هل تعاطفنا مع القرد المنبوذ صائب؟ 🐒
زائد: الخطيئة والنعمة في عادة القراءة قبل النوم.
في يوم التأسيس والاحتفاء بالهوية السعودية وتاريخها العريق، أعود إلى مقالات نشرة «فلان» التي رصد فيها كتاب وكاتبات معالم الهوية السعودية وتشكُّلها في تفاصيل الحياة اليومية، وذلك في سرد توثيقي شخصي قريب من القارئ. أستذكر منها «الموتور وجيل الطفرة» لبندر الحربي، و«الدخون الدوسري أكثر من عطر» لأمل الفاران و«البشت يتكلم حساوي» للكاتب يحيى عبداللطيف.
هذه الجهود في التوثيق هي احتفاءٌ بالوطن متجذر في العمل، والسعي إلى حفظ ذاكرة الأرض والناس من خلال كتابة المقال وإتقان مهارته وفنونه.✍️🌟
إيمان أسعد

هل تعاطفنا مع القرد المنبوذ صائب؟ 🐒
إيمان أسعد
قبل اندماجي في قصة مسلسل «الغميضة»، اندمجت مثل غالبية البشر مع قصة القرد «بَنْش» (Punch). في حال كنت منفصلًا عن تك توك وإنستقرام في رمضان، فملخص القصة أن قرْدة في حديقة الحيوانات في اليابان، بعدما خاضت ولادتها الأولى، رفضت رعاية رضيعها، فتولَّى العاملون في الحديقة الاعتناء به. ولأن صغار القردة يحتاجون إلى التعلق بفرو أمهاتهم، عوضوه بدمية قردة برتقالية بحجم كبير، وتعلَّق بها.
اللقطة التي كسرت قلوب البشر هي هذه، ولن أصفها لك بالكلمات، عليك فعلًا أن تراها. بين ليلة وضحاها تحوَّل القرد إلى شخصية عالمية كلنا نود الاطمئنان عليها. وبالطبع نالت الأم نصيبها وزيادة من الشتائم على قسوة قلبها، وهو بالضبط ما سنفعله مع أي أمٍّ بشرية تفعل الفعلة الشنيعة ذاتها بطفلها.
لكن هنا السؤال: هل من الصواب إسقاط نظامنا الأخلاقي البشري على الحيوانات؟
هذا السؤال من أصعب الأسئلة الفلسفية في دراسات العقل الحيواني ونظامه الأخلاقي. وكما قرأت في كتاب «ادعاء الموت: كيف تفهم الحيوانات الموت؟» للفيلسوفة الإسبانية سوزانا مونسو، فإن أغلبية العلماء في هذا الحقل يحذِّرون من إسقاط عواطفنا ونظامنا الأخلاقي في تفسيرنا تصرفات الحيوانات. وأتصور أنَّ من الصعب علينا الاقتناع بهذا التحذير، ليس بعد أن تربَّينا جميعًا على قصص الأطفال ومسلسلات الكرتون حيث تتصرف الحيوانات وفق النظام الأخلاقي والعائلي للبشر.
وأنا ممن لم أقتنع بوجهة نظر العلماء المتحجرة القلب هذه تجاه الحيوانات، إلى أن عشت موقفًا جعلني أعيد التفكير.
منذ ثلاث سنوات ولدينا قطة شارع اسمها «نَمْ نَمْ» تعيش في فناء البيت ونتولى إطعامها وسقيها. وخلال تلك السنوات أنجبت نم نم عدة مرات. وفي ولادتها الأخيرة قبل نحو شهرين، التي حدثت في استوديو الكتابة حيث أعمل، أنجبت أربع هريرات. جلست أرقبها خلال هذه العملية المضنية، ورأيتها كيف تعاملت مع كل مولود بعناية. وحين جاء الرابع، وبدأت تلعق المخاط والأغشية عنه، فجأة نفرت منه. حملته ورمت به في الزاوية بعيدًا عن إخوته! حملت أطفالها الثلاثة إلى حقيبة لابتوب اختارتها مسكنًا لها ولأطفالها، وتركت الرابع يئنُّ دون انقطاع وحده.
طبعًا قلبي البشري لم يحتمل. حملته مع كيس مشيمته ووضعته على وسادة ودثرته بقفاز صوف. عدت الصباح التالي وتوقعت أن أجده ميتًا على الأغلب، لكن وجدته حيًّا يرزق، لكن لا يزال منبوذًا من أمه. قررت هنا أن عليَّ التصرف، وأجبرت نم نم على احتضانه، وذلك بوضعي إياه في حقيبة اللابتوب مع إخوته. وحين أخرجَته عدت أنا وأدخلته. تكرر الموقف إلى أن قبلت نم نم بالأمر الواقع، وعاد إليها رشدها. لأشعر أنا بالزهو الأخلاقي بعدما أنقذت حياة مخلوق.
قبل أيام، رأيت الهريرات الأربع مع أمهن بعد اكتمال فترة الاحتضان. رأيتهن يلعبن في الفناء عند عتبة الاستوديو. وإذ ألحظ أنَّ إحداها أصغر بكثير من البقية، وجريها في المكان أشبه بالوثب. حملتها وإذ أجد أن قائمتها الخلفية اليسرى غير مكتملة النمو. والسؤال الفلسفي الذي يطرح نفسه الآن: هل كان تصرفي أخلاقيًّا تجاه هذا المخلوق حين لم أتركه يموت؟ وتجاه نم نم؟
بالطبع ما كنت لأستسلم فورًا للاعتراف بالخطأ، إذ عدت وقلت في نفسي: ومن قال إن من الصواب التخلص من الرضيع المصاب بإعاقة منذ الولادة؟ لكن ها أنا هنا أرتكب الخطأ نفسه: إسقاط نظامنا الأخلاقي البشري على الحيوانات، متجاهلين تمامًا أن لها نظامًا أخلاقيًّا آخر في غريزتها وفطرتها، ووفق نواميس الحياة التي تعيشها هي، لا نواميس الحياة التي نعيشها نحن.
هل، كما قالت آني دِلارد، قراءتنا البشرية لحياة الحيوانات وإطلاق الأحكام عليها منطلَقهُ استعلاءٌ أخلاقي عليها؟ ادعاءٌ بأننا أرحم بها ممن خلقها على فطرتها؟
لأنك صائم، وأنا صائمة، فهذا قدرٌ كافٍ من الفلسفة الأخلاقية على لقطة ترند سننساها في غضون أيام. وفي كل الأحوال، القرد «بنش» بدأ يجذب إليه أصدقاء من القردة (ونتمنى ألا تكون هذه الصداقة صداقة مصلحة لأنه مشهور). و«حبُّوب» ابن «نم نم» أراه الآن من نافذة باب الاستديو يلهو مع إخوته بحماس، وينظر إليَّ بكل امتنان لإنقاذي حياته. (معلش هذه قراءة بشرية متأثرة شوي بدراما هبة حمادة👀!)

تاريخ القراءة قبل النوم 🛌
بعيدًا عن دراما رمضان، شاهدت فلم «بيرفكت دايز» (Perfect Days). ومن اللقطات المتكررة في حياة البطل الروتينية، الاستلقاء على الفرشة وقراءة كتاب على ضوء المصباح الليلي. مرة يستلقي على ظهره، مرة على بطنه، مرة على جنبه، مرة يجلس القرفصاء.

تأثرت بهذه اللقطة، وانتابني الندم على ترك عادة القراءة قبل النوم في الأسابيع الأخيرة. كانت حجتي أنَّ المصباح الليلي الذي اشتريته قبل شهرين إضاءته ضعيفة، وهذه حقيقة، وأنا أتحمل الذنب لقراري شراء أرخص مصباح في المتجر. لكن لا يمكن عدُّها حجة إذا كان بإمكانك طلب مصباح ذي نوعية أفضل أونلاين، وهذا ما فعلت.
بعدها، سألت نفسي: كيف تطورت عادة القراءة قبل النوم؟
وجدت مقالة طويلة على «ذ أتلانتك» عن تاريخ هذه العادة، لكن ما لفتني أنها كانت تُعد سلوكًا خطيرًا للغاية، ومن يرتكبها معتوه. لماذا؟ لأنَّ قبل الكهرباء كانت الإنارة في الغرفة تعتمد على الشمعة، وبالطبع كل من يمارس عادة القراءة قبل النوم يعرف أننا غالبًا نغفو وننسى إطفاء المصباح. فتصوَّر ما سيحدث لو غفوت ونسيت إطفاء الشمعة: ستتسبب بحرق بيتك وربما القرية بأسرها معك!
وقد وقع حادثٌ كهذا في عام 1831، (البيت وصاحبه القارئ احترقا، أما القرية لم يصبها شيء). لتصدر الصحيفة تحذيرًا للقراء من ارتكاب الخطيئة الأخلاقية الكبرى في اصطحاب الكتاب إلى الفراش، وممارسة هذه العادة الخطيرة والمهلكة!
هنا تعمَّق إدراكي هدف الفلم من التركيز على هذه اللقطة من حياة البطل، هذه النعمة الاعتيادية للغاية والكبرى للغاية، التي يعيشها هو، وأعيشها أنا، قبل النوم.
إعداد🧶
إيمان أسعد

ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي.
«ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت!
ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع «ادخار سمارت».

«مجرد سؤالنا لأنفسنا: ترى هل نستطيع؟ مجرد السؤال بداية شكٍّ فى قدرتنا وثقتنا بأنفسنا.» يوسف إدريس
عندنا رمضان هو بابا.
للباحث والمهتم بتاريخ شبه الجزيرة العربية، موقع «الفَلَج» دليل مصادر أرشيفية أعدته غادة المهنا أبا الخيل.
كيف أثرت إبر التخسيس في خياطي البدل؟
كيف تعرف أنك مصاب بالنوستالجيا؟

يوم التأسيس ليس مجرد احتفالية.
حين يذكّرنا القرد بإنسانيتنا، وقسوتنا.

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.