حياة الفقد خارج مغسلة الموتى

لا بد أن تأتي اللحظة التي تتقبل فيها كل ما حدث، لا يعني ذلك أنك قد تنسى فقيدك، ولكنك ستشعر بأنك قد تصالحت مع فكرة الموت.

في يوم أحد عادي، كان أطباء مستشفى الحبيب يمارسون مهامهم اليومية الاعتيادية. يتساءل المرضى بقلق عن الرشح الذي أصابهم، إن كان دليلًا على إعلان إصابتهم بفيروس كورونا. «لا تقلق» يجيب أحد الأطباء «حتى إن أُصبت بالفيروس؛ فقد أصبح مرضًا بسيطًا مثل الزكام في هذه الفترة». إنه يوم عادي وحسب، سيمر مثل غيره من الأيام.

لكن ذلك اليوم كان مختلفًا قطعًا بالنسبة لي؛ فقد تُوفِّي فيه والدي، بعد عدة أشهر من التنقل بين غرف العناية المركزة. كان الأحد الذي سيظل في ذاكرتي إلى الأبد، أو لعله كان يوم الاثنين، فشهادة الوفاة سجلت وقت الوفاة عند الساعة 11:59م. ولعل طبيب العناية المركزة سجل الوقت دون أن يدرك أهمية الفرق في الدقيقة الواحدة عندي.

في اليوم التالي كنت قد خرجت من مغسلة الموتى، وتوجهت إلى المسجد المجاور الذي ستقام فيه صلاة الميت. وهناك في إحدى الساحات القريبة من المسجد، وضع أحدهم عددًا من الصناديق على عجل، لكي يكون جاهزًا لبيع التمر والفواكه التي لديه، قبل أن ينتهي المصلون من صلاة الجنازة. كان يحادث صديقه عن سعر صندوق التمر، وكأن هذا هو كل ما يهم في الأمر. 

اعتقدت أن الكون كله يجب أن يتوقف في ذلك اليوم. لكن البائع كان كل ما يهمه أن يبيع محصول ذلك اليوم ويعود إلى بيته، ويستعد ليوم عادي آخر.

الفقد ليس مجرد حزنٍ مؤقت 

توقف قلبه في ذلك اليوم إلى الأبد، وألقى غراب أسود غريب بنفسه فوق رأسي، ولم يعد ممكنًا الإفلات من قبضته قريبًا. شيء ما في الحياة لم يعد مفهومًا؛ أن تفقد شخصًا عزيزًا، فما بالك إن كان والدك، ذلك أمر يتعدى الحزن المؤقت، أو الدمعات التي يسكبها المرء بعد حدث ما. ذلك أشبه بثقب فارغ في قلبك لن تملأه الأيام يومًا.

أبي نَصٌّ لا يُكتَب

موت أبي لم يكن أمرًا صادمًا. لم يكن مأساةً. لقد أمضى شهوره الأخيرة بين غرفة النوم والمستشفى: مكانيه المفضَّلين طوال حياتي على الأقل.

13 يونيو، 2021

أذكر أن الأحداث كانت بطيئة ورمادية؛ الكلمات التي تخرج من الفم ليست سوى ردود معلبة لا طعم لها. الأحاديث والابتسامات المصطنعة تصبح مقرفة شيئًا فشيئًا. وفي خضم كل هذا يجب عليك أن تسير إلى الأمام، فأنت بالتأكيد لن تموت. يجب عليك أن تأكل وتشرب وتنام وتذهب إلى الحمام، وتواصل فعل الأشياء ذاتها التي كنت تفعلها قبل الفاجعة.

لن يتوقف الكون من أجلك، إجازة لخمسة أيام من عملك هي كل ما ستحصل عليه. وستبدأ العجلة بالدوران قريبًا جدًّا. سوف تعود أعمالك إلى سابق عهدها وكأن شيئًا لم يكن. ولكن مهلًا، هل فعلًا تستطيع المضيّ قدمًا؟ أعني أن كل شيء من حولك يستمر بالحركة، ولكنك لا تزال في المربع الأول من الصدمة. أنت لا تستطيع أن تكون ناكرًا للجميل لدرجة أن تنسى ما حدث بهذه السرعة وتواصل حياتك. يداك تتشبثان بكل قوة لإبقاء أثر الحادثة أمام عينيك.

لكنك تسير إلى الأمام رغمًا عنك. وبعد أيام من ذلك، تظن أنك قد بدأت في التعافي، ثم.. شيء ما يضربك في أعماقك ويذكّرك، يجب عليك أن تكون وفيًّا للحزن الذي بداخلك، لا يمكنك أن تبتهج وحسب. ولكن كم المدة التي يجب عليك فيها أن تظل حزينًا؟ لن يخبرك أحد.

المواساة لا تمحو أحزان الفقد

يعتقد الجميع أنهم قادرون على مواساة الأشخاص الذين يمرون بحالات الفقد والوفاة. قليل من جمل التعازي والدعاء، مع بعض الأسئلة الشخصية عن حال الفاقد، ثم الحديث عن أمور لا تهم أحدًا مثل مباراة في الدرجة الثانية من الدوري الإسباني، خلطة سحرية قد تُنسي المحزون أحزانه. ولكن الأمر لا يتم بهذه البساطة، فبمجرد أن تنتهي الأحاديث، تعود المشاعر السوداء ذاتها.

وعندما تنعدم التعازي، تلجأ إلى مواساة نفسك، تحاول إبعاد هذا الشعور السيئ بالفقد. ليس الحزن، بل الشعور بالخوف وبالضياع، وتمنّي أن يكون ما حدث ليس إلا حلمًا طويلًا وسينتهي. أنت مستعد لمساومة القدر من أجل ذلك، فلو عاد الفقيد ستصلي أكثر، وستصبح شخصًا صالحًا أكثر، وستسير حياتك على أكمل وجه. 

ولكنك تعلم أن هذا كله لن يعيد أحدًا إلى الحياة، لذلك تبدأ في الشعور بالذنب. هل كنت أستطيع فعل شيء أكثر مما فعلته؟ هل كنت مقصرًا في التواصل معه عندما كان حيًّا؟ ماذا لو أدخلناه مستشفى أفضل؟ وغير ذلك من التساؤلات المحملة بعقدة الذنب.

وعند استنفاد كل الحلول والتساؤلات، تدخل في مرحلة إدراك لما حصل، فيصيبك نوع من الاكتئاب، وقد يستمر طويلًا إن لم تستطع التغلب عليه. ترى الحياة بسوداوية مريرة. ينتابك شعور بانعدام الأمل، ومن ثم انعدام المعنى من الحياة.

وعندها تعود بك الذاكرة إلى المربع الأول.

التصالح مع فكرة الموت 

ولكن هذا ليس كل شيء، فـ:

لا بد أن تأتي اللحظة التي تتقبل فيها كل ما حدث، لا يعني ذلك أنك قد تنسى فقيدك، ولكنك ستشعر بأنك قد تصالحت مع فكرة الموت. لقد مات، وهذا شيء مؤكد، لكنه سيبقى في ذاكرتك طويلًا وإلى الأبد. Click To Tweet

مكث والدي في المستشفى عدة أشهر، لم يبق في جسمه مكان إلا وقد نال نصيبه من الإبر والأنابيب والجراحات، وأعيد قلبه إلى الحياة مرتين. كانت الأيام طويلة لا انتهاء لها، وفي كل يوم تتقلب الأحوال من الألم إلى التفاؤل ثم إلى اليأس.

وبعد فترة من وفاة والدي، كنت حريصًا على أن أشاهد صوره ومقاطع الفيديو السابقة له، الذكريات والحكايات التي كان يرويها. أحسست أنه يجب عليّ أن أواجه مخاوفي وأحزاني، وأن أتعايش معها. لا أريد في المستقبل أن تكون ذكراه تجلب لي الحزن، بل العكس تمامًا.

والآن بعد قرابة ثمانية أشهر من وفاته، أشعر بأني أصبحت قادرًا على النهوض من جديد

سيستمر بائع التمر في عرض محصوله أمام مغسلة الموتى، وستعود إلى ممارسة أعمالك اليومية. وبعد مرور الوقت اللازم ستقول لنفسك، كم أنا محظوظ، فقد مررتُ بكل هذا الفقد ولم أتحطم.

الإنسانالموتكوروناالثقافة
مقالات حرةمقالات حرة