُرشح الذي يدفع أكثر، وتثبيت مؤسسات سياسية فاسدة تُحافظ على مصالح أصحاب تلك الأرباح. وقد نتج هذا التحول في جانب مهم منه عن ثورة أبحاث الاستهلاك، وتحولها من مجرد دراسة لسلوك شرائح مختارة من بين جمهور المستهلكين تعطي مؤشرات على سلوك هذا الجمهور، إلى دراسة سلوك الجمهور فردًا فردًا، وليس هذا فحسب، وإنما روتينه الحياتي وذلك عبر الولوج إلى بيانات هاتفه، واستخدام الأخير في بعض الأحيان للتنصت على أحاديثه.

الإخوة الكبار – فليكر

الإخوة الكبار يُراقبونك

يصف الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك الشيوعيين الصينيين بأنهم يبدون “كمُدراء فعّالين لنوع من الرأسمالية المُنتجة والجامحة”، نوعٌ يمُكننا وصفه بأنه رأسمالية دون عوائق، حيث تفرض الدولة نظامًا بوليسيًا صارمًا، تستفيد منه الشركات الكبرى في الحصول على عمالة رخيصة لا تملك أي حقوق نقابية. ومن هنا يبدو الربط الذي أحدثه قديمًا فريدرك هايك وغيره بين الرأسمالية والديمقراطية ضعيفًا أكثر من أي وقت آخر، فالنمو الصيني لا يعتمد على ضمانات التنافس الحر، في ظل نظام مركزي يفرض منظومة عمل قسري. وحتى في الغرب حيث تتقلص ضمانات التنافس الحر، لا تعني الديمقراطية الرأسمالية اليوم أكثر من احتكار الشركات الكبرى، وسيطرة المال السياسي على الانتخابات. 

لقد أصبح ممكنًا تأسيسُ دولة “أورويلية” يتعاون فيها الإخوة الكبار، أي الموظفون البيروقراطيون ومديرو الشركات (CEO’s)، في حين لا تتعارض هذه الدولة مع رأسمالية فعّالة تنمو أرباحها بكفاءة، ومن دون أن ينزعج مديرو الشركات الكبرى من حقيقة انتهاك خصوصية المواطنين بكل الطرق الممُكنة، بل يُقدمون -على طبق من ذهب- حرية المواطنين المسروقة لمن يدفع أكثر.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×