ثلاثة تأملات عن الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي

لا أظن الكتابة في خطر. لعل ما أندبه هنا هو انقراض الكتَّاب الذين يشبهونني على وجه الخصوص: كتَّاب أكسل قليلًا، وأبطأ قليلًا، لكننا، لفترة من الزمن على الأقل، كتبنا.


كثيرون كتَّاب، وإن لم يكونوا كتَّابًا فهم حتمًا قراء.

ولذا، عندما تنامى حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا، بدءًا من نوفمبر 2022 عندما أُطلق (ChatGPT 3.5) وأبهر العالم حينها، اعترك الكتَّاب والقراء مع هذا الواقع الجديد.

في مقالة هذا العدد، ينظر مازن العتيبي في هذا الواقع، ويستخلص منه ثلاثة تأملات جوهرية.

قراءة ماتعة!

عمر العمران


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

ثلاثة تأملات عن الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي

مازن العتيبي

تقاطعي الأول مع «محتوى» الذكاء الاصطناعي محفور في ذاكرتي. في 2020، قبل ثورة «تشات جي بي تي» بسنوات، انتشر على الإنترنت مولِّد ميمز آلي بالذكاء الاصطناعي. لم يتطلب المولِّد أي مدخلات منك، فقط تضغط زرًّا، تحصل على ميم. أغلب النتائج كانت عشوائية وليس لها أي معنى، مما زاد من قابلية أن يشاركها الناس، وأن يضحكوا على عشوائيتها وعلى المنطق الغريب الذي تقترحه. خصوصًا تلك المقتضبة أكثر، مثل هذه وهذه. وربما تكون النتيجة الأكثر انتشارًا على الإنترنت هي هذه التي تتكون من جزأين، الأول وصف لفعل: «أُطفئ المروحة لأن الجو بارد»، ثم وجه القط الكرتوني «توم» مصدومًا، حيث يمثل «بقية الراكبين في الهليكوبتر».

هذا هو التقاطع المحفور في ذاكرتي، أول مرة أضحكتني فيها آلة. ولَّدت النكتة في ذهني عديدًا من الأسئلة عن النكت والفن والضحك، وعمَّا سيحدث لو استطاع الذكاء الاصطناعي أن يصل يومًا ما إلى مرحلة «فهم» النكتة بدلًا من تركيبها عشوائيًّا. ولو أنه من الظريف الإشارة إلى أنه عند بحثي عن هذه الصورة من أجل المقالة، اكتشفت أن النكتة الموجودة في الصورة منتشرة على الإنترنت قبل 2020 بسنوات، بل أن شخصًا ما استخدمها على صورة «توم» نفسها قبل الذكاء الاصطناعي بثلاثة أشهر. يظهر أن المولِّد استخدم نتيجة من قاعدة بياناته التدريبية دون تغيير، مما يعني أن كل الأسئلة الوجودية التي شعرت بها كانت نتيجة تعرضي للاحتيال.

لكن لا يهم، لو لم تقترن الأسئلة الوجودية بتلك اللحظة، فالنصف الأول من هذا العقد الميلادي كان ممتلئًا بلحظات أخرى تستطيع توليد الأسئلة نفسها وأكثر. منذ أول حوار مع «تشات جي بي تي»، مرورًا بأول مقطع فيديو مزيف لم أنتبه إلى زيفه إلا بعد نشره، وحتى أول مهمة سلَّمتها دون أن يلاحظ أحد أنها من تنفيذ الذكاء الاصطناعي بالكامل، السنوات الثلاث الماضية كانت سيلًا لا ينتهي من التطور التقني المرعب. 

وبينما كانت الخيالات الأكثر تكرارًا في الأدب والسينما عن الذكاء الاصطناعي تتمحور حول التطبيقات العسكرية لهذه التقنية، أو العواقب العاطفية من ناحية وقوع البشر في حب الآلة -وهما جانبان حاضران بلا شك- لم يخطر ببال أي كاتب أن حرفته ومهنته ستكون أول ما يُزعزَع في هذه الثورة التقنية.

اليوم، لا يزال توليد مقاطع الفيديو بالذكاء الاصطناعي عملية صعبة تتطلب كثيرًا من التجارب والتدخلات الخارجية للحصول على نتيجة جيدة. توليد الصور يتطلب مجهودًا أقل، لكنه لا يزال معوقًا بعديد من التعقيدات التقنية والأخلاقية. النصوص في الجهة الأخرى، أصبحت ملعب الذكاء الاصطناعي المفضل. نماذج اللغة الضخمة (LLM’s) كما تسمى، تكتب لك كل ما تُريد: مقالات وإيميلات وتغريدات، وسيناريوهات أفلام ومسلسلات، وقصائد، وكل ما يُمكن أن يُكتب، حتى رثاء أقرب الناس إليك

ولا تقلق، هذه المقالة لن تتفذلك على رأسك بجملة «كُتبت هذه المقالة بالذكاء الاصطناعي» في نهايتها، فقدرة الذكاء الاصطناعي على الكتابة لم تعد محل شك حتى أُبهرك بهذا الكشف العظيم. ما هو محل شك هو كل ما سيأتي في أعقاب هذه الثورة. يتساءل الجميع: ما القادم؟ ما هو مستقبل الكتابة؟ ما هو مستقبل الكتَّاب؟ هل يضيِّع الكاتب وقته بتفادي هذه الأدوات؟ هل سيفقد جزء من البشرية القدرة على التفكير المنطقي لأنهم يستخدمونها؟ هل يمكن للمرء إنقاذ نفسه؟ هل يمكن له أن يطمح إلى إنقاذ «الكتابة»؟

سيتسابق الكتَّاب والأكاديميون والمنظِّرون للإجابة عن هذه الأسئلة، وستصيب إجابات وتخيب أخرى، إلا أن كل المحاولات لن تكون سوى تكهنات، مثلها مثل أي محاولة لتوقع المستقبل. رميات عمياء إلى المجهول، توزيعها الطبيعي يعني أن شيئًا منها لا بدّ أن يصيب، فيُنَصَّب صاحب الرمية الصائبة عينًا بصيرة، حتى تخيب رميته القادمة، فيُلقى جانبًا، وتبحث الجموع عن عينٍ أخرى.

إلا أنه بعد أكثر من عامين من بداية الثورة، تخللها رفضي مجرد الاقتراب من هذه الأدوات، مرورًا بالتعامل معها كلعبة وانتهاءً باستخدامها دوريًّا، وبعد عديد من الحوارات مع الزملاء من الكتَّاب ومديري الكتَّاب وأصحاب المشاريع التي تعتمد على الكتابة، أعتقد أن بعض الملامح عن المستقبل المجهول أصبحت أكثر وضوحًا من غيرها. 

ولا أريد أن أسمي ما سأكتبه هنا توقعات أو استنتاجات، فبطبيعة الحال هناك متغيرات كثيرة تحكم مسار الأشياء، تقنية واقتصادية وسياسية، ولا يمكن الجزم بأن كذا وكذا سيحدث بالتحديد. فلنسمها إذن تأملات؛ قناعات شخصية غير قابلة لا للإثبات ولا للنفي، إلا أنها قد تفيد القارئ في إضاءة شيء من الطريق الماثل أمامه، الذي سيتأثر بالذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر.

وادعائي أن الطريق الماثل أمامنا جميعًا سيتأثر هو لأن التأمل الأول:

  1. الكتابة الهجينة قادمة لا محالة 

من اللحظة التي بدأ فيها مصطلح «نماذج اللغة الضخمة» بالانتشار، بدا كأن نجاح الذكاء الاصطناعي كان مرفوضًا سابقًا من كثير من الناس، باستثناء المبشرين بالتقنية، وربما أصحاب الأعمال التي تعتمد على المحتوى دون أن يعدّوه «صنعة» لهم. كان الجميع يرى تهديدًا في هذه التقنية الجديدة. التهديد للكتَّاب، بطبيعة الحال، لا يحتاج إلى تفسير، وهم الذين يهاجم الذكاء الاصطناعي مصدر رزقهم وما يعدونه جوهر هوياتهم على حدٍّ سواء. 

مديرو الكتَّاب أيضًا لم يروه فرصة، فبينما تفاخر المتمرسون تقنيًّا بقدرتهم على استبدال هذه التقنية بالكتَّاب، كان المديرون أكثر وعيًا بأنَّ قيمتهم هي في إدارة هؤلاء الكتَّاب، وأن وجود تقنية تستبدل فريقًا يعني أنهم هم أيضًا معرضون للاستبدال ممن هم أعلى مرتبة في السلم، كما شعروا بالتهديد من الجهة الأخرى، وهي احتمالية أن يغشّهم كتّابهم باستخدام الذكاء الاصطناعي لتسليم المهام، فيختل ميزان العمل الذي يقضي بضرورة استنزاف الكاتب حتى النهاية. 

قلق الاستغفال هذا امتدَّ إلى كل المحتاجين إلى خدمات الكتابة، بدل أن يعتقد الجميع أنهم سيكونون من أوائل المستفيدين من هذه التقنية، ظن الجميع أنه سيتعرض للغش. فهناك احتمالية أنك ستدفع مبلغًا وقدره لكاتب مستقل أو شركة كتابة، فيذهب جزء يسير من هذا المبلغ لتغطية اشتراك أحد النماذج؛ النماذج التي حاولت أنت التعامل معها ولم تستطع، فتفوز الشركة بهامش ربح خيالي يأتي على حساب تخلفك التقني.

وكل هذه التشعبات تدور في فلك الكتابة الإبداعية والكتابة الوظيفية المباعة كخدمة، دون أن نعرِّج على كمية القلق التي طرأت على عالم الكتابة الأكاديمية والكتابة القانونية وغيرها. في هذا الجو المشحون انتشرت مواقع لكشف كتابة الذكاء الاصطناعي -أغلبها إن لم يكن جميعها يفشل في المهمة- وانتشرت النكات على أشخاصٍ نسخوا نتائج الذكاء الاصطناعي دون أن يزيلوا المقدمات والخواتم التي تكشفهم، وأصبح من هوايات اليساريين الغربيين الحديث عن أطنان المياه المستخدمة في تبريد خوادم هذه النماذج ومدى الضرر البيئي الذي تُحدثه. لكن شيئًا فشيئًا، تسللت عادة الكتابة باستخدام هذه النماذج إلى عدد ضخمٍ من أماكن العمل والمشاريع المعتمدة على الكتابة، ولم يكترث أحد.

ولا أذكر هذه المعلومة باعتبارها مأساة، فسبب عدم الاكتراث منطقي إلى درجة ما. بالنسبة إلى الكتَّاب الذين بدأوا استخدام النماذج في أعمالهم، أراهن بأن العملية الأساسية هي عملية المحاكاة. فيكون سيناريو التعامل الأول شيئًا مثل الآتي: يطلب منه مديره أن يكتب شعارًا لفظيًّا لحملة إطلاق منتج جديد، يذهب الكاتب ويعمل ليومين على توليد أفكاره بالطريقة القديمة: يفكر، يخربش ويستبعد كثيرًا من الخيارات غير المناسبة، يصل إلى مقترحَين يراهما الأنسب، يعرضهما على مديره في عرض تقديمي يحتوي كل مقترح في شريحة مع تطبيقاته ومميزاته. يثني المدير على عمل الكاتب، ويرى أن المقترحين فعلًا مناسبان، لكن ماذا لو كان هناك مقترح عامي إضافي؟ ماذا لو كان هناك مقترح يستهدف النساء حصرًا؟ ماذا لو وماذا لو… يطلب المدير من موظفه تجهيز ثلاثة مقترحات جديدة لتضاف إلى العرض، حتى يعرضه هو على مديره صباح الغد.

في هذا السيناريو المتخيل، لا يملك الكاتب رفاهية قضاء يومين إضافيين للتفكير في مقترحات جديدة، ويعلم هو سابقًا أن الخيار الأمثل سيكون بين المقترحين اللذين قدمهما، فما المانع من تزويد الذكاء الاصطناعي بالعمل الذي قام به حتى الآن وطلب ثلاثة مقترحات، أو ستة مقترحات حتى، بالتعليمات التي زوده بها مديره؟ المهمة التي كانت ستستغرق من الكاتب يومين أو ثلاثة تُنجز الآن في ساعات. بجودة منخفضة ربما، وربما سيبذل مجهودًا في تعديل التوجيهات ومحاولة الخروج بنتائج أفضل، لكنه بالتأكيد سيقضي وقتًا أقل مما كان سيقضيه لو أنه عمل على المهمة من الصفر. أما المدير، فهو لا يشعر بأنه قد تعرض للخداع، فلا يهمه مستوى المجهود المبذول من موظفه بقدر ما يهمه أن يدخل على مديره هو بخمسة مقترحات مختلفة.

هذا السيناريو المتخيل يتكرر مئات المرات، بادئ الأمر تكون عملية محاكاة وتقديم خيارات إضافية، ثم عملية تعديل وتطوير لنصوص بدائية لم يُبذل فيها مجهود حقيقي من الكاتب، ومن ثَمَّ يتحول الأمر إلى عملية كتابة أصلية سيعدل عليها الكاتب لاحقًا لأنسنتها. عمليات متعددة يلبس فيها النموذج الاصطناعي قبعات مختلفة، مرةً قبعة كاتب مبتدئ، ومرة محرر، ومرة أخرى كاتب تخطى مرحلة المحاكاة الصرفة وأصبح مديره يثق به أكثر. هذا دون التعريج على استخدام هذه النماذج في توليد الأفكار أو البحث عن المصادر أو إعطاء «الآراء» عن النصوص. في كل هذه الحالات، ما يهم هو النتيجة النهائية، للكاتب ولمديره ولصاحب المشروع المعتمِد على الكتابة، لا أحد يكره أحدًا لاستخدامه الذكاء الاصطناعي.

هذا الاستخدام الهجين المنتشر في بيئات الأعمال، سيشق طريقه -إن لم يكن شقَّه وانتهى- إلى كافة جوانب الكتابة الإبداعية. ولن تستطيع أن تعرف الدور الذي لعبه الذكاء الاصطناعي في الأغنية التي ستطربك بعد شهر، أو في افتتاحية مقطع اليوتيوب الظريفة التي ستُضحكك وأنت تأكل، أو في الانعطافة غير المتوقعة في أحداث الرواية التي أمتعتك طوال الأسبوع. ولن تكترث بالطبع، المهم لك أن تطرب وتضحك وتستمع، بغض النظر عن أي دورٍ لعبته التقنية في تحقيق هذا الأمر.

ولهذه الكتابة الهجينة نصيبها من الأسئلة والانتقاد والتشكيك. متى يكون النص نصي أنا؟ ما مستوى التدخل الاصطناعي الذي يصبح بعده النص صناعيًّا؟ ما عواقب استخدام هذه التقنيات في اقتراح الأفكار أو في تحرير النصوص؟ هل نخاطر بتقييد قدراتنا التعبيرية من خلال استخدام هذه النماذج التي تحمل معها ما تحمل من السياقات الأخلاقية والسياسية والثقافية؟ نعود هنا بطبيعة الحال إلى الإجابة في بداية المقالة: لا أعلم. لا أحد يعلم.

ما هو معلوم، في غياب أي تغيير سياسي أو اقتصادي غير متوقّع، هو أننا سنستخدم هذه النماذج لا محالة. حتى لو كانت العجلة الاقتصادية التي تحرك عالم الذكاء الاصطناعي فقاعة، وحتى لو لم يتحقق المستقبل المبهر الذي يحطم فيه الذكاء الاصطناعي استديوهات هوليوود وكبرى شركات التقنية، تدخُّل الذكاء الاصطناعي في الكتابة لم يعد قابلًا للتراجع. ستولد نماذج أفضل في هذه العمليات من النماذج الحالية، ستتخصص في أنواع مختلفة من الكتابة، وستكون أرخص، وسيستخدمها السواد الأعظم من الكتَّاب، وبدرجات متفاوتة من الاعتماد عليها.

وأركز هنا على مصطلح «الكتابة الهجينة»، وعلى استخدام الكتَّاب للنماذج، لأن التأمل الثاني هو:

  1. لن ينقرض الكتَّاب ولن تندثر الكتابة

في الأشهر الماضية، على منصات التواصل الاجتماعي، تدور رحى حرب الذكاء الاصطناعي والكتَّاب. لا يكاد يمر نص طويل دون أن يتَّهم أحد كاتبه بأنه استخدم الذكاء الاصطناعي. وهذه التهمة لا تقتصر على النصوص الجليِّ فيها تأثير الآلة، التي تمتلئ بالتشبيهات وبصياغات النفي ثم التأكيد -مثل هذه الجملة بالضبط- بل تطول أي نص يُرى أنه منمق أو نخبوي أو ممتلئ بالحشو أو ممل. لا ترتبط هذه التهم بالضرورة بمعيار الجودة، وكون النص جيدًا أو سيئًا، بل صارت لصيقة بعملية الكتابة المطوَّلة بغض النظر عن الناتج النهائي.

هذه النتيجة طبيعية. خلال العقدين اللذين قضيتهما على الإنترنت، كانت مهارة الكتابة عملة نادرة. أتذكر شعور خيبة الأمل الذي شعرت به في مراهقتي عندما علمت أن أنشط الأعضاء في المنتدى الذي كنت أشارك فيه (منتدى ريماس) كانوا ينسخون المواضيع من منتديات ومواقع أخرى. كان الكم الهائل من المواضيع وتنوعها ساحرًا بالنسبة إلي، وكذلك فكرة أني أتشارك مساحةً مع كل هؤلاء الكتاب الماهرين.

بعد قضاء المزيد من الوقت على الإنترنت تقبلت تلك الخيبة، بل وفرحت بها. في هذا العالم الضخم نوعان من الأشخاص، الجمهور والكتَّاب. أعجبني الزخم الذي يحيط بالكتَّاب القادرين على سبك مواضيع أصلية بأنفسهم دون نسخ، والقادرين على الجدال الكتابي المطوَّل لإفحام خصومهم. الكتَّاب تُثبَّت مواضيعهم، ويزيد عدد متابعيهم، ويهتم الأشخاص بآرائهم. وبذلك كان الاستعراض اللغوي، والكتابة المطولة، حتى لو كانت فارغة وبلا معنى، شكلًا من أشكال العملات الاجتماعية. ولو لم يعد عليك منها سوى أن يُقال لك «ما شاء الله عليك تعرف تكتب» لكفاك.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي، وأصبح الجميع قادرًا على الاستعراض اللغوي الفارغ. كارثة. وبينما ذهب جزء من الجمهور إلى استغلال هذه الفرصة، ذهب الجانب الآخر، الأكثر أصالة، إلى محاربة المتظاهرين. يعاونهم الكتَّاب الذين يشعرون بالخطر على مكانتهم الاجتماعية. وبينما تبدو هذه المعركة وجودية، إلا أنني وضعت «المكانة الاجتماعية» في مركزها لأنها فعلًا لا تتخطى هذا النطاق. 

باستثناء وصول التطور التقني إلى آلةٍ تشعر وتفكر وتعبِّر فعلًا، لا أظن هناك قلق على الكتابة (وحتى لو وصلنا إلى تلك المرحلة، أظن أن «الكتابة» ستكون آخر همنا!). فهذه ليست أول مرة تُهدَّد فيها قيمة فن ما بالتطور التقني. أتخيل شعور الخطَّاطين مع انتشار الطباعة، وكيف أصبحت مهاراتهم الثمينة متاحة على مستوى واسع لكل الناس. هل اندثر فن الخط حينها؟ بالطبع لا. تغيّرت قيمه الاقتصادية والاجتماعية، لكنه استمر فنًّا حتى بعد أن تجاوز المرحلة اليدوية السابقة.

عندما يخف هوس «هل كتب هذا بالذكاء الاصطناعي؟»، سيظل الجمهور يبحث عن شيء جيد ليقرأه (أو يشاهده أو يستمع إليه، مع كون الكلمة المكتوبة منبعه). وسيظل الكتَّاب أفضل من يستطيع تقديم هذا الشيء، سيظلون أفضل من يعبر عن مكنونات أقرانهم من البشر، وأفضل من يعبر عن التجربة البشرية. حتى لو استعانوا بالآلة، لا يمكن لهم أن ينجحوا في مهمتهم دون أن يكون لهم القرار الأعلى.

التجربة البشرية نفسها ستتغير بتأثير الذكاء الاصطناعي، وسيواكب الكتَّاب هذا التغير. ستستمر الآلة في محاولة محاكاة ما يكتبه البشر، الأجزاء الأكثر قابلية للمحاكاة ستنخفض قيمتها ويتجنبها الكتَّاب -مثل صيغة النفي ثم التأكيد السابقة- وما سيصعب على الآلة سيكون مساحة التنافس الحقيقية؛ الفرق بين الكاتب الجيد والكاتب السيئ. فالكتَّاب إذن مستمرون، والكتابة مستمرة. لكن بالرغم من نظرتي المتفائلة، لا أستطيع تجاهل الخطر القادم في الأفق، وهو التأمل الثالث:

3. سيُوأَد كتاب قبل أن يولدوا

القصة التالية هي أكثر قصة كررتها على أصدقائي خلال السنة الماضية. كنت أعمل على مشروع إبداعي ضمن فريق كبير، طرأت مهمة جانبية لصناعة فيديو قصير ضمن هذا المشروع، وتفرع لها فريق صغير منفصل، كنت أنا ضمنهم. لم يكن لهذا الفيديو مالك محدد أو توجه واضح، وكانت مهمة الفريق الصغير هي العصف الذهني لتحديد التوجه الأنسب بالاتفاق، ثم توزيع مهام التنفيذ على أفراد الفريق حسب التخصص.

في حال لم تحضر اجتماع عصف ذهني من قبل، قد يفاجئك أن المقولة المشهورة التي تُقال في بداية هذه الاجتماعات: «لا توجد أفكار سيئة، نبغى نسمع كل شيء» هي مقولة كاذبة. هذه الاجتماعات بطبيعتها كومة من الأفكار السيئة، خصوصًا في الفرق العشوائية التي لا يوجد لها قائد أو مدير. لكن في اجتماعات العصف الذهني لهذا المشروع، بدا جليًّا أن أصغر عضوة في الفريق، وهي أخصائية محتوى حديثة التخرج، كانت قادرة على التعامل مع الأفكار المطروحة بنضجٍ يتفوق على أغلب الحضور. كان لديها اطلاع ممتاز على النماذج المشابهة، وكانت قادرة على تحديد المناسب وغير المناسب بسرعة. عندما أُعيدَ تشكيل المجموعة لاجتماعات اليوم الثاني، وتقليص عدد الحضور لزيادة التركيز، كانت، بديهيًّا، ضمن من اختيروا للعودة.

وربما لأنني الأكبر سنًّا ضمن هذا الفريق الإبداعي، والشخص الذي، غالبًا، كان سيتولى عملية كتابة النص النهائي للفيديو، طلبت هذه الأخصائية محادثتي بعد انتهاء فترة العصف الذهني، وذكرت لي أنها كتبت مسودة نصٍّ للفيديو بناءً على نقاشاتنا خلال الأيام الماضية، وأنها ترددت حيال مشاركة النص باعتبار أنها «ليست كاتبة». سعدت بمبادرتها وطلبت منها إرسال النص إلي، وفي حال كان مناسبًا كنت سأشاركه مع بقية الفريق.

هذا الشك الذي اعتراها يعتري أشخاصًا كثرًا يرون أنهم لا يرتقون إلى أن يكونوا كتَّابًا، لأننا في الوعي العام قرنَّا الكتابة بالمهارة اللغوية، كما ذكرنا آنفًا، بينما في هذا العصر المرئي والمسموع لا تحتاج حرفة «الكتابة» إلى ملكة لغوية قدر احتياجها إلى تفكير وتحليل عالٍ وذوقٍ سردي جيد. ولم يكن لدي شكٌّ في أن الأخصائية تملك هاتين الخصلتين، ولذلك هي كاتبة ممتازة حتى لو لم تستوعب ذلك بعد.

لكن بمجرد فتحي نصَّها فوجئت بطوله. في كافة جلسات العصف الذهني كان هناك إجماع بأن الفيديو لا يجب أن يتخطى دقيقة ونصفًا، مما يعني أن عدد كلمات نصه لن يتخطى نطاق 1000 كلمة في حدٍّ أقصى، صفحة أو صفحتين. أما النص الذي أمامي كان يتخطى ثماني صفحات. من أول جملتين استوعبت أنه كُتب بالذكاء الاصطناعي، وأن الصفحات العديدة كانت شكلًا من أشكال فلسفة الآلة عند مواجهة «قالب» جديد، فبدلًا من أن يكون النص وصفًا مباشرًا للمَشاهد (مثل أغلب نصوص الفيديوهات الإعلانية)، كان القالب المستخدم يعطي لكل مشهد فقرة «النبرة»، وبعدها فقرة «المشاعر». وهكذا تحول الفيديو الدعائي البسيط إلى أفعوانية من المشاعر والنبرات المتداخلة.

كنت ذكرت أعلاه أن الكتابة الهجينة قادمة لا محالة، وذكرت أن الأخصائية كانت قادرة على التفكير وعلى التعاطي مع السرد بشكل جيد. ما الذي منعها من ملاحظة أن نص الذكاء الاصطناعي لم يكن جيدًا؟ ما الذي منعها من تعديل مخرجات الآلة حتى تخرج بشيء مقبول؟

يعود الأمر كله إلى الموازنة بين ألم الإنجاز وألم عدم الإنجاز.

تجربتي الشخصية مع الكتابة هي أنني كنت أقول لنفسي إني «كاتب» منذ طفولتي. يشجعني على هذا الوصف مديح معلِّمي مادة التعبير خلال سنوات الدراسة، وإطراءات رواد منتدى ريماس الآنف ذكره عندما علموا بحداثة سني. لكنني فعلًا لم أكن قد كتبت ما يكتبه «الكتَّاب». باستثناء الجدالات التي لا طائل منها في المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي، كانت مساهماتي الكتابية مواضيع إنشائية قصيرة جدًّا في المنتديات، ومحاولات فاشلة للمشاركة في مسابقات السيناريوهات أو القصص القصيرة (غنيمتي الوحيدة منها بطاقة جرير بقيمة 200 ريال على ما أذكر). والمحاولات كانت فاشلة بطبيعة الحال لأنني كنت لا أستطيع بذل مجهود حقيقي عليها، المسافة بين الفكرة والانتهاء منها يجب أن تكون لحظية، أو أنني سأنهار من ثُقل توقعاتي وخيبة أملي تجاه ما أكتب.

استمرت هذه المرحلة، مرحلة الكاتب الذي لا يكتب، حتى انتصفت في دراستي الجامعية. كنت معذبًا بانعدام كتاباتي، ومعذبًا في الوقت نفسه بثقل عملية الكتابة علي. كنت أشرع بمشاريع كتابية عديدة، ثم أركنها. بعضها يحتاج إلى بحث أكثر، بعضها يحتاج إلى أن يخمر -وهو لم يُعجن حتى- بعضها يحتاج إلى إعادة تفكير. الكثير من الأفكار، دون أي إنجاز.

كنت أظنني بحاجة إلى التعلم؛ أن كتابًا ما، أو محاضرةً ما، ستكون كفيلة بأن تدخلني عالم الكتابة، فاستهلكت كل ما وقعت عيناي عليه من كتب تعليم الكتابة أو مقابلات الكتَّاب عن أساليبهم. فعرفت أن هيمنقواي لا يكتب أكثر من 500 كلمة في اليوم، وأن تارانتينو يكتب سيناريوهاته بالورقة والقلم، وآمنت بأهمية التدوين اليومي للكاتب. لكنني لم أدوِّن يوميًّا، ولم أكتب.

طوال هذه الفترة، كان ألم الكتابة وثقلها يفوق ما سواه، فلم أكتب، وكان يكفيني أن أقول: «ناوي أكتب (X) الفترة الجاية»، ليخفَّ ألم عدم الكتابة. ثم في لحظة معينة، بدا لي أنني لن أكتب أبدًا، وبدأ ألم عدم الكتابة يزيد. فكتبت نصوصًا مختلفة، وجد أحدها (مقالة) طريقه إلى منصة تنشره. عرضت المنصة علي أن أنضم إلى فريق الكتابة، فوافقت، مع أنه لم يكن للانضمام عائد مادي، لكنني أردت الزخم. في المقابل، لتُعطى هذا الزخم، أصبح يُتوقَّع منك أن تكتب بصورة دائمة. فكتبت باستمرار، كتبت أشياء كثيرة لو كان القرار لي وحدي لظللت سنوات دون إنهائها. 

كتبت مقالات ومقاطع يوتيوب وفيديوهات دعائية وتغريدات وملفات إعداد حوارات وتقارير وعروضًا فنية ومالية. كتبت نصوص بودكاست جيدة وسيئة وما بينهما. كتبت بدوافع كثيرة ومتداخلة، لأجل المال ولأجل قول شيءٍ ما ولأجل جذب الانتباه، لكنني في المقام الأول كتبت لأنني أردت أن أكون «كاتبًا»، وكان السبيل الوحيد إلى ذلك الكتابة. فتعلمت رغمًا عني كيف أكتب، كيف أقاوم ألم الكتابة للوصول إلى شيء قابل للعرض. وصبَّت كل هذه التجارب التراكمية في إعانتي، بعد توفيق الله، على أن أُطلق هذا الحكم «قابل للعرض» على الأشياء التي لم أكتبها، على ما كتبه آخرون، أو ما كتبته الآلة.

وأتخيل لو عاد بي الزمن إلى 2017 وأنا لا أزال كاتبًا لم يكتب، وكان هناك زرٌّ يستطيع إزالة «ألم عدم الكتابة»، دون المرور بـ«ألم الكتابة». زرٌّ يتجاوز العملية من الفكرة إلى المنتج النهائي مباشرة. هل كنت سأضغطه؟ نعم، بلا شك. فأضع نفسي مكان الأخصائية، الآنف ذكرها، وأتخيلها تواجه فكرة ضخمة: «ماذا لو كتبت النص بنفسي؟»، لكنها لم تكتب نصًّا من قبل، بل لم تقرأ نصًّا لفيديو دعائي قبل هذه اللحظة. فتقرر أنها لن تعرِّض نفسها لإحراج استشارة أحدٍ أكثر خبرة، ستطلب من الذكاء الاصطناعي أن يحوِّل فكرتها البسيطة إلى نص. وعندما تضيف الآلة تفاصيل لم تطلبها، لن تكون لها القدرة على معالجة المنتج غير المناسب؛ المنتج أكبر من قدرتها على المعالجة. 

ضغطت الأخصائية الزر، واختفى الألم، ولم تعد هناك حاجة إلى التعلم. بعد عدة أيام من استلام النص، ذكرت للأخصائية أن النص الذي أرسلته لم يكن الأنسب للمشروع، ولم تمانع. فكرت في أن أناقش معها نقطة الذكاء الاصطناعي، لكنها بدت لي مخاطرة دون عوائد حقيقية. هي بنفسها وصفت نفسها بأنها «ليست كاتبة»، وربما لا تريد أن تكون أصلًا. لكنني ظللت أفكر في مصير كل الكتَّاب الذين لن يكتبوا أبدًا. 

بطبيعة الحال لا تزال النقطة الثانية سارية هنا: لن تندثر الكتابة ولن ينقرض الكتَّاب، وهذا ينطبق على الجيل الذي نشأ مع زر إزالة الألم. يوجد كتَّاب بقدرة أعلى على تطويع النفس، وسيكتب هؤلاء رغم إغراء عدم الكتابة. وسيكتب آخرون بطرق ملتوية أكثر، سيكونون محررين أكثر من كونهم كتَّابًا، وربما لا ضير في ما سينتجونه هم أيضًا.

لعلي لا أندب انقراض الكتابة في هذا التأمل الأخير، لا أظن الكتابة في خطر. لعل ما أندبه هنا هو انقراض الكتَّاب الذين يشبهونني على وجه الخصوص: كتَّاب أكسل قليلًا، وأبطأ قليلًا، لكننا، لفترة من الزمن على الأقل، كتبنا.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

لو كانت كلمة عربية ما أقرب إلى معنى ظاهرة علمية، لمنعنا أنفسنا منها لأن الإنقليزية ليس فيها مرادف لتلك الكلمة العربية!

في مقالة «كلمات العربية أصبحت تتشبه بالإنقليزية»، ينقد عبدالله بن حمدان وأمجاد بنت عودة الاستعارات العمياء من الإنقليزية في توصيف المعاني العربية وبناء جملها، رغم غنى العربية بل وتفوّقها في دقة الوصف وشموله.


*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

نشرة الصفحة الأخيرة
نشرة الصفحة الأخيرة
أسبوعية، الثلاثاء منثمانيةثمانية

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.

+30 متابع في آخر 7 أيام