البحث عن الملل

لماجد الدوحان
28 أغسطس، 2019

منذ أسبوع تقريبًا، دعاني أحد الأصدقاء لوجبة الإفطار في مطعم يهودي في شمال غرب منهاتن، وصلت على الموعد وأجلسني النادل على الطاولة المقابلة للزجاج الذي يطل على الطريق. كان المطعم المتواضع مزدحم بأهل الحي الذين توافدوا منذ الصباح الباكر، مخبوزات شرق أوربية، وبيض بالسمك، ورائحة قهوة تملأ المكان.

كان صديقي قد تأخر قليلًا حين تلقيت اتصالًا من رقم غريب، اتضح لي بعد أن أجبت على الهاتف أن المتصل قد أخطأ في الرقم ظنًا منه أنني جون، أقفلت الخط وعدت إلى الانتظار مرة أخرى.

منذ حوالي ثلاث سنوات وبينما كنت أملك أحدث جهاز iPhone آنذاك، قمت بشراء جوال آخر بحوالي 50 دولارًا (أو مايعادل 200 ريال سعودي) المرفق في الصورة أعلاه. هذا الجوال محدود المهام، يرسل ويستقبل مكالمات ورسائل نصية قصيرة، يوجد به كاميرا بدقة 1.3 ميگا بكسل وذاكرة بحجم 8 ميگا بايت.

 في البداية، استخدمت الجوّال القديم (فليب-فون) بشكل متصل لمدة سنة، وبعدها بدأت أتردد بين iPhone والجوّال. كل شيء بطيء في عالم الجوال. فمثلًا، لم أستطع نقل سجل الأسماء وأصبحت أجيب على جميع الاتصالات، لم يعد باستطاعتي تجاهل أي منها. مع الوقت قمت بحفظ أهم الأسماء من أصدقائي وجيراني في المدينة، أي حوالي 20 رقم. عملية حفظ الاسم تأخذ مدة أطول (حوالي دقيقة كاملة) ناهيك عن المساحة التي تحاول الحفاظ عليها مما دفعني لأكون انتقائي في تحديد نقاط الوصول.

كنت واعيًا بأن التخلي عن iPhone سيصنع بعض المشاكل، مثل ألا أتمكن من الوصول إلى فيسبوك أو تويتر إلا عن طريق الحاسب. لكن كان هناك مشاكل لم أتنبأ بها؛ لم أعد أستطع أن استمع إلى أغانيَّ المفضلة في الميترو، لم يعد التقاط صور الحيوانات في المدينة ممكنًا أو تصوير انعكاس الشمس على ناطحاتها، أو أن أرسل رسالة صوتية عابرة لصديق دون قضاء خمس دقائق في كتابة سطر واحد. وهكذا، فقدت جميع المميزات التي تصاحب الإتصال المباشر بالإنترنت.

أذكر جيدًا عندما دخل الإنترنت إلى بيتنا

في نهاية التسعينات وبداية الألفية، كنا قد اشترينا جهاز الحاسب من محل لبائع سوري في شارع فهد وسط الخبر، إلا أن البائع الكهل ما كان يعلم كيفية صيانة هذا الجهاز العجيب، فأصبحت بعدها أتردد على أبراج الدوسري في حال أي عطل- وما أكثرها. كنت حينها في الصف الأول أو الثاني ابتدائي. في ذلك الوقت، كان اكتشاف موقع جديد هو أقصى متعة. كنت أكتب أي مجموعة أحرف إنجليزية ملحوقة بـ com. وأرى التفاعل على الشاشة.

أسأل زملائي في المدرسة عن إذا ما كانوا على دراية بأي موقع لا أعلم عنه، حتى أنني شكلت قائمة بعدد المواقع التي أعرفها. ولأنني لم أكن أتقن الإنگليزية آنذاك، كان الوصول إلى موقع عربي أشبه بالمستحيل في ظل عدم وجود محرك بحث. كنت أجلس أمام التلفاز لساعات بانتظار أن يأتي أي موقع في الأخبار أو الدعايات وأدونه سريعًا في قائمتي. كانت جريدة اليوم تصدر عددًا خاصًا كل ثلاثاء معنيًا بـ”العالم الرقمي”، حيث تُنشر فيه جميع مستجدات هذا المولود الجديد. أتساءل اليوم لو كان محرر الجريدة آنذاك يعلم أن هذا المولود سيكبر ويأكل الجريدة بما فيها.

مثل معظم أبناء جيلي، ولعت بهذا الجهاز منذ أول يوم دخل فيه بيتنا، لم يكن يسرقني من دراستي فلم أكن أدرس، لكنه كان يسرقني من أجهزتي المفضلة الأخرى؛ كالبلاي ستيشن والگيم-بوي. أذكر في إحدى الأيام وعندما ضاق الحاسب ذرعًا بي انفجر المحوّل مصدرًا دخانًا كثيفًا يكاد يحجب الرؤية.

كان أول موقع أتعرف عليه هو الهوتميل، أنشأت عنوانًا بريديًا بشق الأنفس وبعد ساعات من ملء الفراغات المتطلبة واستشارات زملاء الصف الأعلى درجة في مادة اللغة الإنگليزية. كنا نتراسل يوميًا بعد المدرسة على البريد، ابتداءً بالنكت والقصص المرعبة وانتهاءً بالجنس. إلا أن مساحة البريد الإلكتروني كانت 2 ميگا بايت آنذاك (ربع مساحة الجوال)، مما يعني أنه يجب أن تمسح الرسائل باستمرار.

في البداية كانت عملية المسح سهلة لأن الاختيار يقع على الرسائل الأقل أهمية، لكن بعد مرور الوقت بدأ بريدي يمتلئ بالرسائل المهمة، فأصبحت عملية المسح أصعب ويجب علي أن أختار الرسالة الأقل أهمية، وما أصعب الاختيار.

كان الهوتميل محدودًا ومليئًا بالكلمات الإنگليزية التي لا نعرف معناها، فعرّفني والدي على موقع جديد؛ ويكيبيديا. أصبح ويكيبيديا صديقي الدائم الذي يستقبلني كل يوم في صفحته الرئيسية بعنوان مختلف، أذكر أنه في أحد الأيام كانت الصفحة عن أحد أنواع القندس، وهكذا، من القندس إلى الخشب ومصادره وعلاقة المصانع بالاستعمار. كانت -ومازالت- كل صفحة من ويكيبيديا تحيل إلى عدد لا نهائي من المعلومات. عدد لا نهائي من العوالم إلا أن ويكيبيديا العربي آنذاك كان ضعيفًا مقارنة باليوم، كما أن سرعة الإنترنت لم تكن كفيلة للقفز برشاقة بين الروابط والصفحات.

صعوبة الوصول

في ذلك الوقت، كانت صعوبة الوصول هي أكبر عائق للمستخدم، من عناوين المواقع إلى سرعة وتكلفة الإنترنت والحجم الضئيل للبريد الإلكتروني، ناهيك عن محدودية أنواع الوسائط الممكن تداولها. كان أغلب استخدامنا يتمحور حول النصوص والقليل من الصور.

في البداية، لم يكن هناك إمكانية للوصول إلى السمعيات -ناهيك عن المرئيات-. كنا إذا أردنا تحميل أغنية جديدة لـ “إيمنيم” نضطر للذهاب إلى بيت صديقي الذي يسكن في أحد المجمعات السكنية حيث توفر لهم الشركة اتصال انترنت سريع ومجاني! أذكر آنذاك أني فتنت بأغنية إنگليزية تأتي صباحًا على راديو أرامكو، لم أستطع أن أستشف ما هي الأغنية، حاولت أن أردد اللحن لزملاء المدرسة (نفس الزملاء الذين ساعدوني على إنشاء حساب الهوتميل) ولكن دون جدوى.

لم أصل إلى الأغنية إلا بعد حوالي 4 سنوات من سماعي لها للمرة الأولى وبالصدفة المحضة. لا أذكر أني فرحت بأغنية كتلك.

اقرأ أيضًا: أبو الإنترنت الروحي: “الشبكة مضيعة للوقت”

أيًا يكن من الأمر، بقدوم الإنترنت -والذي صادف بداية حياتي الواعية- أكاد لا أمتلك أي ذكرى لحياة خارج هذا العالم. عندما أنظر للوراء، يمكنني تتبع أحداث حياتي بالتزامن مع قصة الإنترنت. عرفت الهوتميل مع الانتفاضة الثانية، وويكيبيديا عندما توفي صديقي. الماسنجر خلال كأس العالم 2002 في اليابان والنت-لوگ إبان إعدام صدام حسين، ومنتدى مكسات في نهاية المرحلة المتوسطة. هكذا إلى أن وصلت تويتر مع بداية الربيع العربي.

بمرور الوقت، اختفت المشكلات التي واجهتها في نشأتي مع الإنترنت، والتي كانت جميعها أيضًا تتمحور حول إمكانية الوصول. لم أتخيل في يوم من الأيام أنه بلمسة واحدة يمكن أن يستمع هاتفي للحن ما ويزودني باسم الاغنية، اسم المغني، سنة الإنتاج وصورة الألبوم. وليس في أربع سنوات بل في أربع ثوان.

في البدايات، كانت صعوبة الوصول -والتي اعتبرتها مشكلة آنذاك- تحد من جموح الإنترنت. كانت هذه العوائق تمثل السد الذي يحمي المستخدم من الغرق في سيل الإنترنت اللامتناهي. اليوم، وبعد أن تطورت إمكانية الوصول، لم يعد الوصول للإنترنت من خلال جهاز حاسب ضخم بمحوّل قابل للاحتراق، بل في الهاتف، الساعة، السماعة وقريبًا النظارة.

سهولة الوصول

سهولة الوصول جاءت بمميزات لم تتوفر لأي فرد في التاريخ من قبل. فعلى سبيل المثال، يمكنني الآن التوقف عن الكتابة، أقفل صفحة الملاحظات وانصرف لقراءة أي كتاب طبع منذ صنعت الطابعة. يمكنني أيضًا أن أصل لإجابة أي معلومة أود أن أعرف إجابتها.

كما يمكنني أن أستعيد كل محادثة مع أي شخص حادثته في الإنترنت منذ سنوات الهوتميل إلى اليوم. قبل ساعة، رأيت إعلان مطعم كوري في الشارع، ذهبت إلى گوگل وبحثت عن تاريخ الملفوف الكوري وطريقة تحضيره، ليس لأنني سأحضره بنفسي، بل لأنني أريد أن أعرف. يمكنني أيضًا أن أذهب إلى تويتر وأشارك هذه المعلومة مع سبعة آلاف شخص، وإذا حالفَ الحظُّ الملفوفَ، قد تصل المعلومة إلى عشرين، خمسين أو مئة ألف، كل هذا خلال أقل من دقيقة.

ومثلما أنجبت سهولة الوصول عناصر جديدة للبشرية، فقد قتلت عناصر أخرى. إذا أخذنا عنصر المفاجأة على سبيل المثال، فإن أي سؤال خَطَرَ أو قد يخطر على بالك يمكنك أن تجد له إجابة، ليس فقط على صعيد المعلومات بل حتى في الأسئلة الدينية أو الأخلاقية، يمكنك أن تجد في إسلام ويب أو ياهو إجابة لأي سؤال قد يخطر على بالك مهما اعتقدت أنك أول من فكر به.

لا يمكن أن تخوض تحديًا مع صديق عما إذا كانت الأرجنتين أكبر من كولومبيا أو أين يتوقف نهر النيل، لا يمكنك أن تتنبأ بالجو غدًا، ولا يمكنك أن تتفاجأ بزحمة الطريق أيضًا. لا يمكنك أن تختلف مع صديق حول نقاش قديم، لا يمكنك أن تضل الطريق لأي مكان أو أن تضطر لاستخدام الفطنة في تحديد الاتجاهات. لا يمكنك أن تنتظر أغنية في الراديو، ولا يمكنك أن تشتاق لشخص. كل شيء متاح؛ هنا والآن.

الملل

إلا أن أكبر مشكلة -والتي لم أواجهها منذ سنوات- كانت الملل. لا أذكر متى فقدت الملل تحديدًا، لكن لم يعد هناك فرصة له. لم يعد هناك فرصة لفعل اللاشيء. آخر ذكرى واضحة مع الملل كانت في الطفولة عندما أذهب مع أمي لمستشفى اليوسف، وأجلس لانتظار رؤية الطبيب.

كانت ساعات غرفة الانتظار حينها تبدو وكأنها الدهر. غرفة مليئة بالنساء والأطفال، كنت أفعل كل شيء لتزجية الوقت، مثل أن أحسب عدد الناس في الغرفة، أو أن أحاول حدس ملامح الأمهات من خلف النقاب وأتساءل كيف يمكنني أن أميز أمي من بينهم وأنا لا أراها. أو مثلًا أن أحسب عدد اللمبات المعطلة لكنها مازالت معلقة. كنت أحدق في السقف المصنوع من الجبس وأصنع أشكالًا أعطيها المعنى من النقاط العشوائية، كان ذلك السقف يحوي قططًا وسلاحفَ ومخلوقات غريبة لم أرها من قبل.

وعندما تنتهي لعبة الحساب أذهب لبرّادة الماء، أخلط الماء البارد والساخن وألعب بالأكواب المخروطية لأصنع منها بيوتًا لهذه المخلوقات.

بعد ما يقارب العشرين عامًا من تلك الغرفة (والتي لا أود أن أعود لها يومًا) عاد الملل مرة أخرى، لكنني هذه المرة لم أعد أعرف كيف أتعامل معه. استبدلت الأغاني في الميترو بالجرائد، لكن دائمًا ما انتهي منها قبل أن ينتهي المشوار، أو أن أضطر لأقرأ ملحق الرياضة. فأبقى أمام خيارين: إما أن أقرأ شيئًا لايهمني، أو أن أواجه الملل، صديقَ ردهة المستشفى القديم.

وأحيانًا تداهمني أفكار مثل فكرة الملفوف الكوري، وأشعر برغبة عارمة في معرفة الإجابة لكنني لا أستطيع. دائمًا ما كانت تختفي هذه الرغبة سريعًا مثلما جاءت، بل إنني أنسى ما أردت البحث عنه عندما أصل إلى البيت.

أصبحت الحياة بدون iPhone أشبه بالسباحة بدون طوق نجاة. لم يعد باستطاعتي معرفة الطقس، يجب أن أتابع النشرة بعد الأخبار، أو أن أفتح الحاسب لأبحث عن موقع الطقس وأتزوّد منه بالحالة الأسبوعية.

لم أعد أستطيع أيضًا أن أصل بسهولة لأي مكان، يجب أن أقوم بتحديد الأماكن التي سأقوم بزيارتها مسبقًا. اضطررت لشراء دفتر صغير أسجل فيه عناوين الأماكن بأرقام التقاطعات قبل أن أخرج. لم يعد بإمكاني معرفة ما هو ألذ مطعم ياباني حولي، أصبحت أضطر لأن أبحث في الشارع عن لافتة باللغة اليابانية، أدخل المطعم، أطلب قائمة الطعام من النادلة، وأتفحص أسماء الأطباق والتي غالباً تكون غير مزودة بالصور مما يدع مجالاً للخيال.

وبما أنني دائمًا ما أقضي جل يومي خارج المنزل فأنه يوجد دومًا متسع للمفاجأة والملل. مثل أن أقوم بزيارة مطعم رديء، أن أتأخر عن موعد لأنني أضعت الطريق، أو أن أسأل المارة عن المكان الذي أريد الوصول إليه. أصبح القيام بأي شيء أبطأ، ويستدعي جهدًا وطاقةً أكبر. الأدهى من كل ذلك أنه لم يعد بإمكاني إيجاد إجابة عن أي سؤال يخطر لي.

بعد أن انعكست الآية

في نفس الوقت، أصبح بإمكاني أن أرى السقف مجددًا، بدأت التفاصيل تعود شيئًا فشيئًا. النتوءات في الرصيف، وجوه الناس وصوت المدينة. مع صعوبة إمكانية الوصول أصبح هناك إمكانية لحدوث خطأ، أن يكون هناك إمكانية للخطأ أي أن يكون هناك تجربة، بدون هذا الاحتمال تصبح التجربة عملية مصممة بدقة متناهية ضمن خوارزميات معقدة لا ترضى بالخطأ كخيار.

صعوبة إمكانية الوصول ترغمك بما لا ترغب على فعله، كأن تتحدث مع الغرباء في الطريق أو أن تقرأ شيئاً لا يعجبك. فمثلاً، هناك كاتب ينشر مقالة أسبوعية في آخر صفحة في النيويورك تايمز، لا أستطيع أن أقول شيئًا غير أني أمقت كل شيء يخرج من فمه، لكنني أقرأه، ألعنه وأراجع مع نفسي سبب بغضي له. أصبح هناك فرصة للامتعاض. وإن لم أكن في مزاج للقراءة، أقوم باسترجاع فكرة أو حدث قديم وأعيد تحليله، أنظر حولي لأرى تفاعل الأشياء. أو في أسوأ الأحوال، أقوم بفعل اللاشيء؛ أشعر بالملل.

دائمًا ما كانت قصة المعرفة تدور حول صعوبة الوصول إلى المعلومة، وأي محاولة للوصول إليها تعتبر إيجابية بحد ذاتها. هذا الرتم المتسارع لإمكانية الوصول دائمًا ما يقدم نفسه ضمن غطاء خالٍ من أية مضامين، بل ضمن سياق تطور حتمي، محايد و“طبيعي”، ينم عن تقدم الإنسان في مجال التكنولوجيا، والذي يمر في أغلب الأحيان بدون أي مساءلات عن محركاته، من المستفيدين من خلفه أو كيف وصلنا إلى هذه المرحلة، وليست مصادفة أن أغلى الشركات العالمية اليوم قائمة على الإنترنت وإمكانية الوصول من خلال الجوال، خصوصًا بعد اكتشاف محدودية إمكانية الوصول من خلال الحاسب، والتي ستكون أحد أهم أسباب موته.

اليوم وبعد أن انعكست الآية وأصبح الإنترنت من يصلنا ولسنا من نصله، يجب علينا إعادة التفكير فيه، أو على الأقل أن نضعه في مكانه لا أن يضعنا في مكانه، في محاولة أخيرة لإنقاذ السد والحفاظ على ما تبقى فينا.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×