سوسيولوجيا الفتوى: أزمة الشكل الاجتماعي للدين

يتناول الكاتب في هذا المقال كل ما يتعلق بالفتوى والشكل الاجتماعي للدين وعلاقتها بالمجتمع والأفراد في محاولة لفهم العلاقة بين الفتوى والمجتمع.

في مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة تتصل سيدةٌ من مدينة عربية ببرنامج إفتاء إذاعي في قناة رسمية. وحين يتاح لها المجال كيما تطرح سؤالها توضح أنها عازمة على افتتاح مقهى نسائي في مدينتها.

وقبل أن تستفتي المفتي في مشروعها، تستبق الحديث موضحة أن مقهاها لن يضمّ أيًّا من المحظورات. لا دخان ولا شيشة ولا موسيقا وقبل ذلك كله لا اختلاط، كما قالت وهي تختم سؤالها عن جواز مشروعها الاقتصادي.

انطوى استفتاء السيدة على جواب، وهو جواب بسيط يكاد يعرفه الجميع. فالمحرمات التي تعارف عليها الناس من جرّاء حضور الخطاب الديني المكثف طيلة عقود في حياتهم جعل تلك المعرفة من الحسّ العام، على الأقل قبل عقد من الزمان.

ويمكن القول من دون مجازفة، أنها لم تكن المحرمات فقط، وإنما المشتبهات علاوة عليها، مما عهده عامة الناس وتعارفوا عليه. وكونُ هذه الأمور يعهدها الجميع تقريبًا أمر ذو صلة بموضوعنا.

فقد رُوي عن الإمام أبي إسحاق الشاطبي قوله: «المفتي بالغُ ذروةَ الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال».

يُساق هذا القول دائمًا في معرض الاستدلال على أن الشريعة إنما هي مذهبٌ وسطٌ لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا يخرج عنه إلا مذموم. لكن قول الشاطبي على الرغم من ذلك يكشف عن ملمح مشْكل يزداد إشكالية عندما يكتسب الجمهور مع الوقت معرفة شبه كافية بالمعهود وإلمامًا بالمذهب الوسط.

أزمة الشكل الاجتماعي للدين 

إن ذلك اللائق بالجمهور الذي يدعو إليه الشاطبي، لأجدرُ بأن يكون معروفًا وشائعًا، خصوصًا في الوقت الراهن الذي يتسم بشيوع المعرفة ووفرة أسبابها. وعليه، فإنه يصبح أقل مدعاة لشيوع الفُتيا. وبهذا تكون هذه الإشكالية مسؤولة عن أزمة الشكل الاجتماعي للدين.

ونحن وإن سلّمنا بهذه الفرضية ينطرح أمامنا سؤال ملحّ، ألا وهو ما الذي دعا السيدة إلى أن تسأل عما نعتقد، كما تعتقد هي نفسها، أنها تعرفه من أمر دينها وتعهده؟

قد يقول قائلٌ الآن إنها ربما هاتفت الشيخ خشية أن يخفى عنها شيء أو يفوتها. لكنها في الواقع قالت في معرض استفتائها كل شيء دون أن يُطلب منها. وبدت حريصة وهي تشدد على إحاطتها بكل ما تعرف من محظورات، وكأنما لم تكن تنتظر من المفتي سوى مباركته.

وأغلب الظن أن ما عرفتْ من محظورات قد عرفته من برامج الإفتاء المكرسة التي يتعاقب على الظهور فيها ذلك المفتي وكثيرون غيره. أضف إلى ذلك أن المفتي الذي قصدته ذلك اليوم لم يردّ عليها بأكثر مما تعرف، كما سيُذكر لاحقًا.

تُجلّي هذه الحادثة، على طرافتها، أزمة جديرة بالتأمل، ينطلق منها المقال الذي ينقسم إلى شطرين. في الشطر الأول، أناقش الوظيفةَ السوسيولوجية للفتوى. وينبغي هنا التوكيد على أن المقال إذ يُعنى بتلك الوظيفة السوسيولوجية، لا يتناول الفتوى من حيث كونها مظهرًا دينيًا، بل باعتبارها شكلًا اجتماعيًا يمرّ بمنعرج حاسم.

ولذلك فإني سأتفادى تقييم صلاحية هذا المظهر الديني. وهذا شأن أية مقاربة سوسيولوجية للدين ترى فيه -أي الدين- مؤسسة اجتماعية إلى جانب كونه نظامًا عقديًا أخلاقيًا.

كذلك، سأستغني بالشكل الاجتماعي للفتوى عن أشكالها الأخرى كالشكل الإداري والسياسي ونحوهما، والتي هي أبعد من مرمى المقال.

أما في الشطر الثاني، فأركز على تبدّيات أزمة الشكل الاجتماعي للدين في الوقت الراهن الذي يعبر عن بنية شعور معينة، من خلال تحليل إمكانية التوفيق بين الفتوى والسياق النيوليبرالي؛ وهو أحد الأسئلة التي تتمخض عنها هذه الفترة.

الفتوى في الإسلام

تحتل الفتوى مكانة مثيرة للاهتمام في التشريع الإسلامي. فمن ناحيةٍ ليست الفتوى بمُلزِمة، حيث الأخذ بها في النهاية من شأن المستفتي وحده. ولذلك جاء التفريق بينها وبين القضاء في الإسلام، ففي حين أن القاضي ملزِمٌ بالحكم يكون المفتي مجرد مُخبِر عنه.

ورغم أن الفتوى غير مُلزِمة، فإن لها سلطتها، لأن استمدادها شرعيتها من مصادر التشريع الأساسية في الإسلام يمنحها منزلة جليلة يتمتع بها أولئك الذين حازوا معارف معينة. وصاروا مراجعَ نالت شرف التبليغ عن المشرّع والتوقيع عنه، من خلال تبيان المسائل التي تتطلب التوضيح والفصل في ما يُشكل على الفرد المسلم.

إضافة إلى ذلك، تتيح الفتوى، بما أنها خاضعة لاجتهاد المفتي، وجود فتاوى مختلفة حول موضوع معين قد تتعارض أحيانًا وتتناقض إلى حد يسبب الفوضى. ولكنه أمر يعدّه كثيرون فسحةً في أمر المسلم.

هذا من ناحية. أما من ناحية ثانية، تتغلغل الفتوى في أدق تفاصيل الحياة اليومية للفرد المسلم وتنطلق الحاجة إليها من واقعه الملموس. ومن ناحية ثالثة، ترتبط ارتباطًا مباشرًا بسابقتها، إذ توفّر الفُتيا فرصة نادرة للالتقاء بين العامة والخاصة.

الوظيفة الاجتماعية للفتوى

تؤدي الفتوى وظيفة تقع عمومًا ضمن وظيفة الدين الاجتماعية التي حددها إميل دوركايم في إضفاء مقدس للشرعية على القيم والمُثل والممارسات الاجتماعية. 

إذ ترى المقاربة الوظيفية للدين في إطار دوركايم أن الدين وسيلةٌ لتحقيق التلاحم والتضامن الاجتماعيين عبر الطقوس والمعتقدات المشتركة. إضافة إلى ذلك، يهدف الدين إلى الرقابة الاجتماعية عبر الامتثال لمجموعة من الأعراف والأخلاق ذات الأصل الديني.

وبهذا تكمن وظيفة الفتوى في إرشاد الأفراد إلى الكيفية التي ينبغي عليهم أن يتصرفوا بها في مناحي شتى من حياتهم. بحيث يغدو الامتثال للبنية الاجتماعية لا مجرد مسألة عملية دنيوية وإنما شيئًا تتطلبه قوى مقدسة وذات صلة بالآخرة.

إنها باستعدادها الدائم للإجابة على أسئلة الأفراد الحيارى، تزودهم بمعنى الوجود والحياة وتكرس انتمائهم لمجتمع يستقي من المشرّع أهليته في سبيل نجاة أفراده وخلاصهم.

أي أن حضور الدين في المجتمع يتعدى المعتقداتِ والقيمَ إلى كونه واقعًا اجتماعيًا ملموسًا. ويكمن الرابط بين هذين العالمين، عالم المعتقدات والقيم المجردة وعالم الواقع الاجتماعي المعاش، في التواصل الذهني بين أفراد المجتمع فيما بينهم من جهة، وبينهم وبين المؤسسات الدينية من جهة أخرى.

يؤدي هذا التواصل الذهني دورًا كبيرًا في تحقيق التلاحم الاجتماعي، وتمثّل الفتوى واحدًا من مظاهره البارزة وسبله الناجعة.

الأشكال الاجتماعية

تبرز الحاجة إذن إلى دراسة الفتوى باعتبارها شكلًا اجتماعيًا من بين أشكال أخرى للدين. وحين نقول إنها شكل إجتماعي فإننا نشير إلى مفهومٍ من وضْعِ عالم الاجتماع جورج سيمل الذي شيد نظريته الاجتماعية بتمييز ثلاثة أنواع من السوسيولوجيا: العامة والفلسفية والشكلية.

وفيما يخص النوع الأخير، شدد سيمل على أهمية النظر إلى الأشكال الاجتماعية عوضًا عن المحتوى الاجتماعي. فوفق هذا التصور البنيوي، تعطينا تلك الأشكال صورة أوضح للحياة الاجتماعية وأدوارها المختلفة. إذ تُحدث الأشكال مجموعةً من التفاعلات الاجتماعية التي قد تبدو في ظاهرها مختلفة ولكنها تتبع صيغًا محددة.

إضافة إلى ذلك، تحدد الأشكال الاجتماعية دور كل طرف في العلاقة الاجتماعية، أو على الأقل تتيح للأدوار التشكل والظهور والتغيّر. كما أن الأفراد يتحولون إلى مجتمع بفضل العلاقة التي تحدث داخل تلك الأشكال الاجتماعية وبسببها.

هندسة الحياة الإجتماعية / تصميم نوف الحربي

أمام نظام تحليلي كهذا، يصبح دور عالِم الاجتماع استنباط هندسة الحياة الاجتماعية، ويغدو البحث في الأشكال الاجتماعية أساس السؤال السوسيولوجي.

ساق سيمل أمثلة كثيرة على الأشكال الاجتماعية، منها الصراع والتفوق والتبعية والمنافسة والمؤانسة والتعاون وتقسيم العمل. ولئن كانت هذه الأشكال محدودة، فإنها لا شك تسمح بعددٍ لا يُحصى من العلاقات، بناء على محتويات الأشكال والسياقات المختلفة التي توجد فيها؛ فتمكّكنا في النهاية من دراسة المتغيرات الاجتماعية وتحليلها تحليلًا أشمل وأدقّ.

وهكذا يمكننا تحليل الفتوى على أنها شكلٌ اجتماعيٌّ للدين بصرف النظر عن محتواها وسياقها. كما يمكننا افتراض إمكانية تحقيق الوظيفة المرجوة من هذا الشكل داخل شكل اجتماعي آخر.

الفتوى باعتبارها شكلًا اجتماعيا

يقود الحديث عن الشكل الاجتماعي للتطرّق للأدوار الاجتماعية داخله، وهي عبارة عن أنواع اجتماعية تكون إما وصفية أو وظيفية أو مؤسسية بحسب موقعها في العلاقة الاجتماعية.

والفتوى عبارة عن قناة للتواصل الذهني بين أفراد المجتمع الديني وتغذيته بمجموع القيم الاجتماعية التي تشكل وجدانه ووعيه. حيث يرشد المفتي الفردَ حول التصرف الصحيح في سلوكه وعلاقاته وممتلكاته وغيرها، حتى يكون فردًا صالحًا ممتثلًا لقيم مجتمعه الديني.

والحالة هذه، تكشف الفتوى عن نوعين اجتماعيين يمكن أن أسمّيهما المسترشد والمرشد. إذ تحدد دورَ كل منهما علاقةُ الإرشاد التي يسمح لها الشكل الاجتماعي بالظهور. يملك الأول معرفة مقدسة تتمثل في إلمامه بالنصوص والتكاليف والمقاصد ومهارته في استثمار مبدئي الاجتهاد والقياس وما ينتج عنهما من اختلاف في الترجيح الفقهي.

تؤهّل هذه المعرفة المرشد للتوقيع عن المشرّع وإرشاد الثاني الذي يمكن حصره بوصفه كل مَن لم يبلغ درجة المرشد، أي ملزمًا بالاسترشاد. وتمنحنا علمنة الدورَيْن، نتيجة تفادي تسميتهما مُستفتٍ ومُفتٍ مثلًا، فرصة أكبر لفهم الشكل الاجتماعي الذي يضمهما، وهذا هو مبلغ قصد المقال.

ولهذا كثيرًا ما تُربط الفتوى بالدعوة والإرشاد، وكل هذه أشكال اجتماعية تحتفظ تقريبًا بنمط واحد من نمط العلاقات الاجتماعية، وأدوار تنشأ بين طرف مؤهل بما يملك من معرفة وخبرة وآخر في بحث دائم عن الإرشاد.

لماذا احتاج الناس إلى الفتوى؟

ما سبق تبيانه من وظيفة الفتوى الاجتماعية وانطوائها على أدوار تخدم الوظيفة العامة لكافة أشكال الدين الاجتماعية مفهوم. ولكن هذه الوظيفة ليست ثابتة أو عصية على التغيّر لأن الأشكال الاجتماعية خاضعة لمتغيرات العصر.

ولهذا فإن المتتبع لحال الفتوى في السنوات الأخيرة قد يلاحظ أنه في غالب الأحيان لا يكون للفتوى، وخصوصًا ما يجيء منها في برامج الإفتاء المتاحة للعموم، مبرر سوى تكريس تلك الوظيفة.

وليس بمستغرب أن يجد المرء ألاّ علاقةَ قويةً للفتوى بما يُشكل على الفرد في الوقت الحاضر ويستوجب الإيضاح من مختصّ. وهذا ملمح آخذ في الاتضاح أكثر فأكثر، وقد يُردّ إلى سرعة تغيّر المجتمع من جهة، وتضاؤل الفارق بين المختصّ والعامي، مما يهدد بتقويض العلاقة بين المفتي والمستفتي وإعادة مساءلة الأدوار التي تسمح بها.

الفتوى خارج المؤسسة الدينية 

لعل من ملامح هذا التغيير البطالة التي تجد الفتوى نفسها أمامها بعد التقارب بين المختص والعامي، والتي تحط من قيمة الفتوى الجليلة.

ولو تتبّع المرء ما يرد من أسئلة من المستفتين في برامج الإفتاء المعاصرة لوجد أن السواد الأعظم من تلك الأسئلة مما يفترض أن يعرفه المسلم البسيط إن صحّ التعبير، أو المعهود الوسط الذي يليق بالجمهور كما وصفه الشاطبي، وليس مما يُتوخى أن يُشكِل على الفرد بسبب تعقيده أو التباسه.

ومن ملامح هذا التغيير أيضًا انتشار الفتوى، باعتبارها ممارسة دينية، خارج المؤسسة، إذ لا يتورع كثير من الناس عن الإفتاء على رغم التحذيرات.

ولطالما أفتى الناس واستُفتوا بما لا يعرفون وفيما لا يعرفون، الأمر الذي جعل هذا الملمح هدفًا لاستهجان أهل الاختصاص واستنكارهم، حتى لا يكاد يخلو حديث مُفتٍ من التشديد على أحقيته في الإفتاء ومن التحذير من التساهل في أمر الفُتيا.

مع ذلك، تواظب الفتوى على الحضور في مجتمع غير متدينٍ بالضرورة، وإنما على إلمام بأغلب ما يمليه عليه دينه في حياته اليومية، وقد لا يحتاج حقًا إلى الفتوى إلا فيما أشكل عليه واستغلق من شؤون دينه ودنياه.

وهذا ليس شائعًا ولا يعكس بالضرورة انتشار الإفتاء وشيوع برامجه ومدوناته في مجلدات الكتب ومواقع الإنترنت والفضائيات وكافة وسائل الإعلام، كما لا يعكس بالضرورة تغلغل الفتوى في ذهنية المجتمع.

بنية الشعور 

أتوخى تحليل الفتوى باعتبارها شكلًا اجتماعيًا للدين، وعلى الأخص أزمتها في سياق نيوليبرالي، على ضوئه. وأقصد بهذا بنية الشعور، وهو مفهوم مخاتل طرحه ريموند وليَمز في غير ما موضع، واستخدمه أكثر من استخدام.

ففي كتاب «الثقافة والمجتمع 1780-1950»، درس وليَمز استجابة الإنتاج الروائي البريطاني في منتصف القرن التاسع عشر للتطور الصناعي في مجتمع صناعي جديد، من خلال تحليل مجموعة روايات سماها الروايات الصناعية.

انتبه وليَمز بأن تلك الروايات لا تتوقف عند تصوير الحياة بدقة، بل تكشف عن بنية شعور معينة، واظبتْ على حضورها في الأدب والتفكير في المجتمع البريطاني، تتسم بالتعاطف مع الحياة الجديدة والانسحاب عنها في الآن نفسه.

وفي كتاب «الماركسية والأدب» وصف وليَمز بنية الشعور بأنها «المعاني والقيم كما تعاش وتُحَسّ في لحظة تاريخية محددة، ومثّل عليها باللغة، إذ في حين توجد استمرارية قاطعة في النحو والمفردات، يتحدث كل جيل لغة تختلف عن سلفه.

وفي موضع ثالث، استخدم وليَمز المصطلح ليمحّص من خلاله مفهومًا آخر جاء به قرامشي، ألا وهو الهيمنة. جادل قرامشي أن الهيمنة ترتكز على الحس المشترك. لكن وليَمز يرى أن هذا التصور غير كافٍ لتفسير الإيديولوجيا، ولا يمكن أن يكون كاملًا في تحليله. إذ لا بدّ من دينامية جُوّانية يمكن من خلالها إظهار أشكال التفكير الجديدة والمتصارعة للظهور في وقت تاريخي معين.

وهكذا تظهر بنية الشعور في الفجوة بين الخطاب الرسمي للتنظيمات والتشريعات، وبين الاستجابة الشعبية للخطاب الرسمي. 

على أية حال، يركز وليَمز في تصوره لبنية الشعور على المضارَعة والتجربة (في معناها الآني) والاستجابة الفريدة للواقع المباشر، ولذلك يسميها بنية الشعور، لا بنية التفكير أو التجربة، لأنها ما تزال في طور التشكل.

فعلى عكس ما يُتصور أحيانًا أن عناصر التحليل الاجتماعي ثابتة وقارّة، وهذا الخطأ الذي غالبًا ما تقع فيه الماركسية الفجّة التي تجعل من مصطلحات التحليل وعناصره مثل الإيديولوجيا والرؤية الكونية مصطلحات جوهرية؛ فإن القوى والقيم والأشكال الاجتماعية متغيرة على الدوام، ولا يمكن استيعابها استيعابًا مؤثرًا ما لم يُنظر لها على هذا الأساس.

تغيّر بنية الشعور 

رد المفتي على استفتاء سيدة الحادثة الاستهلالية بأن أرشدها إلى صرف النظر عن الفكرة، مستعينًا بقاعدة فقهية هي الأخرى شائعة.

ومثلما توقفنا عند السبب الذي يُحتمل أنه قد دفع السيدة إلى الاستفتاء رغم علمها بحدود المحظورات التي قد تثنيها عن المضيّ في مشروعها؛ يتوجب التوقف أيضًا عند السبب المحتمل الذي جعل المفتي يبحث في معرفته عما يكرّس سلطته ودوره في الشكل الاجتماعي للفتوى خاصة وهو يستقبل سؤالًا من سيدة تعرف ماذا تفعل، وتجيب قبل أن تسأل.

والسببان في واقع الأمر سبب واحد، وهو سبب يكشف عن أزمة وجدت الفتوى نفسها فيها، باعتبارها شكلًا اجتماعيًا للدين، في سياق نيوليبرالي فائق السرعة والتحوّل.

الأرجح أن المفتي هذا قد غالى في فتواه وخرج عن المعهود الوسط الذي يدعو إليه الشاطبي، ولكن مغالاته يمكن فهمها في إطار استبساله في الحفاظ على علاقة اجتماعية بأدوار طال تكريسها، ولكنها الآن تمرّ بمنعرج حاسم يقتضي استجوابًا جديدًا، وقد عازه التوفيق في إدراك اللحظة.

أخيرًا، ربط وليمز بنية الشعور بالتغيير، وقال إن التغيير الراديكالي في بنية الشعور العامة دائمًا ما ينجم عنه تغيير في الأعراف والتقاليد. يحتّم هذا التغيير الطارئ مراقبة الأشكال الاجتماعية من أجل فهمها واستيعاب ما تفضي إليه من أدوار وعلاقات جديدة.

إن الحادثة التي انطلق منها المقال لتضيء بنية الشعور التي تعبر عن لحظة حرجة تواجهها الفتوى باعتبارها شكلًا اجتماعيًا للدين، في سياق يتغير تغييرًا هائلًا بعوامل داخلية وخارجية؛ قد وضعت العلاقة بين المفتي والمستفتي على المحكّ، وأفسحت المجال أمام علاقات أخرى قيد التشكل في انتظار ما ستفرزه اللحظة.

الإسلامالخطاب الدينيالدينالمجتمعالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية