تحوّلات الأغنية السعودية في الثمانينيات

عاشت الأغنية السعودية عصرها الذهبي في السبعينيات، ثم مرت في تحولات على يد جيل الفنانين المجددين وواجهت تحديات كادت توقف مسيرتها.

عاشت الأغنية السعودية عصرها الذهبي في السبعينيات، وواصلت على نمط «الأغنية المكبلهة» في الثمانينيات. إلا أن تأثيرات الطفرة ونمو فئة الشباب، مع تنوع فئات المجتمع وتعدد الذائقة، كلها أجبرت الوسط الغنائي على مواكبة تطور الأغنية.

ويمكن وصف الأغنية في الثمانينيات بـ«أغنية أصيلة موضوعًا ومعاصرة شكلًا». إذ امتد فيها تأثير المدرسة السنباطية القديمة -أو مدرسة بليغ حمدي الجديدة- والتي انتقلت بالأغنية السعودية في الستينيات من قالب اللحن الفلكلوري إلى الألحان المتعددة في النص الغنائي الواحد والمعروف بـ«المكبلهات».

لكن مع منتصف الثمانينيات برزت قوالب موسيقية جديدة وإن لم تكن جديدة كليًا، لكنها اختلفت عما كان مألوفًا. وبرزت أسماء جديدة في الساحة الفنية تريد خوض غمار التحدي والمنافسة مع الأسماء اللامعة. كما واجهت الأغنية السعودية تحديات ساهمت في تقليص انتشارها.

سطوع محمد عبده وخفوت طلال مداح 

لا يمكن تجاوز فترة الثمانينيات دون المرور على الدور المهم الذي لعبه الشاعر بدر بن عبدالمحسن في الأغنية. فمن خلال أسلوب كتابته والرمزية في نصوصه المقفاة والحديثة جسَّد المفهوم الحقيقي للأغنية الرومانسية السعودية. وأشعلت رومنسية بدر بن عبدالمحسن «الفريدة» التنافسية بين طلال مداح ومحمد عبده، إذ غنَّيا الكلمات ذاتها بشكلين مختلفين تمامًا رغم تشابه قالب الأغنية المكبلهة لديهما.

هكذا لعب التنافس بينهما دورًا كبيرًا في تحفيز الجميع على صناعة أغنية مميزة تصل إلى جمهور أوسع. وأكسب الأغنية السعودية قالبًا فريدًا أسهم في وصولها للعالم العربي. كما منحها بصمةً خاصة عن غيرها من الإنتاجات الخليجية والعربية يميزها المستمع من لحظة عزف المذهب.

وغنى طلال مداح ومحمد عبده في تلك الفترة كثيرًا من الأغنيات التي تظل حتى اليوم علامةً فارقةً في إرثيهما ورصيدهما الفني الكبير. فطرح طلال مداح في بداية الثمانينيات أغاني قصيرة تنوعت ما بين الأغنية الشعبية التقليدية القائمة على العود والأغنية المكبلهة. فغنى «زلزليني» و«أحبك كثر خطوات الثواني» و«بسكات» قبل ابتعاده عام 1981.

على حين شهدت الثمانينيات صعود محمد عبده الذي قدم أغانٍ مكبلهة منوعة اللحن ما بين تلحينه وتعاونه مع الكثير من الملحنين مثل عبدالرب إدريس. فغنى «صوتك يناديني» و«ليلة خميس» و«المعازيم» و«أرفض المسافة» التي جاءت تأكيدًا على كسر الأغنية لقالب الفلكلور بإيقاعها الحديث.

وإلى جانب بدر بن عبدالمحسن، غنى محمد عبده لشعراء آخرين. فغنى الطابع الشعبي مع الشاعر خالد الفيصل، مثل «بادي الوقت» و«طال السفر». كما غنى الأغنية الكويتية الحديثة في اللحن والكلمات مثل «المعازيم» لفائق عبدالجليل و«همس» و«محتاج لها» لبدر بورسلي. 

فأصبحت الثمانينيات بذلك واحدة من أميز محطات محمد عبده الفنية التي استطاع من خلالها الانتشار عربيًا بسبب غزارة إنتاجه الفني وحفلاته المتواصلة عربيًا ودوليًا. 

كسر قالب الأغنية المكبلهة 

انتهى النصف الأول من الثمانينيات بأغنية سعودية مكبلهة حديثة وناضجة، وبدأ النصف الثاني بمحاولات مختلفة قسمت الفنانين إلى نصفين. منهم من رأى الاستمرار بقالب الأغنية المكبلهة نفسه، بينما اجتاح النصف الثاني الرغبة في تجديد القالب وتقديم شيء مختلف يصل إلى فئات جديدة. فبرزت وجوه شابة أمثال عبدالمجيد عبدالله وطلال سلامة ورابح صقر وخالد عبدالرحمن وغيرهم.

حاول الكثير من الفنانين الجدد أداء الأغنية المكبلهة بغية الوصول إلى الجمهور بطريقة أسهل وأسرع كونها النموذج شائع الرواج. مثالٌ عليها أغنية «بسكات» لرابح صقر عام 1984. لكن المنافسة كانت صعبة جدًا في وجود محمد عبده وطلال مداح.

ودفعت المنافسة الصعبة العديد من الفنانين الجدد للبحث عن بدائل جديدة شكلًا وقالبًا تضع أقدامهم في الساحة ويستحوذوا بها على حصة من الجمهور المتعطش للتجديد. 

منهم من اختار توزيع أغانيه المكبلهة بشكل مختلف، ومنهم من توجه نحو الأغنية الخليجية الجديدة فتعاون مع ملحنين خليجيين مميزين. ومنهم من اختار التركيز على قالب الأغنية السعودية التقليدية المبنية على العود بكلمات تلامس طابع الشارع السعودي وتعكس واقعية فئاته.

التنافس نحو تجديد الأغنية

تميزت ألحان عبادي الجوهر في الثمانينيات بـموسيقاها التصويرية. فغنى «على الميهاف» لبدر عبدالمحسن عام 1986 و«غريب» لمحمد عبدالله الفيصل عام 1987 و«نسَّاي» لفائق عبدالجليل. فبرزت أغنيته بوضوح عن بقية منافسيه. 

ويعد علي عبد الكريم أول من أدخل الإيقاعات الخليجية في توزيع الأغنية السعودية. وكان ذلك عام 1986 مع ألبوم «بنلتقي» والذي وظف فيه «إيقاع الخبيتي».

أما رابح صقر فجاءت بدايته الفعلية مع إصداره ألبوم «مغرورة» عام 1988. إذ تميز الألبوم بإدخال الآلات الغربية في التوزيع، وتقديم اللون العراقي كلون حديث في أغنية «شوف ايش سوى». فقد اختار رابح صقر توزيع أغنيته بقالب موسيقي يختلف عن القالب السائد، وهذا ما جعل رابح صقر فنانًا وملحنًا وأيضًا موزعًا. 

بدأ عبدالمجيد عبدالله فعليًا في 1984 مع أغنية «سيد أهلي» التي قدمها على مسرح التلفزيون السعودي. وجاءت أشهر تعاوناته الفنية أواخر الثمانينيات مع الملحن البحريني خالد الشيخ في «طائر الأشجان» و«رد السلام» و«زمان الصبا» و«ساكن القلب» التي حققت شهرة أوسع خليجيًا.

تعاون عبدالمجيد مع خالد الشيخ بعد النجاح الذي حققه خالد على مستوى الأغنية الخليجية، لا سيما تعاونه مع أحمد الجميري في أغنية «شويخ من أرض مكناس».

ولا بد من الإشارة إلى تميز خالد الشيخ بألحانه التعبيرية. إذ يتمتع، على حد قول الكاتب أحمد الواصل، بالانطلاق في التلحين من محور الموضوع وتصوير المشاعر مثل الطفولة والفرح من خلال الموسيقا. وهذا تمامًا ما ميز ألحان خالد الشيخ مع عبدالمجيد عبدالله.

وإلى جانبهم، امتاز خالد عبدالرحمن بصناعة أغنية تقليدية سعودية مبنية على العود تنقل طابع البداوة المتأصل في كلماته. ومكنه هذا الطابع من الاستحواذ على مجموعة واسعة من الجمهور المتعطش للكلمات البسيطة مع اللحن التقليدي المتجدد.

سطوة الصحوة على سوق الكاسيت 

ظهرت الصحوة بداية الثمانينيات بالتوازي مع ثورة الخميني وبداية الجهاد الأفغاني ضد الروس وحادثة دخول جماعة جهيمان الحرم. وأفسحت هذه الأحداث المجال للتيارات الدينية  للتأثير في المشهد الاجتماعي والحياة الفنية.

في البداية لم تثن تلك الأحداث قافلة الفن من مواصلة مسيرتها، فتصدرت الرياض المدن السعودية في حفلات الأندية. وازدهر سوق الكاسيت بعد دخول مجموعة جديدة من الفنانين العرب كمنافسين جدد للفنانين المحليين.

لكن سرعان ما انتشر الخطاب الصحوي الديني في أوساط الشباب، وأضحى منبر الجمعة منصةً للهجوم على الفن وأهله. وأدت تلك الحالة إلى نشوء حربٍ باردة بين التيار الديني والتيار الفني الثقافي، امتدت معاركها إلى ساحات الأندية الثقافية.

لكن:

المعركة الأكبر شهدها سوق الكاسيت بين «الشيخ» و«الفنان». ووصل التنافس المحموم بين التيارين إلى أغلفة الأشرطة والعناوين الجذابة لتحقيق الرواج. Click To Tweet

وزادت حدة المنافسة عندما أنتج التيار الديني آلاف العناوين من المحاضرات والدروس والخطب والأناشيد التي وزعت عبر ملايين «الكاسيتات» فيما أصبح يُسمَّى «عصر الكاسيت». 

إذ حرص التيار الديني على توسيع قاعدته الجماهيرية من خلال التوزيع المجاني للأشرطة الدينية كأداة يصل بها إلى فئات المجتمع السعودي.

وبطبيعة الحال ربح التيار الديني المنافسة حيث استطاع الانتشار بكثافة. فتكلفة التسجيل والكاسيت لا تذكر مقارنة بعمل الفنان الذي يستوجب الكثير من المصروفات المتعلقة بالإنتاج والتسجيل وعملية التوزيع. فأثَّر انتشار الخطاب الصحوي ورواج أشرطته على أوساط المجتمع جاعلًا إياه أكثر تدينًا، وأثر عكسيًا على الحياة الفنية داخل السعودية.

ففي عام 1986  تلقى الوسط الفني نبأ إلغاء حفلة طلال مداح في القصيم، فجاء الإلغاء ضربة قاصمة في سلسلة الصراع بين «الشيخ» و«الفنان».

وتوالى بعدها منع الدورات الموسيقية والحفلات التي كانت في صلب اهتمام جمعية الثقافة والفنون لعقود طويلة. واستبدلت الموسيقا والأغاني في الأنشطة الترفيهية والمناسبات الرسمية بالأناشيد الإسلامية. 

هكذا بنت حالة الصحوة المتصاعدة شروط جديدة تتوافق مع أيديولوجيتها الدينية، بينما أخذت الحفلات تتلاشى من خارطة المناسبات الثقافية والترفيهية. وبلغت هذه الحالة ذروتها عام 1988 حين اقتصر ظهور الفنان السعودي على «الكاسيت» وبعض المناسبات الرسمية والخاصة.

مسيرة حفلات الأندية الرياضية 

كان لتعدد المحاضن الثقافية دورٌ هام في الدفع بعجلة التقدم الفني. ويتذكر السعوديون بداية الإذاعة مع طارق عبدالحكيم، وتوالي المسيرة مع تنظيم التلفزيون للسهرات الفنية التي قدمت أصواتًا واعدة إلى الساحة. كذلك دور جمعيات الثقافة والفنون المنتشرة في السعودية في تنظيم حفلات موسيقية.

ولعلَّ من المشاهد الفريدة التي تميزت بها الثمانينيات حفلات الأندية الرياضية، حيث أدت النوادي دورًا ثقافيًا هامًا إلى جانب نشاطها الرياضي والاجتماعي. فقدمت ساحة تتنافس فيها فنون المسرح والفلكلور الشعبي والبرامج الثقافية مثلما تتنافس الفرق الرياضية.

فمنذ الستينيات قدمت الأندية الرياضية أنشطة فنية في الطائف وجدة والشرقية مرورًا بالرياض. ويتذكر الكثير من السعوديين حفلة نادي الهلال بداية السبعينيات بمشاركة سلامة العبدالله وبشير شنان ومسفر القثامي. 

بعد توقف مسرح التلفزيون عام 1980 أصبحت الرياض مستقرًا للكثير من حفلات الأندية. وشارك فيها العديد من نجوم الأغنية العربية والمحلية أمثال سعدون جابر من العراق وأحمد فتحي من اليمن. أما محليًّا فنال النصيب الأكبر طلال مداح ومحمد عبده والعديد من الفنانين الشعبيين. 

وتقاسم ناديا الهلال والنصر نصيب الأسد من حفلات الأندية في الرياض. بدأها نادي الهلال عام 1980 بحفلة شارك فيها طلال مداح ومحمد عبده وحمدي سعد. تلتها حفلة نادي النصر عام 1981 شارك فيها طلال مداح ومحمد عبده وسعدون جابر.

ثم حفلة نادي الرياض عام 1983 للراحل فهد بن سعيد. ثم حفل نادي الطائي عام 1984 احتفالًا بصعوده للدرجة الممتازة. وشارك في الحفل محمد عبده وسلامة العبدالله وأحمد فتحي وسعد جمعة وراشد الماجد في بداية ظهوره، إضافة إلى فناني مدينة حائل الشعبيين: فهد عبدالمحسن والمعتزل عبدالله السالم وعلي المبارك.

ثم جاءت نقطة التحول الكبيرة حين فُرض على الأندية الاستعانة بالفنانين الشعبيين. ساهم هذا القرار في حضور أكبر للأغنية الشعبية وبروز روادها وفنانيها على مستوى المنطقة والسعودية. وهكذا استمرت الحفلات الغنائية في الرياض حتى عام 1988 لتتلاشى بعدها. وما عادت تظهر إلا في مناسبات نادرة كالحفلات الفنية المصاحبة لمهرجان الجنادرية عام 1992.

تسليع الأغنية السعودية

بوجود الحفلات الغنائية عاشت الأغنية السعودية حالة صحية رغم وجود الكثير من المؤثرات التي سببت ركود الساحة الفنية. لكن غياب تلك الحفلات وتقلصها أدى إلى انتقال الكثير من أصحاب الأصوات الواعدة إلى شركات الإنتاج.

«دعه يعمل دعه يمر» كان شعار شركات الإنتاج الفني فترة الثمانينيات حيث الهدف تسويق الإنتاجات وتحقيق أعلى الإيرادات. ففي عام 1983 غزت شركات الإنتاج سوق الكاسيت بفكر مختلف يهدف إلى توسيع قاعدة الأغنية ونقلها إلى آفاقٍ أرحب. وكان سيتحقق ذلك من خلال التعاون مع مجموعة من الشعراء والملحنين على المستوى المحلي والخليجي، ومع أسماء جديدة على الساحة.

الأغنية السعودية حبيسة اللا-إبداع

لطالما خُيّل لي أن الأغنية السعودية تحمل في كلماتها معانٍ أعمق وأكبر مما أسمعه في الأغاني الأميركية. إذ كانت المقارنة مرتبطة بما سمعته حينها من

9 أغسطس، 2020

ارتفع عدد الأعمال، وتسابق الفنانون على إنشاء شركاتهم الخاصة كالفنان عبادي الجوهر وشركته أوتار للإنتاج الفني، ومحمد عبده وشركته صوت الجزيرة. أضافت هذه التطورات بعدًا جديدًا للأغنية السعودية، لكنها على الجانب الآخر حولتها إلى سلعة تخضع للعرض والطلب. 

ورغم مساهمة الشركات في زيادة الإنتاج الفني إلا أن أكثرها أصبح يرى الأغنية كمصدر استثماري وتجاري بحت، مما أثَّر على حركة ظهور أصوات جديدة على الساحة. إذ أصبح الفنان صاحب الشعبية المرشح الأكثر تأهيلًا للتوقيع مع شركات الإنتاج الفني. فمنحت الشركات بذلك أسماء فنية محددة السيطرة على الساحة وحرمت آخرين من الظهور.

مع نهاية الثمانينيات تولت شركات الإنتاج مهمة تطوير الأغنية عوضًا عن الفنان، وبدأ قالب الأغنية السعودية يتشكل مجددًا. فقد فرضت الشركات شكلاً جديدًا وقالبًا مختلفًا وروحًا جديدة مختلفة عن روح الشارع السعودي الذي اعتاد المشاركة في اختيار الفنان منطلقًا من ذائقته الموسيقية. 

الأغنية السعوديةالصحوةالمجتمعالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية