أبو حيان التوحيدي: أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء


لسمر الفوالجة
10 سبتمبر، 2019

في الرواية الفانتازية “فهرنهايت 451” التي تصور الإطفائي گ‍اي مونتاگ (Guy Montag) الذي يُقْدم على حرق الكتب الممنوعة بأمر من السلطات العليا، ثم ما يلبث حتى يبدأ بسرقة الكتب المفترض حرقها لتُكشف جريمته أخيرًا، فيُحرق منزله عقابًا له.

يلجأ گ‍اي مونتاگ‍ بعد ذلك إلى الريف ويجد هناك مجموعة من الهاربين الذين يحفظون عددًا من الكتب عن ظهر قلب أملًا بتدوينها حين تصبح المجتمعات أهلًا للمعرفة. 

فهرنهايت 451
فهرنهايت 451

لطالما ذكرني هذا “السرد الجهنمي المفتون بالخيال” كما عبر الروائي والناقد كينگ‍سلي إيمس (Kingsley Amis) بكثيرٍ من السرديات المأساوية للكُتَّاب، فهذا ابن رشد تُحمل مؤلفاته على جنب الدابة فيما تُحمل جثته على الجنب الآخر في مشهد جنائزي مثقل بالمعاني البليغة والمُنكِّدة، “فهذا الإمام، وهذه أعماله” كما قال الناسخ أبو الحكم شهادةً على هذا الموقف الرهيب.

كذلك تكشف لي نفسي عن نهر دجلة وقد حوله الحبر إلى سواد لكثرة الكتب التي أجهز عليها هولاكو (Hulagu Khan).

أما عن ذلك الرجل الذي بلغ نحو التسعين، وقضى هذا العمر في التأليف والنسخ والمراسلة، يُقدم في النهاية على إتلاف أعماله بنفسه، كنوع من التوبة والإنابة؛ إذ كان يرجو من مؤلفاته المكانة والرفعة فقرر إتلافها لعدم إخلاصه فيها، فهو أبو حيان التوحيدي.

إن هذا الموقف الذي سلكه التوحيدي للإنهاء على مؤلفاته يحملُ من الغرابة والعمق والفزع ما لا يقل عما حملته حياته الواسعة من ذلك، ويجد القارئ للتوحيدي أن اشتقاقات الغرابة لا تغيب عن حاله، فهناك الغرابة والتغرّب والاستغراب والاغتراب والغربة ويكفي من حاله اختلاف المؤرخين في أصله ومولده وموته، حتى أن أسرته لم يُذكر عنها شيء، وكذلك طفولته المشوقة، ولا بد أن تكون كذلك لرجل يتصف بكل تلك النباهة والتدقيق ورجاحة العقل وسوء الطالع وكثرة التشكي.

حياة التوحيدي

غلبت كنية صاحبنا التوحيدي ولقبه على اسمه، ولم يصرَّح في مؤلفاته إلا بهما، وأمَّا اسمه الذي ورد عند المؤرخين فهو “علي بن محمد بن العباس التوحيدي” وانفرد عنهم معين الدين الشيرازي في كتابه “شد الإزار عن حط الأوزار”  فقد سماه “أبو حيان أحمد بن العباس الصوفي التوحيدي”

عاش التوحيدي في القرن الرابع الهجري، وهي فترة اتصفت بتدني الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أما النتاج الفكري والحياة العقلية فقد سارت سيرها المطَّرِد على هامش الحياة السياسية وتوسعت ونمت، فشهد هذا القرن الذي يطابق العصر العباسي الثالث نتاجًا فكريًا مميزًا قل أن عرفته الأمم الإسلامية.

وقد تلقى العلم على يد كبار علماء عصره، فدرس علوم القرآن والفقه والشعر والحساب على يد أبي سعيد السيرافي، كما درس علم الكلام والمنطق والعربية على يد عليّ بن عيسى الرماني، ودرس الفقه الشافعي على يد عدة شيوخ أحدهم أبو حامد المروروذي، ودرس الفلسفة على يد أبي زكريا يحيى بن عدي النصراني.

وكان يجتمع عند أبي سليمان السجستاني مع أهل العلم لتلقي الحكمة والمنطق، ويتبين حرص التوحيدي على تدوين أقوال أستاذه في كتبه عامةً، وفي كتاب المقابسات خاصة.


حرفة الوراقة

تميزت شخصيته بالاطلاع الواسع الكبير والمعرفة الدقيقة، وكان قارئًا لثقافة عصره قراءةً نقدية تحليلية مؤسَّسة على طرح منهجي قائم على رؤية إنسانية، وقد ذكر الكثير من أسماء البارزين في ثقافات الشعوب وتبنَّى معارفهم فيما يتفق مع اتجاهه الفكري، فالفكرة لا موطن لها، إنما تؤخذ أينما وجدت، ولا شيء يحد من توظيف الأفكار، إنما تُوظَّف بحسب فاعليتها.

لقد كان التوحيدي على دراية بثقافة عصره، وقد جمع في كتابه “البصائر والذخائر” وكتاب “الصداقة والصديق” مقتبسات متنوعة من الأدب والفلسفة والأمثال والحكم والفقه والشعر، ولولا عناية التوحيدي بهذا الجمع والذكر لَنُسيت مثل هذه العلوم والفنون كما نُسي غيرها كما يقول الباحثون.

كان أبو حيان حَسن الخط عارفًا بفنونه وألوانه، وقد ألف فيه رسالة عُدّت من أقدم ما أُلِّف في العربية، واستطاع بواسطة عمله في الوِراقة الوصولَ إلى وزراء العصر، فقد استكتبه الوزير ابن العارض كتاب “الحيوان” للجاحظ، وكان التوحيدي ملمًّا بهذا الكتاب، قادرًا على ضبطه وفنه، إلا أنه ضجر في النهاية من هذه الحرفة، بل ونعتها بحرفة الشؤم، وكان يطمح إلى عمل أقل عناء، فصار من يومها برِمًا بتحصيل القوت.

ونجده يشكو حالة العوز ومرارته وهو يخاطب أبا الوفاء المهندس:

“أنقذني من لبس الفقر، أطلقني من قيد الضر، اشترني بالإحسان، اعتبدني بالشكر… اكفني مؤونة الغداء والعشاء. إلى متى الكسيرة اليابسة، والبقيلة الذاوية، والقميص المرقع… إلى متى التأدم بالخبز والزيتون… قد أذلني السفر من بلد إلى بلد، وخذلني الوقوف على بابٍ باب”

إلا أن حرفة الوِراقة تركت ظلالها على ثقافة التوحيدي وسعة معارفه، فقد أكسبه استنساخ ما يُطلب منه التحلي بسعة الصدر، ورحابة الذهن، وتقبل الآراء المختلفة، والأفكار المتباينة.

كما أثر اهتمامه وحرصه على إتقان ما ينسخ بغير تصحيف وتحريف في سلامة لغته وارتقاء أسلوبه. كما أن الوراقة ببغداد كان لها سوق رائج، فأخذ يرتادها العلماء وطلبة العلم ويتناظرون ويتجادلون، وكان التوحيدي يشهد هذه المناظرات ويدونها، ويحتفظ بنسبة القول إلى صاحبه، أو قد يشترك فيها.

مأساة التوحيدي

عاش التوحيدي حياة موحشة، ومضطربة، وتحمل من النكسات والويلات ما جعله يشعر بالنبذ والانكسار، ونجد أن المَلمَح الوجودي الأول لحاله هو شعور الغربة الذي ألمّ به واستحكم، فما استطاع منه فرارًا، ولم يجد له فكاكًا.

نعم، لقد كان التوحيدي كثير التشكي من حاله وحال عصره، “يتشكى صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه” بتعبير ياقوت الحموي، ومن نكت ما قرأت تعجب عبد الرزاق محيي الدين في كتابٍ له من التوحيدي فيقول:

“عجزنا عن تعيين عهد رضيه، وزمان اطمأن إليه، وإخوان أنس بهم، وأصدقاء ألفهم-عدا أساتذته ومشائخه-. في عهود الشباب  يشكي الهرم، وفي أيام نشاطه الذهني ومجده العلمي يصف نفسه بانكسار النشاط، وانطواء الانبساط، وتعاود العلل”

وفيما يُعلَّل حال هذا التناقض في واقع التوحيدي وفي ما يُكتب بأنه وسواس ومرض، نجد أن عبد الرحمن بدوي كان أشد عمقًا ودراية بحال صاحبنا، فحال التشكي والتلوي ليس للاستمتاع بالتغني، والألم ليس إرضاء لنزعة أدبية أو هاتف رومانتيكي كما يقول، بل في حياته ما يدعو إلى هذه المرارة، فألم بسيط من شأنه أن يرفعه ليكون ألمًا سرمديًّا، فالوجودي يرى في كل شيء رمزًا، وأبسط الأمور عند الآخرين تحمل عنده آفاقًا خصبة من المعاني.

ويراوح بدوي بين فرانس كافكا والتوحيدي بوصفهما أديبيْن وجوديين لقيا من الحال التشابه الكبير، فكلاهما لقيَا من الدهر الألم والعنف ما لقيه صاحبه، فاتفقا على أن هذا عالم الخطيئة حيث يشعر الإنسان بالتضاؤل في إمكان الوجود، وعالم السلب الذي يضع الحدود في اتساع الممكنات، وترتد النفس الإنسانية إلى السرداب الذي تحدث عنه ديستوفيسكي؛ هناك حيث المستنقع الذي تنبعث منه روائح منفرة لكل شعور حي بمعنى الحياة، ومدلول الوجود.

وعلى ما يبدو لنا أن أهم أسباب الشقاء الذي لحق بالتوحيدي كان جراء ما سعى إليه من الرياسة والجاه فحُرم منهما، وزاد عليه أنه طلب المكانة من أناس احترفوا الأدب مثله وشغلوا مراتب الوزارة، فظن أنهم يعرفون قدره، إلا أنه ما وجد منهم إلا الامتهان والتحقير.

ولم يكن للتوحيدي ولد أو صديق أو تابع أديب، ففُرضت عليه الوحدة والوحشة الهائلة في الدنيا، فأحس أنه غريب الوطن، غريب الأهل، ليقول أخيرًا بنبرة صارخة موجعة:

“بل الغريب من هو في غربته غريب”

لقد بات غريبًا حتى في غربته، أي أنه في طور غربة ديناميكية، فكلما شعر أن الغربة تستحيل وطنًا، يرحل عنها حتى يظلّ غريبًا أبدًا.

إن ضيق الوطن جعل من التوحيدي سواحًا منطلقًا إلى فسيح الأرض فطوّف النفس في فارس والعراق وأرض الحجاز، ولبس رث الثياب.

وكان من سعد حظنا -والمفارقة عجيبة- أن يحيا التوحيدي بهذا النتف والانتقاص، بعيدًا عن الوزراء يكتب لهم الثناء وينشغل برسائلهم، بل شكلت مرارته نصوصًا أدبية عظيمة، مشحونة باللهيب والهجو وكثرة الحنق على أصحاب المكانة، وقد صوّر حال العصر بمزاج بعيد عن تخوفٍ من زوالِ مكانة، أو قطع نصيبِ مال وهدايا.

فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة

عالجت الفلسفة العربية المسائل الطبيعية والميتافيزيقية والمنطقية في إطار المذهب الفلسفي المتكامل، وغلب عليها الطابع المثالي، وحاكت الواقع إلا أنها لم تصله، وعبرت عن جوانب ثقافية ومعرفية، إلا أنها لم تلامس هموم الإنسان، لكنها حاولت الارتقاء به، فكانت فلسفة عقلية كما الفلسفة اليونانية.

وفي حين لم يلامس المذهب الفلسفي هموم الإنسان بالصورة الواقعية، كان للتفكير الفلسفي نصيبُ تلك المعالجة. ويرتبط التفكير الفلسفي بالقضايا الجزئية عادة، ويعاينها معاينة واقعية، كالحكمة والأمثال، أو “الكلمات-الأفكار” كما يشاع في النثر العربي، فكثيرة هي الكلمات القليلة المعبرة عن جزء من مذهب فلسفي.

لقد انبجس التفكير الفلسفي من رحم الدراسات الأدبية، وبرز تيار نقدي في أعمال الأدباء الفلاسفة كما يُطلق عليهم مجازًا، وقد خرج هذا التيار بنتاج فلسفي لكن بقوالب أدبية، واعتمد في تفكيره على ما يطلق عليه “أدب الشذرات”، وقد كانت قضيته الأولى هي الإنسان في بنيته ومفهومه، والعلاقات، والأبعاد الاجتماعية والوجودية، و حالة أترابه، ووعيه، وإدراكه لهدفه وغايته.

وتمخض هذا التيار وعكس البنية الاجتماعية وتفاعلاتها الإنسانية، وقد ظهر هذا المنزع قرابة القرن الرابع الهجري، والذي تمثل بالدعوة إلى العقل والحرية والجمال، كما عبر عن حالةٍ من الوعي والتطور الثقافي، والفعل الحر والواعي لإنسانِ ذلك العصر الذي انعكس في سلوكه، وتفاعله مع بيئته، ونظرته المتأملة للحياة.

ونجد هذا التفكير الفلسفي المزخرف في قالب أدبي منمق عند الجاحظ وابن المقفع و مسكويه والتوحيدي ويحيى بن عدي والمعري وغيرهم، هؤلاء الذين عالجوا التشاؤم والهموم والغربة في هذا الوجود، وجعلوا من الإنسان وقضاياه أسمى القضايا والمسائل، وحاولوا أن يبثوا شعور الإنسان في هذا الوجود المختلط بتناقضات الدهر وتصاريفه. 

لقد كان هذا الأدب مُعبرًا عن مأساة الإنسان، وكما يقول الروائي محمود المسعدي:

“الأدب مأساة أو لا يكون، مأساة الإنسان يتردد بين الألوهية والحيوانية، وتزف به في أودية الوجود عواصفُ الألم والشعور بالعجز أمام القضاء، أمام الموت، أمام الحياة، أمام الغيب…”

وقد نجح التوحيدي في أن يكون من أعمدة هذا الأدب، حيث يمزج العاطفة الشاعرية بالنظرة الفلسفية الثاقبة، وقد ذكره ياقوت الحموي بوصفه “فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة” وبهذا يختلط الموضوعي بالذاتي.

ويمكن أن نضيف عليه تلك الخصال التي قالها محمود درويش في الشاعر سعدي يوسف، حيث بلغ هذا الأخير من النضج خبرةً تجعل من حياته وحياة النص واحدة ومنفصلة في ذات الوقت، فهو يعبر عن نفسه ولا يعبر عنها وحدها في اللقاء الحميم بين داخله الذاتي وخارجه الموضوعي في عملية مركبة يتبادلان فيها الأدوار.

وإن كنت أريد تلخيصًا لمميزات “الكتابة التوحيدية” فيمكن القول بأنها كتابات تمتاز بالموسوعية والشمول، كما أنها غير منظمة ومنسقة، فنجد فيها الشعر والنثر والحكم والأمثال والسؤال والجواب والهزل والجد والموعظة، إلا أن ذلك يضفي فرادة على “الكتابة التوحيدية”، ويمكن الذهاب مع آدم مِتس في وصف التوحيدي بأنه أعظم كُتاب النثر العربي على الإطلاق.

الإنسان قد أشكل عليه الإنسان

وردت في الأسئلة والمحاورة التي جرت بين التوحيدي ومسكويه في كتاب “الهوامل والشوامل” هذه العبارة التي تُستنطق في كل عصر “الإنسان قد أشكل عليه الإنسان” وذلك في سياق الحديث عن النفس وعلاقتها بالجسد، ليرد مسكويه عليه بإجابات متأثرة بفلسفة أرسطو.

تصبح هذه العبارة صالحة للتأويل والتنزيل على كل عصر لما ننزعها من تاريخانيّتها ، فتشمل حديث الذات منذ أرسطو، حتى ابن سينا وديكارت، وصولًا إلى “التذويت” وأصل هرمينوطيقا الذات وثقافتها عند ميشيل فوكو.

إن عبارة التوحيدي المفتوحة على الدلالات المختلفة والمتصدية لتاريخية النص تعمل على تغاير المسافات، فتقرّب المعنى للقارئ، وتجتمع حينها مشاعر وأفكار الماضي والحاضر، وعلى هذا الأساس يبقى الإنسان نقطة الارتكاز في التحولات الاجتماعية والثقافية، ويبقى التنظير للإنسان مستمرًا عبر التداخل الزماني الذي تشكله مثل هذه العبارات.

إن من الطبيعي القول بأن التوحيدي لم يدرك ميادين العلوم الإنسانية وتقسيماتها الحداثية، لكننا نستطيع أن نجزم بإدراكه لنقطة الارتكاز التي تقف عليها هذه العلوم، وهي غموض الإنسان في تعدده وتغيره. لقد عاش التوحيدي عمرًا طويلًا عرف فيه الكثير من الناس، وسافر إلى العديد من البلدان، واستطاع التعبير عن عمق فعاليات الذات الإنسانية لمعرفته بسيكولوجية الإنسان الدقيقة من خلال الوقوف على حاله ونوازعه.

لقد أشكلت على التوحيدي ذاته، وأشكلت عليه ذوات الآخرين، وعجب من مزاجية هذه الذوات المتقلبة، والنوازع المتعددة، والحالات المضطربة.

“فإنك إن عملت قالوا: راءيت، وإن قصرت قالوا: أثمت، وإن بكيت قالوا: شهرت، وإن ضحكت قالوا: جهلت، وإن نطقت قالوا: تكلفت، وإن سكت قالوا: عييت…”

من أمثال العامّة كما نصّ عليها أبو حيّان التوحيدي في البصائر والذخائر.

مؤلفات التوحيدي

لقد كتب التوحيدي العديد من المؤلفات، وتتميز كتابات التوحيدي كما سبق منا القول بأنها تشتمل على العديد من أنواع الأدب كالشعر والنثر والأمثال والحكم، كما أنه ينتهج لغة سماوية عالية، فيها من البيان والصياغة المشرقة النصيب الكبير، ويجد القارئ لذة النص بتعبير رولان بارت، فأسلوب صاحبنا لذيذ بليغ بعيد عن الجمود وجفاف اللفظ، كما أنه سهل دلق على أكثره.

وأشير هنا إلى كتابه “الصداقة والصديق“، و“الإشارات الإلهية”، وأخيرًا الكتاب الذي لم يصل إلينا “الحج العقلي إذا ضاق القضاء عن الحج الشرعي”، غير أن لصاحبنا غيرها: ككتاب “المقابسات”، و“الإمتاع والمؤانسة”، و“البصائر والذخائر”، وكذلك العديد من الرسائل في التصوف والطبيعيات والفقه والمناظرة، و”مثالب الوزيرين” والذي كشف عن صنعة التوحيدي التي أجاد وهي الذم وثلب الناس.

الصداقة والصديق

إن التوحيدي الذي خدشته الدنيا وعاش في البعد والإقصاء يتلقى عنت الحياة، كان لابد له من السعي والبحث عن صديق أريب، يشاركه هذا الوعي المأساوي، ولما نجده لم يكسب تلك الصداقة الحقيقية والدائمة حتى مع مسكويه نفسه، فقد أخذ التوحيدي يقرع صاحبه هذا ويهجو صفاتٍ تحامل عليه فيها، وانشغل بالكتابة عن الصديق الذي ينبغي أن يكون.

ويقدم في هذا الكتاب تعريفات الصداقة التي أوردها الفلاسفة، ويذكر شروطها، وقصصًا وقصائد مما ورد عند العرب والشعوب في هذا المعنى الشريف.

والسبب الذي دفع التوحيدي لجمع تلك النوادر والحكم في كتاب أنه سُمع منه في مدينة السلام يتحدث عن الصداقة والشعرة والمؤاخاة وجليل الخير الذي مُحي أثره بين الناس، فسُئل أن يجمع ذلك ويثبت في رسالة فكان له أن يفعل، فكانت رسالة تامة كما يقول، يُنتفع بها في المعاش والمعاد.

وقد بدأ التوحيدي هذا الكتاب في مستهل شبابه فأهمله وغفل عنه مرات إلى أن أتمه في أواخر حياته، أو على نحو ما قاله بعد أن غربت شمسه رأس الحائط، ويعد هذا الكتاب إضافة لقيمته الأدبية وسجلًا وثائقيًا أبان عن طبقات ذلك المجتمع، ونوع العلاقات التي تحكمها، وبعضًا من القضايا الفكرية والفلسفية التي شغلت إنسان ذلك العصر كالطوالع والنجوم وربط أعمال الإنسان بحركات الكواكب.

ومن التعريفات التي أوردها صاحبنا التوحيدي لمعنى الصداقة قول أرسطو:

الصديق آخر هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك

إلا أن التوحيدي يرى أن هذه الصداقة والألفة والأخوة قد:

“نبذت نبذًا، ورفضت رفضًا، ووطئت بالأقدام، ولويت دونها الشفاه، وصرفت عنها الرغبات”

ويمكن القول أن دراسة التوحيدي في الصداقة تنبهت إلى أن الصداقة بشروطها وقيمتها المثالية لا وجود لها حقيقة، إلا أن للصداقة مفهومها التجريبي الذي يلامس الواقعية وهو المعنى السائد بين الناس، ويبين التوحيدي في هذه الواقعية المعايير القيمية والأخلاقية في العلاقات والتي لحقها الخلل والانقلاب.

ويطلعنا التوحيدي على أمر ينبغي لنا أن نتصف به في موضوع العلاقات وهو الحذر، إن صاحبنا يقف على أرض نيتشوية بحق،  فيعلن أنه ليس ثمة صديق، ولا من يتشبه بالصديق، ولذلك قال الثوري لرجل قال له: أوصني، فقال: أنكر من تعرفه!

إن التوحيدي يعطي القارئ ذلك العزاء مما قد يجده من زمانه وخلانه، إنها صرخة أبي هريرة في رواية المسعدي:

إليكم عني يا أبناء النّكر يا بني الإنسان … والله لقد عاشرت واستأنست أشباهكم كثيرًا وحسبت أن في العشرة سعة النفس واليمن والنعمة، فما كان منه إلا خلاء الخيبة ووحشة الوحدة”

ويشبه ما أورده التوحيدي عن جميل بن مرة الذي قال:

لقد صحبت الناس أربعين سنة فما رأيتهم غفروا لي ذنبًا، ولا ستروا لي عيبًا، ولا حفظوا لي غيبًا، ولا أقالوا لي عثرة”

الإشارات الإلهية

هذا الكتاب مشتمل على خمسين رسالة، تتراوح بين القصر والطول، وتحمل بعض الرسائل عناوين فرعية. ويتميز كتاب التوحيدي هذا بكونه بعيدًا عن أي مطمع دنيوي، فالرسائل مناجاة شفافة تستجير الله وحده بصفاء القلب، وانشراح الخاطر، واستجداء المعونة منه باليقين والمغفرة والتفضل بالحب واللطف.

يمكن في هذا الكتاب تلمس المنعطف النوعي في حياة التوحيدي، فنجد ابتعاده عن الفلسفة وركونه نحو التصوف، وبلغ هذا الكتاب ما بلغ -كما يقول بدوي- من السمو والموسيقى والتمكن من الأداء، وكذلك فإن التشابه بينه وبين الجاحظ أظهرُ ما يكون في هذا الكتاب من مؤلفاته الأخرى.

لقد عانى التوحيدي من تجارب الحياة، وقاست نفسه مرارة الناس ودنيا الناس، فصرخ صرخة الخائب المنكسر. إن في هذا الكتاب شعورًا بهوة هائلة تفرغ فاها في نسيج الوجود، وفيه طعم الرماد يتذوقه المرء في كل عبارة وإشارة.

الحج العقلي إذا ضاق القضاء عن الحج الشرعي

يذكر ياقوت الحموي وغيره أن هذا الكتاب لم يُعثر له على أثر، ويرى مارگليوث (Margoliouth) أن الكتاب يوحي بزندقة شبيهة بتلك التي لحقت بالحلاج. إن ما يتبادر للقارئ من العنوان أنه يحمل فكرة المتصوفة كالبسطامي وابن عربي والحلاج في النظر لمقصد الحج لا الوقوف على ظاهر التشريع فيه.

لكن ما يُظهر خلاف هذا الرأي عن التوحيدي يمكن تبينه من مسيرة حياته، فقد درس التوحيدي الفقه كما سبق ذكره، ولم يكن يميل لسقوط التكاليف كما عند بعض المتصوفة، بل إن التوحيدي قد حجّ ماشيًا إلى أرض الحجاز، وفي هذا ما يدل على استبعاد رأي مارگليوث ومن شابهه.

خاتمة

هذا صاحبنا صديق العثرات، لصيق الغربة والسأم، ينقطع في نهاية حياته إلى الزهد والورع، ويرابط مع مشايخ المتصوفة، حتى دنت نفسه من الموت وانطفأت شعلة الروح، وأثقلت عليه سكرة الموت، يرفع رأسه للمستوحشين حوله قائلاً:

“أترونني أقدم على جندي أو شرطي؟ إنما أقدم على ربّ غفور”

رحم الله صاحبنا التوحيدي، الذي اختار خلاصًا روحيًّا على شاكلة خلاص نورس بودلير، لقد قرر الانشغال بتهذيب روحه، والتقرب من خالقه، والزهد بمطامع الدنيا، فكان للخائبين عزاءً، وللغرباء أنسًا في الوحشة.

دُعاء لأبي حيان التوحيدي
دُعاء لأبي حيان التوحيدي

النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×