الوسط الثقافي والهزة التنويرية!

لم يسبق لي حضور معرض للكتاب من قبل، وليست لديَّ نوايا لفعل ذلك في المستقبل القريب. وذلك لإيماني بأن معارض الكتب ليست مما تشد إليه الرحال.

سأُقر باعتراف قد يخرجني من ملّة المثقفين، والخروج من ملة المثقفين تجربة فريدة بالنسبة إلي، لا تخلو من جانب فلسفي؛ فالخروج من شيءٍ لم تدخله من الأساس فكرة جديرة بالتأمل.

أعترف أنني لم يسبق لي حضور معرض للكتاب من قبل، وليست لديَّ نوايا لفعل ذلك في المستقبل القريب. وذلك لإيماني بأن معارض الكتب ليست مما تشد إليه الرحال، وأنا أسكن المنطقة الشرقية التي لم يكن لها من مثل هذه المعارض نصيب، حتى تكون مغامرتي وكسري لمعتقداتي حين أزور معرض الكتاب خالية من أعباء السفر ووعثائه. 

ثم قد تناهى إلى أسماع المهتمين بأمر هذه المعارض -فيما يبدو- أني لا أزور معارض الكتب في مدن غير تلك التي أعيش فيها، فقرروا إقامة معرض للكتب في المنطقة الشرقية، حتى يضعوني أمام الأمر الواقع، لأتحمل مسؤولياتي التاريخية أمام الكتب والمؤلفين وعالم القراطيس. وسأرى ما الذي يمكن أن يحدث حين يحل معرض الكتاب ضيفًا قريبًا من منزلي بعد بضعة أشهر من الآن. وربما يكون الفاصل في هذا الأمر هو الفترة التي سيقام فيها المعرض، فإن كان في أيام الرخاء -الأيام الثلاثة الأولى بعد استلام الراتب- فالحضور وارد، وإن كانت في أيام الشدّة -وهي ما تبقى من أيام الشهر- فإن الأمور قد تكون معقدة قليلًا. 

وقد قرأت في الأخبار التي تناقلها الركبان عن معرض جدة للكتاب أنهم استضافوا الفنانة القديرة يسرا، والفنانة شبه القديرة شيماء سيف على هامش المعرض، للحديث عن تنميط المرأة في الدراما العربية. وقد تقبلت الفكرة في بداية الأمر لأنني ظننت أن استضافتهما للحديث عن هذه القضية، يشبه ما كان يفعله بعض الوعاظ، أو البرامج التلفزيونية حين يستضيفون مفحطًا أو مدمنًا تائبًا ليتحدث عن تجربته وكيف أغواه الشيطان ليسلك هذا الطريق، وكيف انتهى به الأمر قبل أن تتداركه رحمة الله، ويتوب عن أفعاله الشنيعة، ويحذر الناس من الوقوع فيما وقع فيه من أخطاء. 

تفاجأت لاحقًا أن ندوتهما كانت أشبه بلقاء مفحط لا يزال يمارس إرهاب الشوارع، ويتحدث عن تجربته بفخر واعتزاز وثقة. فإذا كان تنميط المرأة العربية تهمة فإن السؤال الذي يجب أن نعرف إجابته قبل حفلة التنظير هو: ما الصورة التي يمكن أن ترسخها أدوار الفنانة القديرة ورفيقتها في الندوة عن المرأة العربية؟

Giphy 21
مُخيب للظن / Giphy

استعراض يسير وسريع لمجمل أعمالها في السينما والتلفزيون يوضح أن الأدوار التي صنعت اسمها لم تكن أمرًا تفخر به المرأة العربية أو غير العربية، وتريد أن يكون صورة نمطية لها في أذهان بقية الخلق. بل إني أجزم أنَّها حتى هي نفسها لا تريد أن يأخذ الناس عنها انطباعًا أنها تشبه المرأة التي كانت تقدمها في تلك الأعمال. 

تكمن مشكلة الفنانين الحقيقة في اعتقادهم أنهم أصحاب مهمة رسالية، وأن من واجبات هذه المهمة قيادة مشاعل التنوير، ولو أنهم اقتنعوا أن مهمتهم هي الترفيه، وأن رسالتهم الحقيقة هي أن يكون هذا الترفيه مصدر دخل مادي لهم لعاشوا وعاش الناس في سعادة ورضى.

وهي أيضًا مشكلة من يصر على وجودهم في كل أمر، فهم ينظّرون في السياسة والاقتصاد والاجتماع والرياضة، ولن يفاجئني وجود القديرة فيفي عبده في ندوة في إحدى الجامعات عن الاحتباس الحراري. أو في ندوة عن جمود المثقفين، لعلها تحدث هزة في الوسط الثقافي تؤدي إلى مزيد من الحراك التنويري.

أما الأمر الإيجابي في تلك الندوة المباركة التي صاحبت معرض الكتاب، أنها ربما تحفزني لزيارة معرض الكتاب القادم، والانضمام إلى جحافل المثقفين والمثقفات. ولعلها تبعد عني الرهبة والتوقير المبالغ فيه للكتب؛ فإذا كانت شيماء سيف تَرتاد معرض الكتب، وتقيم الندوات فما الذي يمنعني من زيارة المعرض، وتناول كوب من القهوة في صحة الأشجار!

الثقافةالشهرةالكتبالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!