في وداع ميشيل سير: رأس دينيس في أيدينا

في وداع ميشيل سير: رأس دينيس في أيدينا

لأنس غنايم
8 أكتوبر، 2019

ارتحل عن عالمنا مطلع الشهر السادس من العام الحاليّ الفيلسوفُ وأستاذ العلوم وتاريخ الأفكار الفرنسيّ “ميشيل سير”، وقد نيّف على التسعين من العمر بعد مسيرة عامرةٍ بالعلم والمعرفة. وإكرامًا له ولعطائه، أرغب هنا بتقديم صورة موجزةٍ عن حياته وكتاباته، مع تعريجٍ على آخر أعماله الفكريّة التي لاقت اهتمامًا كبيرًا في العالم ترجمةً وبحثًا، خصوصًا ما وصل منها إلى قوائم مليونيّة.

“رحالةُ فكرٍ لا يكل”

منذ البداية، خَبِر ميشيل سير معنى المغامرة والتحدي. يقول سير:

“عاشت عائلتي قبالة الماء، وأنا ولدت على الماء. يقول تاريخ العائلة أنه في الطوفان الكبير الذي حدث عام 1930، عندما كانت أمي حاملاً بي، أُجلِيَت من منزلنا على متن قاربٍ من نافذة الطابق الثاني. وهكذا، كنت أتحسس أقدامي مغمورةً بالماء أثناء وجودي في الرحم. وحين خرجت، كان الحبل السري ملفوفًا ثلاث مرات حول رقبتي ممّا كاد يؤدي بحياتي في مهدها”.

لأجل ذلك أحبَّ ميشيل سير دومًا المساحات الرحبة وتسلق الجبال والتنزه في الريف، إذ تبعثُ المساحات الضيقة على ذكرياتٍ مريرة كما قال ذات مرّة.

أطلق ميشيل سير على نفسه وصف “رحالةُ فكرٍ لا يكل”، وراح يجوب الآفاق ويذرع الأرض بطولها والعرض، بحثًا عن معنى يُقتنص أو شاردةٍ تقيّد أو فكرة تنقدح ساعة اجتماع القريحة وصفاء الذهن. عمل ضابطًا في البحرية الوطنية الفرنسية في بدايات حياته، كما والده الذي سبق وعمل على متن بارجة فرنسيّة. لكنّ لعنة هيروشيما التي ظلّت تطارده قنابلُها كمشكلة تنفجر “في كل صفحة من كتبه” نقلته من الحرب إلى الفلسفة، ومن العنف إلى الأمل.

يقول سير:

“أنا ابن هيروشيما، هيروشيما التي علّمتني كيف عُزِلت الفيزياء عن الطبيعة، ونظرية المعرفة عن الأخلاقيات، والإنسان عن العالم”

الفلسفة

دَرَس سير الفلسفة في الجامعات الفرنسيّة، وقدّم أطروحةً في فلسفة الرياضيّات عن لايبنتس، وعمل بعدها أستاذًا جامعيًّا لخمسين عامًا، متنقّلًا بين الجامعات الفرنسيّة والأميركيّة والبريطانية، من السوربون إلى ستانفورد. اعتلى فيها عشرات المنصات والمسارح متحدثًا ومحاضرًا، وليقدّم خلالها أكثر من خمسين كتابًا في فلسفة العلوم وتاريخ الأفكار والأدب والأخلاق والبيداغوجيا والبيئة والمستقبل.

وعلى الرغم من تحدّره من تقليدٍ فلسفيٍّ يُملي عليه أنْ “يُحاسِبُ على كلامه” كما يقول المصريّون، إلّا أنّ لغته كانت أبعد ما تكون عن مقاييس تقنيّة ومساطر جافّة. تمتّع سير -كما يقول جاك أتالي- بسحر البحارة العظماء، وثقافة الفلاسفة الحقيقيين، وحماس عُشّاق لعبة الركبي، وسذاجة عشاق تان تان، وفرحة حياة الأطفال. ولأجل ذلك عادةً ما يتحدث كروائيٍّ أو مجذوبٍ متوحدٍ مع العالم. وهذا بدوره جعل لطريقة كتابة سير “علامةً تجاريةً”، ينادى عليها بشاهد الحال.

وهذا ما تنبّه له برونو لاتور في حواريته الشهيرة مع سير

“… نحن مع سير في فقرة واحدة، نجد أنفسنا مع الرومان ثم مع جول فيرن ثم مع الهندو-أوربيين، ثم نسمع فجأةً أصوات صواريخ تشالنجر، قبل أن ينتهي الأمر بنا مستلقين على ضفة نهر گ‍ارون”

قد تبدو هذه الطريقة غير جذابةٍ للبعض. ليس بالأمر الهيّن أن تواجه محيطًا واسعًا من المعرفة تدرك بالكاد جهلك به، خصوصًا لأولئك الذين تقودهم غريزة حاسمة لإثبات أنهم على صواب وأن الآخرين مخطئون! على أية حال، فالفلسفة لا تنتشر بدون “علاماتٍ تجاريّة”، كما يقول لاتور، ومن ثم فإخراج القارئ من منطقة راحته عملٌ نبيل لا يستهان به.

رأس دينيس الذي تدحرج

يستهل ميشيل سير كتابه “الإصبع الصغيرة” بحكايةٍ ينقلها عن “جاك دي فوراجين”، تدور في زمن الإمبراطور الطاغية دوميتيان الّذي شهد حُكمه أعظم ما يوصم به من الاضطهاد والطغيان. ذلك أن الجيش الروماني -كما تقول الأسطورة- أوقف الأسقف دينيس Denis ولم يمض على انتخابه أسقفًا في باريس سوى أيام قليلة. فأمر على الفور بسجنه وتعذيبه، وبعد محاكمة صورية، حُكم عليه بقطع رأسه في أعلى تلة من جزيرة “موانتمارتر Montmartre” كما عُرفت فيما بعد لدى الأهالي.

وتقول الأسطورة أنه بسبب كسل فيلق جنود الامبراطور وتخاذل همَمِ الّذين أوكل إليهم تنفيذ المهمة، فضّلوا الراحة على  تكبد مشقة سَوْق الرهينة إلى أعلى التلة، فقاموا بتنفيذ الحكم بضحيتهم في منتصف الطريق.

وتتابع الأسطورة: تدحرجت رأس الأسقف المغدور على الأرض، ولكن يا للرعب؛ وقف “دينيس” برأسه المقطوعة وحمل رأسه وهو يمسك بها بين يديه، واستمر بطيئًا بطيئًا في صعود التلة. ففر فيلق الجنود الرومان من الرعب. غير أن “دينيس” وقف غير مبالٍ، يمسح الرأس (رأسه) بين يديه في نبعة جارية. واستمر يمشي متابعًا طريقه بكل تؤدةٍ حتى وصل إلى أعلى التلة، وهي منطقة “سان دينيس” الحالية، فانحنى على الأرض وغرس رأسه أعلاها وقال: أمرك يا مولاي.

تُحال الأسطورة إلى عدّة معانٍ رمزيّةٍ يتحدد غالبها في الاستبداد الطوعيّ والانقياد الذاتي للعبوديّة، على قاعدة الشاعر العربيّ خليل مطران “من يلم نيرون؟ إني لائم أمّةً …”. وآية ذلك في دينيس الذي لم يرضَ قتله في منتصف الطريق، فأبى واحتمل رأسه لأعلى التلّة إمعانًا في قبوله ذلّته. وقد تحتمل الأسطورة معنى ملحميًّا يتعلق بفداء القديسين الذين لا يقبلون بالأمور إلا على تمامها ومنتهاها.

غير أنّ ميشيل سير أخذ من الأسطورة دلالتها الحقيقيّة لا الرمزيّة، وهي رأس دينيس الذي بين يديه. في الآونة الأخيرة، أصبحنا جميعًا سان دينيس، مثلنا مثله. رؤوسنا الذكية اليوم بين أيدينا: مربع الحاسوب الصغير أو الهاتف المحمول الذي يُحمَل وُيكون شغّالًا بالفعل طيلة اليوم.

ما كنا نسمّيه في السابق الكلّيّات هو اليوم ذاكرة أقوى ألف مرة من ذاكرتنا، وخيالٌ مليء بملايين الأيقونات. وثمة سبب آخر، يمكن أن تحلّ الكثيرُ من البرامج مئةَ مشكل لم يكن بوسعنا حَلّها وحدنا. لقد طُرِحَت رؤوسنا أمامنا، في هذا الصندوق المعرفي المجسَّد الصغير.

الثورة التقنيّة وإنسان الإصبع الصغيرة

يرصد سير في كتابه “الإصبع الصغيرة” التحولات في طبيعة تجسّد المعرفة التي يُمكن ردّها إلى عبر أربعة مراحل عمومًا:

  1. التناقل الشفاهي.
  2. معرفة الكتابة.
  3. اكتشاف الطابعة.
  4. اختراع الإنترنت.

وبحسب سير، فقد وصلت هذه التحولات إلى ذروتها مع الإنترنت الذي أسفر بدوره عن تحول مجتمعنا إلى مجتمع تعليمي، لا تتمركز فيه المعرفة على نقاط معروفة بداهةً كما هو الحال قديمًا (مراكز، تجمُّعات، مدرسة، فصل دراسي، حرم جامعي، مدرج محاضرات، زاوية شيخ في جامع، مثقف في مقهى، قس في دير… إلخ). وبذلك أُلغيت فكرة المعرفة المُحالة إلى مواقع بعينها، إذ هي الآن توزَّع في كل مكان وتكاد تنتشر في مساحة متجانسة متحرِّرة لا مركز لها.

صارت المعرفة بعد الإنترنت تنقل وتخزّن عبر الشاشة، ولا يحتاج الوصول إليها إلى أكثر من عملية تهامسٍ محموم مع الكمبيوتر، إذ أصبحت هذه المعرفة متاحة في اليد وفي جيوبنا الصغيرة، ويمكن الوصول إليها عبر يوتيوب وويكيبيديا وگوگل وفيسبوك وأجهزة المحمول، ومن خلال أي موقع أو بوابة، كما سنجدها واضحة وموثّقة ومصوَّرة وبنسبة أخطاء ضئيلة.

فبواسطة فيسبوك أصبحت لدينا إمكانية الوصول إلى جميع الأشخاص، وعن طريق نظام التموقع العالميّ “GPS” يمكننا الوصول إلى كل الأمكنة، وعن طريق الشاشة يمكننا الوصول إلى كل المعرفة. نحن نطارد فضاءً طوبوغرافيًا تجاوريًا، في حين كنا نعيش في فضاء مِتري يحيلنا إلى مسافات محصورة. وكل ذلك بواسطة تحريك إصبعنا الصغيرة على واجهة شاشة هاتفنا المحمول، في عمليّة اختزالٍ وتكثيفٍ لوجودنا البشريّ، وكأنه تحقيقٌ لنبوءة نيتشه المتعلقة بالتفكير بالجسد:

“لقد آن الوقت لأن يصير الجسد أداة للتفكيرِ لا موضعًا للإدانة”!

الطفرة الإناسيّة ومخاضات الولادة

يرى ميشيل سير بأنّ الوضعية الحديثة لإنسان اليوم تمثّل تمزّقًا كبيرًا لم تألفه البشريّة من ذي قبل، وقليلة هي العيون التي تقدر على قياس حجم التمزق الحقيقيّ. وبحسب سير، فإنّ التمزّق الذي نعيشه اليوم شبيهٌ بتلك الفجوات التي وقعت في العصر الحجري، وفي فجر نشوء العلم اليوناني، وفي بداية العصر المسيحي، وفي أواخر العصر الوسيط وعصر النهضة.

وبذلك يُدشّن تعالق وتواشج اليوميّ والمعاش مع التقنيّة الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعيّ عصرًا جديدًا، لكن يكون فيه الإنسان هو الإنسان. إنّها طفرةٌ إناسيّة، تغيّر مفهومنا للإنسان ومفهوم الأشياء عند الإنسان.

باتت وسائل التواصل الاجتماعيّ والتقنية الحديثة على مسرد أعمال وأبحاث أساتذة وباحثي العلوم الإنسانيّة في مختبرات علم النفس والاجتماع والفلسفة والإناسة (الأنثربولوجيا). فإريك گ‍وردون Eric Gordon يرصد كيف غيرت التقنية الحديثة علاقتنا مع المكان، ولوري أندروز Lori Andrews تتحدث عن تغيّر مفهوم الخصوصيّة، وبيونگ‍ تشول هان Byung-Chul Han يراقب تحوّلات النضال السياسيّ وسلطة الشائع “Trend”، وبروكي وندت Brooke Wendt يشغلها تغيّر مفهوم الذات وتضّخم النرجسيّة، ودونا فيرتاس Donna Freitas تتساءل عن السعادة وكيف غدت في عالم فيسبوك وتويتر، وكيت إيتشهورن Kate Eichhorn تحفر بعيدًا في الذاكرة والنسيان، وديان جيسك Diane jeske تُحدّثنا في ذهولٍ: هل بإمكاننا إقامة علاقات نقيّة وصلبة؟

ابتدأت هذه الطفرة الإناسيّة منذ سنوات. ونحن في بدايات الطريق، وهذا يُشعرنا بالألم، لأنّ عمليات الولادة لا تكون من غير مخاضات. يقول سير: “نحن نشعر بالألم لأننا نلد عالمًا جديدًا وهذا مثير للاهتمام”. لكن يحذرنا سير في كتابه الأخير “كان أفضل من قبل!” من جعل الألم الذي يسبق الولادة أداةً للكهول لإغراقنا بحنينهم المزيّف.

«إنّ الكُهول القائلين لشباب فيسبوك وتويتر بالتنهدات العميقة: “… كان الأمر أفضل من قبل. سقى الله أيام الخوالي!” كَذَبةٌ، لا تصدقوهم. العالم اليوم يتعافى من لعنات تلك الأيام. أنا رجلٌ معتّق آتٍ من هناك، لكنّي لست مثلهم. لقد كنت هناك، لقد كان لدينا فرانكو وهتلر وموسوليني وستالين وماو… وكل هؤلاء الرجال الشجعان»

“قد يحكي لك ابتهاج الكهول بتلك الأيام عن جمالٍ وطيبة. نعم، هذا صحيح، لكن قبل أن تترك الحروب وجرائم الدولة وراءها عشرات الملايين من القتلى. هذا الكهل الذي ينطق ويصرخ: “كان الأمر أفضل من قبل!” لن يحدثك عن السراويل المرقّعة، وأنسجة اليد التي تمزّقت من حمل دلاء الماء، ورائحة روث الخيول المقرفة التي تزكم الأنوف والنفوس وهي تجوب المدينة. لم يعد يتقلب من أوجاع البطن المؤلم بسبب الجوع المستمر، ولم يعد يعض على حذائه من البثرات التي تغزو الفم لعدوى تافهة من شرب حليبٍ حقيقي، ولكنه مأخوذ من بقرة لا يتابعها طبيب بيطري”

لا ينزعج سير كثيرًا من حديث الكهول وتحيّزهم الإدراكيّ، لأنه دائمًا ما يُذكرنا بحكمة عبقري الكم في العصور الحديثة “ماكس بلانك” الذي أحب أن يقول على الدوام:

“لا يتقدم العلم بفضل تجارب ونظريات الفيزياء، ولكن بسبب تقاعد الجيل السابق”.

وختامًا، فإنٍ حديث سير هو إيمانٌ عميقٌ بالإنسان، وإيمانٌ بقدرته على تدبّر أمره. إنّه إيمان الحدس والبداهة، والحدس كما يحكي لنا سير ليس شيئًا نختبره في العالم، بل طريقة نقايس بها كل شيء نعيشه في العالم.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×