في مديح القلم الأحمر 🖊

زائد: هل غالب خطيبي مجرى النهر 📖

منح حساب على مواقع التواصل لنفسه حقّ تداول صورة لفتاةٍ تجلس في مقهى، كغيرها من الناس، وتضع أمامها كتابًا يبدو أنها تقرأ فيه ما يتصل بتخصصها، وهو أمرٌ يدركه من يتابعها. 

وبصرف النظر عن هذا الانتهاك لحرية الأفراد، الذي قد يبرّره البعض بحجة أن الصورة أصبحت «مشاعة» بمجرد انتشارها، فإن ما لفت انتباهي هو الصورة الذهنية التي كوّنها صاحب الحساب عن هذه الفتاة، اعتمادًا فقط على عنوان كتابها، وافتراضه أنها تقرأه لتتعلّم مبادئ الزواج الأساسية.

أتخيّل لو رآني أقرأ مثلًا كتاب «كيف تقتلين زوجك» (How to Kill Your Husband)، للكاتبة كيثي ليتي (Kathy Lette)، ماذا عساه سيفعل؟ هل سيبادر إلى التبليغ عني؟ أم سيكتفي بنسج حكايةٍ خيالية تصلح محتوًى يروّج به حسابه؟

في هذا العدد، أغتنم الفرصة لأغازل قليلًا قلمي الأحمر، وفي فقرة «هامش» أحدثكم عن الرواية الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية، بالإضافة إلى توصيات كتب أدبيّة وفكريّة.

إيمان العزوزي


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

في مديح القلم الأحمر 🖊

إيمان العزوزي

قرأت قبل أسبوعين مقالة مازن العتيبي «ثلاثة تأملات عن الكتابة» في نشرة «الصفحة الأخيرة». ناقش فيها هموم الكتابة في عصر «الكتابة الذكالية»، المصطلح «البعبع» الذي أظنكم مللتم من ذكره. ومع ذلك، يظلّ نقاشه ضرورة ملحة لتحليل هذه الظاهرة وفهم أبعادها. بيد أن ما أثاره المقال في نفسي تجاوز حدود هذا الموضوع، إذ لامس فيّ هاجس الكتابة ذاتها، كيف بدأت وإلى ماذا انتهت؟

أنتمي، مثل كثير من كُتّاب جيل الثمانينيات، إلى جيلٍ فريد؛ جيلٍ وقف دائمًا على حافة الأشياء: حافة الحروب، وحافة التحولات التي عصفت بالمشهدين الثقافي والاجتماعي، وحافة انتظار اللحظة المناسبة لتحقيق الأحلام، والأهم من ذلك، حافة الكتابة. لطالما أيقنت بقدرتي على الكتابة منذ أول إجابة دوّنتها في حصة اللغة العربية، حين أثنى عليّ أستاذي وأهداني قطعة شوكولاتة لا أزال أستحضر طعمها كلما كتبتُ ما أطربني. ومع ذلك، لم أنخرط في الكتابة بجديّة إلا حين شعرت برغبة في بلوغ غايةٍ أبعد من مجرد القراءة، فلم يكن هدفي بدايةً أن يقرأني أحد أو يفهمني أحد، بل كانت غايتي الوحيدة أن أتخفّف ممّا أقرأ.

تخيل أن تفرط في الأكل حتى تعجز عن الهضم؛ هذا بالضبط ما فعلته القراءة بي. ابتلعت الكتب بنهم منذ صغري، كتبًا تراعي فهمي آنذاك، وكتبًا أكبر منّي، لأجد نفسي فجأة غارقةً في ضجيج لا يهدأ، أصوات الشخصيات، وحجج متناقضة، وأسئلة بلا إجابات. لم تكن الكتابة في بدايتها متعة، وددت لو كانت كذلك فعلًا، ولكنّي لجأت إليها لحاجتي إلى الاستشفاء، فكانت أشبه بمضادٍّ حيوي تتجرّعه مع كرهك إيّاه.

لذا كنت، ولا أزال، أُفضّل وصف «قارئة» على «كاتبة»، فقد ولجت عالم الكتابة من بوابة القراءة، أتواصل مع كُتّابٍ من كل العصور، أحاورهم، وأناقشهم، وأتفق مع آرائهم أو أعارضهم بشدّة. ويصل الأمر أحيانًا إلى معاقبتهم بتمزيق الصفحات أو التخلص من الكتب، وكأنني بذلك أحقق انتصاراتٍ صغيرة تُعوّض غياب صحبة أشاركها هذه التجربة وأبادلها الأفكار. لقد كانت القراءة مسرحًا للعنف الرمزي، وكانت الكتب خصومي الأثيرين الذين عوّضوا ربما معارك الحياة التي أتحاشاها.

حاول أساتذتي إقناعي بأن الأمر لا يعدو كونه حماسة قارئ، لكنني لم أقتنع. كنت أراقب والدي وهو يطالع كتب السياسة والقانون بهدوء ووقار، ثم يغلقها ويضعها جانبًا بالطريقة ذاتها التي ينهي بها وجبة العشاء، ليدخل غرفته فينام نومًا عميقًا، عكسي تمامًا، إذ كنت أصارع أشباحي، وأسئلةً لا أجد لها إجابات، ونصوصًا لا أستوعبها، ومعلومات تتراكم.

لم أرَ عليه أمارات الاضطراب والحيرة التي كنت أشعر بها، ولم أرَ قرودًا ترقص على دماغه كما كنت أشعر. كان كل شيء في عالمه منظّمًا ومحسومًا، في حين كنت أعاني تخمةً قرائيّة تنهكني كما ينهك الاضطراب الغذائي المصابين به. لذا أيقنت أن الأمر غير طبيعي، وبحثت عن حلٍّ لمشكلتي فوجدته في الكتابة، فكنت أعيد كتابة ما أقرأ، وقد بلغ بي الأمر أن أعدت كتابة رواية يوسف السباعي «نادية» كاملةً بجزأيها. والمفارقة أن هذا التمرين القاسي، الذي واظبت عليه طوال سنوات مراهقتي لم يساهم البتّة في تحسين خطّي الذي يقترب من الخط الرعاشي للأطباء.

مخطوطة مقال «نجمة»
مخطوطة مقال «نجمة»

ثم جاءت لحظة البداية الحقيقية. في يوم وأنا أقرأ كتاب جبران خليل جبران «رمل وزبد»، أول كتاب مجلد دشن مكتبتي، توقفت كثيرًا عند شذراته، وبدأت أجادل، وأردت أن أرد، أن أكتب، أن أقول لجبران: «أنت مخطئ هنا»، أو «هذا جميل لكنه ليس كافيًا»، أو ببساطة: «أتفق». كان قلمي الأحمر بجواري، لا أذكر لماذا كان أحمرَ بالتحديد، ربما لأنه لون التحذير والتصحيح، ذلك اللون الذي اختاره المعلّمون ليوبخونا به، فحوّلَته رغبتي إلى وسيط للتواصل. كتبت مراجعتي الأولى على منديل ورقيٍّ لعدم توفر غيره لحظتها، كانت قصيرة وخرقاء، أشبه بخديج لم يكتمل نموه، لكنها كانت «لي» بكل ما تحمله الكلمة من نزعة تملك جنونية. سرعان ما ضاعت الورقة، لكن الفعل وُلد، ولم يوقفني شيء بعدها.

منذ تلك اللحظة، صار القلم الأحمر رفيقًا ملهمًا وطقسًا يلازم قراءاتي وكتاباتي، فهو تجسيدٌ لتمردي على الجاهز والحتمي والمسلّم به. أخطُّ به أفكاري حين تباغتني، سواء وأنا «أكرف» في المطبخ بين رائحة البصل والمواعين، أو تلك التي تداهمني في المنطقة الرمادية بين اليقظة والحلم، أو حتى خلال الحديث مع الأصحاب أو قراءة كتابٍ لا يمتُّ للفكرة بصلة. فمعظم الأفكار متطفلة، تأتي حين لا ننتظرها، تقتحم المواقف كضيفٍ غير مدعوٍّ في حفلٍ لا يخصه. لذا، يبدو الأحمر دائمًا كتنبيهٍ يقول: «أسرعي، دوّني، احتفظي، فلا تثقي بذاكرةٍ قد تخونك.»

كم مرة أنقذني هذا القلم الأحمر من فخاخ التسويف الذي يتربص بالكُتّاب المبتدئين؟ وكم مرة كان أثر حبره على الورق أكثر شجاعةً من نقرات أصابعي على لوحة المفاتيح؟ وعلى الرغم من محاولاتي للالتفاف على الأمر بشراء حاسوبٍ باللون الأحمر أيضًا، أشعر حين أكتب على الشاشة أن الكلمات هشّة، ضعيفة، وبالكاد تستطيع حماية نفسها، وزر «الحذف» قادرٌ على محوها في أي لحظة. وكم من مقالٍ كتبته تاه في زحمة النصوص التي أستقبلها أو أدوّنها، ولا أزال حتى اللحظة أتحسّر على دراسةٍ استغرقت مني شهورًا عن عالم الاجتماع جاك بيرك، ضاعت ولم أجد لها أثرًا.

حين يراودنا الحاسوب
حين يراودنا الحاسوب

كلما خططت بقلمي -الذي ترّقى الآن من قلم «بيك» العادي ليصبح «بيلوت»- أشعر أن الحروف تترك أثرًا، ومن ثم ترْسخُ في الذهن، فأظلُّ أذكرها حتى لو فُقدت الورقة. وهذا ما لا يحدث مع لوحة المفاتيح، حيث أمارس الكتابة عليها كآلة اختزال مسرعة. أشعر دائمًا أن الكلمات المحفورة بالحبر الأحمر تبدو كوشمٍ على الورق الأبيض وفي هوامش كتبي، كأنها صوت داخلي يوثق تاريخي: كنتُ هنا، وفكرت بهذا، أخطأت وصححت، ثم وصلت.

في ظل تزايد الاعتماد على الشاشات والهواتف، التي تبرع في التخزين بقدر ما تبرع في الإلهاء، أحرص على الاحتفاظ بقلمي الأحمر، فهو رفيقي في حقيبتي، وقرب سريري، مرشدًا تارة، ومُلهِمًا تارةً أخرى، حتى وإن نَفد حبره في أوقات غير مناسبة أو ترك بقعًا على كتبي وأوراقي وحقائبي. يظل هذا القلم تذكيرًا دائمًا لي بأن الكتابة الحقيقية لا تبدأ بمقال، أو خطة محكمة، أو جهازٍ مزوّدٍ ببرامج التدقيق والذكاء الاصطناعي، بل بفكرةٍ صغيرةٍ ولدت من رحم القراءة وخُطَّت على عجل لتتخمر ببطء وتُكتب على مهل.

حرصي على القلم الأحمر، هو تمسّكٌ بحقي في هذه الكتابة البطيئة، هو حفاظٌ على إنسانية التجربة والشعور كي ينتقلا إلى القارئ، بما فيهما من ارتباكٍ وصفاء، من نقصٍ وكمال. وهو أيضًا دفاعٌ عن حق الكاتب في الشطب والإعادة، في تلك المحاولات المتكررة التي نقترب بها، مرةً بعد أخرى، من الجملة التي تشبه ما نعيشه حقًّا.

صحيح أن العالم يتسارع على نحوٍ يفرض علينا إيقاعه، ويُغري بالاختصار والتجاوز، ولكن الكتابة، كما عهدتها، لا تزال بحاجة إلى هذا البطء، إلى هامش الخطأ، كي تنمو وتنضج وتتفرَّع. لذلك، فإن تمسّكي بالقلم الأحمر شكلٌ من أشكال المقاومة اليومية، مقاومة هادئة، لا أدّعي سهولتها ولا دوامها، وربما تنهار يومًا ما. لكن، إلى أن يحدث ذلك، سأظل أكتب، وبالأحمر.

لهذا أحببت مقال «ثلاثة تأملات عن الكتابة» لمازن العتيبي. لأنه ذكّرني بأن الكتابة، في جوهرها، كانت، ولا تزال، أشد الأمور في حياتنا حميميّة وإيلامًا. فعلٌ نختبر فيه رغبة الكتابة وحبستها، ونلتقي بالنصوص التي نمزِّقها، والنصوص التي نُجبَر عليها، والنصوص التي تخوننا، والنصوص التي تدخلنا في نوبات اكتئاب والنصوص التي نفتخر بها.

ولعلي أضم صوتي لصوت مازن لأقول، حتى لو توقفنا الآن، حتى لو عانينا سطوة كُتاب الذكاء الاصطناعي و«البلبلة»، والإحباط والخيبة، وألم عدم الكتابة، حتى لو عدت إلى اضطراب القراءة مجدّدًا، فعلى الأقل، ولفترة من الزمن، كما قال مازن، كتبنا.


إبداعك يستحق جواز العبور للواقع ✈️

«معمل الريادة» في «المشتل» منصة تطوير  إبداعية مُصممة للأفراد و الفرق من خلال استشارات هدفها ترتب أفكارك وتساعدك على اتخاذ قرارات مهنية مدروسة.


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

هل غالب خطيبي مجرى النهر 📖

إيمان العزوزي

أُعلن الخميس الماضي عن فوز الروائي سعيد خطيبي بالجائزة العالمية للرواية العربية عن عمله «أغالب مجرى النهر». ولا يُعد هذا التتويج الأول في مسيرته، إذ سبق لروايته «حطب سراييفو» أن بلغت القائمة القصيرة للجائزة عام 2020، كما نالت روايته «نهاية الصحراء» جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2023. ويأتي الإعلان هذا العام في ظرف استثنائي، حيث أُقيمت مراسيمه افتراضيًّا، في خروج عن التقليد السنوي الذي يربطها بمعرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي أُلغي بسبب التداعيات الإقليمية للحرب.

يواصل خطيبي في روايته بناء مشروعه السردي القائم على تشريح الواقع عبر مساءلة التاريخ، وتفكيك الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث عام 1990 في مدينة بوسعادة، وتنطلق من واقعة موت طبيب التشريح «مخلوف تومي» مسمومًا. تشكل الجريمة المحرك الرئيس للحبكة التي سرعان ما تنفتح على حبكة تاريخية أوسع.

يوكل الكاتب مهمة سرد وقائع التحقيق لراوٍ عليم في حيز ضيق، مفسحًا المجال لصوتين رئيسين: الابنة «عقيلة تومي»، طبيبة العيون، والأب «عزوز خالدي»، المناضل السابق في جبهة التحرير والمتهم بالخيانة بوصفه «حركيًّا». يعتمد خطيبي في بنيته السردية المتعددة الأصوات (بوليفونية) على وحدات مزدوجة تدمج بين صوتي الشخصيتين وصوت الرواي العليم، حيث يسند لـ«عقيلة» سرد ذكرياتها في النصف الأول من الرواية، ولأبيها النصف الثاني. وللتمييز بين الصوتين، اعتمد الكاتب ترتيبًا رقميًّا لفصول الابنة، وترتيبًا أبجديًّا لفصول الأب. ومن خلال هذا الاشتغال الشكلي، يسعى خطيبي إلى استعراض تاريخ الجزائر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مرورًا بحرب التحرير، وصولًا إلى العشرية السوداء في التسعينيات.

«أغالب مجرى النهر» ليست معنيّة بالإجابات السريعة، ولكن بمحاولة تفكيك مشهدٍ مجتمع يعاني تبعاتِ الماضي، وهذا قد يغضب القارئ المسكون بالفضول لغاية النهاية، في تماهٍ واضح مع أسلوب أقاثا كريستي، لا سيّما في عملها «جريمة في قطار الشرق السريع».

يتخذ السرد طابع التداعي النفسي القريب من المونولوق، وقد بدأ من السجن الذي نأى به خطيبي عن صورته النمطية بوصفه مكانًا سالبًا للحرية، ليوظفه رمزًا لحالةٍ وجوديةٍ تُسائل الذات؛ فتبدأ المكاشفة بجسد «عقيلة»، وتمر بزواجها، وتنتهي بالمنظومة الاجتماعية التي تحاصرها. ونراها تستعيد سيرتها المهنية: امرأةٌ «تزرع النور» في عيون الآخرين، في حين تعجز هي عن رؤية نفسها وقراءة محيطها. والأمر نفسه بالنسبة إلى أبيها.

يُحسب لخطيبي جرأته في معالجة مواضيع شائكة، كالمجتمعات التي باتت تُقيّم أفرادها بناءً على تمسكهم بالعادات والتقاليد أكثر من حرصهم على دينهم، مما قد يجرهم لارتكاب جرائم فظيعة. وكقضية التبرع بالأعضاء التي لا تزال محل خلاف شرعي بين الفقهاء، مما أسهم في انتشار واسع لسوق سوداء للأعضاء البشرية، وما يرافقها من جرائم اتجار بالبشر. فضلًا عن ذلك، لفتني تناول خطيبي لدائرة المشاعر السيئة المستمرة بين الأمهات وبناتهن في علاقة البطلة بأمها وعلاقتها بابنتها، وإن كنت ألوم خطيبي على عدم كشف بنيتها النفسية.

كما تميزت لغة الرواية بالانضباط، مستعينةً بجمل وفقرات متوترة وقصيرة غالبًا، مما أتاح انتقالًا سلسًا بين الفصول، وبين الحدث والوصف النفسي. كما أحببت محاولة الكاتب تقريب بعض العبارات المغاربية إلى ذهن القارئ العربي وذلك بتعريبها مثل قوله: «التي جعلتني أتندم على ما عشته»، أو «فقد أدخلني بحر الهوى ثم أخرجني منه ناشفة». 

غلاف رواية «أغالب مجرى النهر»
غلاف رواية «أغالب مجرى النهر»

ومع فرادة هذا الأسلوب، فإن قراءةً متأنية تكشف عن اختلالات تجعل «أغالب مجرى النهر»، في نظري، تعاني عيوبًا أفسدت عملًا كان يمكن أن يكون أنضج، ليتفوق على الروايات المنافسة لها، خاصة «أصل الأنواع» و«الرائي».

يبدو عالم الرواية أشبه بقرية لا تتسع لأكثر من عشرين شخصًا، مع أن الأحداث تجري في مدينة بحجم بوسعادة، فالكل يعرف الكل، أو تربطه به علاقة؛ فـ«عقيلة تومي» عالجت سابقًا عيني والدة المحقق «جمال درقين»، ووالدها «عزوز خالدي» يعرف والدة المحقق «إدريس بادة»، والصديق «بودو» (الذي تنتظره كل الشخصيات في إحالة واضحة لـ«قودو» بيكيت الذي لن يأتي أبدًا) هو صديق قديم لـ«عزوز»، ومتهم أيضًا مثله بالعمالة. هذه «العنقودية» في العلاقات بلغت حدًّا يجعل القارئ يشعر بأن الكاتب يحرك شخصياته كدمى في مسرح عرائس، ومن ثم نشعر بوجوده على طول الصفحات.

تخلو الرواية من أي شخصية سويّة، فالأطباء فاسدون، مثل «عقيلة» التي تسرق قرنيات الموتى وتبرّر فعلتها بذرائع واهية، والأمهات قاسيات، كـ«قمرة» التي تنعت ابنتها بأبشع الأوصاف وتدعو عليها، والأبناء جبناء، مثل «ميلود» الذي تخلّى عن ابنته خوفًا من الفضيحة. كذلك يبدو المحققون منحازين، وحتى الطفلة «البريئة» تعبث بمشاعر أمها. كما يُصوَّر زوج عقيلة، القتيل، في مظهر الرجل المتعلم الملتزم دينيًّا، لكنه التزام ظاهري يفتقر إلى الأخلاق، حيث يمارس موبقات عدة سيكتشفها القارئ.

ذكرني هذا العالم الخالي من أي لمسة إنسانية برواية «هوارية» لإنعام بيوض، التي ترشحت بدورها للجائزة نفسها العام الماضي. ومع أن خطيبي، كما أظن، سعى إلى تجسيد آثار الاستعمار الفرنسي وتأثير الماضي في الأجيال المتعاقبة، فإن المبالغة في الطرح حالت دون تعاطف القارئ مع الشخصيات. فالإنسان مزيجٌ من النور والسواد، والرواية الناجحة هي التي تُبرز هذا التعقيد دون أن تختزله وتُلغي الصراع في ثناياه.

من المفارقة أن خطيبي أصر على تأطير روايته في عام 1990، عشية اندلاع العشرية السوداء، دون أن يمنح هذا الحدث أي حضور درامي ملموس؛ تبدو العشرية السوداء مجرد ديكور باهت يظهر عَرَضًا ليُذكِّر القارئ بفضاء الأحداث، لكنها تظل غائبة كأثر تابع للحبكة أو سياق مفسر لانهيار الشخصيات. هذا التجاهل لبدايات تلك الحقبة يخلق فجوة جوهرية في العمل، خاصة أن روايات خطيبي السابقة تميزت بعمقها التاريخي، بينما جنح هنا نحو الداخل الفردي مهملًا السياق الكلي الذي يفسر هشاشة ذلك الفرد.

وددت فعلًا لو ركزت الرواية على ظاهرة التخوين التي طالت المناضلين وتفكيك سياقها، وهو ما قد يفسر واقعة «البريئة» أو «لابولويت» (La Bleuite)؛ تلك العملية الاستخباراتية الفرنسية التي سعت لبث الشك في صفوف جيش التحرير عبر إيهامهم بوجود خونة بين صفوفهم، لا سيما في أوساط المثقفين، مما أدى إلى حملة تطهير أودت بحياة العشرات من الأبرياء.

وهكذا، تبقى «أغالب مجرى النهر» رواية تحترف الشكل وتتقن اللعبة السردية والبنية البوليفونية، وتقدم لغة جيدة، غير أنها تبقى أسيرة محتوى لم يجرؤ على كسر موضوعات صادفها القراء ألف مرة ( المجتمعات الذكورية، وضعية النساء، التناقض في المجتمعات المتدينة، السياسة ومآلاتها). ولعلي تمنيت لو ركز خطيبي على القالب البوليسي ليمنحنا كتابة إبداعيّة من جنس مغيّب عربيًّا.

رواية خطيبي في الحقيقة لم تغالب نهر الرواية العربية التقليدي، بل انجرّت مع تياره بما فيه من تكرار واستنزاف. فوزها بالجائزة قد يكون مستحقًّا ويتحدث عن براعة خطيبي التقنية، لكنه يكشف أن النقد الحقيقي للرواية العربية لا يزال ينتظر من يغالبه حقًّا..وهذا مثير للضجر..للغاية.


لا يكف الطامحون من الكُتاب عن السؤال: «هل من الضروري أن نعاني كي نصبح كتّابًا» أما أنا فقد دأبت على القول: «لاتجعل المعاناة تؤرقك، فهي قائمة سواء رغبت فيها أم لم ترغب.»

مارقريت أتوود


  1. ثمرة النار

تأليف: حنين الصايغ/ الناشر: دار الآداب

انكسار الأم هو النقطة التي تبدأ منها كل المعارك اللاحقة

من متع القراءة أنها تسافر بنا إلى مناطق ربما لن نستطيع زيارتها، وإلى ثقافات منغلقة على ذاتها، لتكشفها لنا وتقرّبنا من أشد مناطقها حميمية. وهذا ما تفعله حنين الصايغ في روايتها «ثمرة النار» على غرار روايتها السابقة «ميثاق النساء»، حيث تأخذنا إلى قرى لبنان الجبلية الدرزية، فنتجول في بيوتها العتيقة وأفرانها البلدية، ونستنشق تفاصيل حياة لا تصلها عدسات الكاميرات.

في هذه الرواية، تخرج الأم «نبيلة» من هامش رواية الصايغ السابقة لتصبح هنا صوتًا مركزيًّا. هي الأمّ صانعة الخبز والمُعيلة، المرأة التي احترق قلبها أكثر من مرة كما يحترق رغيف الخبز، والتي ظلت مشغولة بهموم ابنتها المتمرّدة «أمل». تعيش «نبيلة» في بيت عتيق، كتلك البيوت التي نشاهدها في المسلسلات الشاميّة، تزيّنه أُصص النباتات، وتقرفص أمام فرن بلدي، وعبر هذا المشهد نتعرف على قصتها.

لم تكمل «نبيلة» تعليمها الابتدائي، لكنها تميزت بذكاء متقد وحساسية عالية. عاشت بين ضيعتين متجاورتين، وعانت اضطهادَ عائلة تفضل الذكور وتتمنى البنات من أجل خدمة العوائل، قبل أن تنتقل إلى خدمة بيت زوجها.

تمتد الأحداث من ستينيات القرن الماضي حتى عام 2024، وترصد الصايغ تفاوت المكانة بين الرجل والمرأة في مجتمع يفرض عقوباته على كل من يتجرأ على الخروج عن المألوف. تعيش «نبيلة» صراعًا داخليًّا مستمرًّا بين ما تربت عليه وما بدأت تدركه، فتصبح لحظات صمتها وتأملها أكثر كثافة من أي حدث خارجي. هي واعية لكنها مُكبَّلة، راغبة لكنها مترددة، شاهدة لكنها عاجزة. بهذا التمزق تجسد الرواية معنى الغربة الداخلية؛ الغربة عن الذات وعن أصوات القلب المبتور التي تفضل البطلة مداراة ما يعتمل فيه.

لكن ما يميز «ثمرة النار» أنها لا تكتفي بالوصف، بل تمنح بطلتها مساحات خفية للمقاومة، مقاومة صامتة تمارسها عبر تفاصيل حياتها اليومية. من خلال علاقة «نبيلة» بابنتها «أمل» وحفيدتها، ترصد الرواية تحولات الوعي عبر الأجيال، حيث يتخذ الاضطهاد أبعادًا مركبة، يتجلّى في القهر الظاهر وفي ترسخه داخل البنية الذهنية ذاتها. وهذا يجعل الرواية أقرب إلى تأمل فلسفي في طبيعة القهر منها إلى شجب اجتماعي مباشر.

«ثمرة النار» نص ضاج بالجماليات، كفيل بتحريك المواجع كلها. تذهب الصايغ إلى تفكيك الواقع من الداخل، مانحة قارئها رحلة لا تُنسى إلى أعماق ثقافة مغلقة، فتجعل من الأدب جسرًا للفهم والتقارب. إنها رواية الألم، ولكنها أيضًا رواية مقاومة الألم.

ولكن، وبمناسبة الحديث عن الروايات التي لا تغالب نهرها، وددت لو اكتفت الصايغ بسرد تفاصيل هذه العائلة والمجتمع الدرزي في رواية واحدة متعددة الأصوات، لأن من قرأ «ميثاق النساء» ربما سيشعر ببعض الملل في تكرار النموذج نفسه على طول صفحات رواية أخرى للكاتب نفسه، حتى لو عدّل في الأسلوب والمعالجة.

  1. محاضرة في المطر

تأليف: خوان بيورو/ ترجمة: مارك جمال/ الناشر: منشورات تكوين

إن الكتب الورقيّة ترغم الناس على التواصل، إذا انتقلت من يدٍ إلى يد. وما دامت الحاجة إلى العثور على يدٍ أخرى قائمة، فالكتب الورقيّة باقية.

تُعد هذه الرواية خيارًا مثاليًّا لأجواء الربيع الماطرة؛ على قلة صفحاتها، فإنها تقدّم تجربة قرائية مكثفة تترك أثرًا لطيفًا وعميقًا في ذاكرة القارئ.

ينقلنا الكاتب المكسيكي خوان بيّورو، بدءًا بغلاف الرواية الذي تزيّنه قطرات المطر، إلى عوالم عاطفية متشابكة تدور حول الكتب والحياة. ينجح الروائي في الربط بين المطر والذكريات والحنين، جاعلًا من المحاضرة مدخلًا تأمليًّا يكشف من خلاله عن هواجسه الداخلية، ويعكس في الوقت ذاته مشاعر القارئ وتجاربه الخاصة.

تستهل الرواية أحداثها بسرد يكاد يكون مسرحيًّا، حيث ينفتح السرد على وصف دقيق للمشهد، ثم يتجه تدريجيًّا نحو تدفّق الأفكار والأحلام، في تداخل لافت بين الأدب والحب وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال هذا البناء، تتشكل الرواية ضمن أفق ما يُعرف في النقد الإسباني بـ«أدب العتبة»، حيث تتقدم اللحظات العابرة والتجارب الشعورية الدقيقة لتصبح محور الكتابة، وتتجاور حدود الداخل والخارج، والذاكرة والحاضر، في نسيج سردي هادئ.

نلتقي بمحاضرٍ أضاع أوراقه، فيجد نفسه منخرطًا في ارتجال محاضرته، مستندًا إلى تجربته الشخصية بوصفه أمين مكتبة وقارئًا وإنسانًا. ومن هنا، تتحول المكتبة إلى امتداد لذاته الداخلية؛ فضاءٌ تتراكم فيه الأزمنة كما تتراكم الكتب، وتتجاور فيه الذكريات في صورة تعكس تشكّل الهوية الإنسانية.

تمتاز الرواية برهافة حسية وعاطفة عفوية، وقد أضفت ترجمة مارك جمال طابعًا خاصًّا على العمل. وتعتمد في جوهرها على تساؤلات وجودية تتعلق بعلاقة الإنسان بالعالم، عبر لغة شاعرية شفافة تتخذ من نزول المطر مدخلًا للتأمل في الزمن والذاكرة والتحوّل. ويكتسب المطر حضوره الرمزي بوصفه وسيطًا بين التجربة الحاضرة واستدعاءات الماضي، حاملًا في طيّاته دلالات التجدد والقلق والغموض.

والسرد في هذه الرواية لا يسير في خطٍّ مستقيم، بل يتدفق بحرية عبر تيار الوعي، في إحساس حميمي يقرب الراوي من القارئ. أما التفاصيل الدقيقة، كالأصوات الخافتة ورائحة الكتب، فتضفي حيويةً على المكان، في حين يتخذ الصمت موقعًا دالًّا يسمح بإعادة ترتيب الأفكار واستبطان الذات.

سيذكرك هذا العمل القصير، أن الصوت سيكون له معنى إذا وجد من يصغي إليه، فالإصغاء هو تفسير لما نقول ولمن نكون. لذا، فكل ما علينا أن نفعله أن نستمر في الحكي والتعبير عن أنفسنا، فهناك بالضرورة شخص ما أو شيء ما سيقف ويصغي إلينا..كالمطر مثلًا.

  1. غريزة الفن: الجمال والتمتع والتطور البشري

تأليف: دينيس دتون/ ترجمة: هناء خليف غني، أحمد إبراهيم/ الناشر: سطور

الجمال هو أسلوب الطبيعة في التأثير عن بُعد.

يقدّم كتاب «غريزة الفن» تصورًا يجعل من الفن جزءًا متجذّرًا في الطبيعة الإنسانية، مرتبطًا بتاريخ الإنسان وتطوره بقدر ارتباطه بحاجاته الوجودية. ينطلق المؤلف من فكرة أن الميل إلى الجمال والإبداع تشكّل عبر مسار طويل من التكيف الإنساني، بعيدًا عن كونه ترفًا ثقافيًّا، حيث ساهمت قدرات مثل التواصل، وإظهار المهارة، والتعبير الرمزي في تعزيز فرص البقاء والتفاعل داخل الجماعات.

ويبيّن الكتاب أن التفضيلات الجمالية لدى البشر تحمل آثارًا عميقة تعود إلى بيئات قديمة، إذ يرتبط الانجذاب إلى مناظر طبيعية معينة بفضاءات وفّرت الأمان والموارد، في حين يعكس تقدير الأعمال الفنية المتقنة وعيًا ضمنيًّا بقيمة الإتقان والقدرة الإبداعية. وتظهر هذه الأنماط بشكل متكرر عبر ثقافات متعددة، ما يوحي بوجود أساس مشترك يتجاوز الفروق الاجتماعية والتاريخية.

ويُقارب العمل الفن بوصفه ظاهرة إنسانية شاملة، تتجلى في مختلف المجتمعات بأشكال وأساليب متنوعة، من النقوش الأولى إلى التعبيرات الفنية الحديثة. ويقترح أن فهم هذه الظاهرة يقتضي النظر إلى التجربة الإنسانية في كلّيتها، حيث تتداخل الأبعاد النفسية والبيولوجية مع السياقات الثقافية. ولتفسير ذلك، يناقش عددًا من الخصائص التي تمنح العمل الفني فرادته، مثل الخيال، والقدرة على التعبير، والارتباط بأنساق رمزية تتشكل داخل الجماعات.

يتسع نطاق الكتاب ليشمل قضايا عديدة: الغش الفني والانتحال (لماذا نهتم كثيرًا بالأصالة؟)، واستمتاعنا بالمآسي (لماذا نستمتع بقصص مؤلمة؟)، والموسيقا (لماذا تؤثر فينا بهذا العمق؟). في كل هذه القضايا، يربط دتون استجاباتنا الجمالية بآليات تطورية تتصل بالثقة، والتعلم من تجارب الآخرين، والتماسك الاجتماعي، بل أحيانًا اختيار الشريك.

لا يهدف دتون إلى وضع معايير للذوق الرفيع أو تقييم الأعمال الفنية، بل إلى الفهم: فهم لماذا نحب ما نحب، ولماذا نخلق الفن بالطريقة التي نخلقها. وهو يقدم حجة مفادها أن نظرية داروين للجمال (نظرية الجمال التطوري) يمكنها أن تُكمل النظريات النقدية التقليدية، مضيفةً بُعدًا بيولوجيًّا يساعد في تفسير الجذور العميقة لسلوكنا الفني.

«غريزة الفن» هو كتاب عن الطبيعة البشريّة نفسها، وعن كيفية تشكُّل أكثر ميولنا عمقًا وإنسانية، مثل حاجتنا إلى الجمال، وسرد القصص، والتعبير الرمزي، وهو يقدم حججًا مقنعة، وإن كانت مثيرة للجدل، بأنه لا يمكننا فهم الفن حقًّا دون فهم البيولوجيا التي تقف خلف قدرتنا على خلقه وتقديره.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+40 متابع في آخر 7 أيام