الأهزوجة ومولد الأغنية السعودية قبل الإذاعة

جمعة الجميعة 28 أكتوبر، 2020

تتأثر الحياة الموسيقية والثقافية في أي بلد بطبيعة البلد الجغرافية وتاريخه وعقائده وتراثه وحياة أفراده في الصحراء والبادية والبحر. وتنتج هذه المؤثرات وغيرها موروثًا يعكس تفاصيل الحياة الاجتماعية الغنية عن طريق الغناء والشعر.

وتكرر بعض الألحان والنغمات لتعكس المشاعر الإنسانية في لحظات الفرح والحزن والشكر، بإيقاعات حيوية وألحان مميزة، تلائم حالة الإنسان العاطفية، وتتسق مع أسلوب حياته. فالأهازيج موروثٌ شعبيٌ ينشده القرويون في كل أنحاء الأرض في مناسبات كثيرة للاستعراض ووقت الحروب والأعراس والاستقبال والتوديع وعند الوفاة. 

ولأن تاريخ الجزيرة العربية ينضح بموروث قديم كفيل بإغناء جوانب الحياة الموسيقية والثقافية، عرفت المنطقة في الجاهلية فن الهزج أو «الأهزوجة»، أي الغناء. وهو فن قديم أطلق العرب على أصنافه مسميات مختلفة، تختلف باختلاف نوعها والمناسبة التي تغنى فيها.

الأهازيج في الجزيرة العربية

تنوعت الأنماط الشعرية التي استخدمها شعراء الجزيرة العربية في كتابة الأهازيج الشعبية، وذلك اعتمادًا على نوع الأهزوجة ومناسبتها. إذ استخدم العرب أهزوجة الرجز عادة في الحروب. ورددوا أهزوجة الحداء لحث الإبل على السير، وغيرها الكثير.

أما الموال، فعادة ما تناول المواعظ والغزل والشكوى والحكمة والرثاء. بينما تكونت الشيلة، وهي أغانٍ ذات نغم، من ألحان شعبية عرفها الوجدان الجمعي وصاغ كلماته وفقها.

وفي العصر الحديث، ارتبطت بعض الأهازيج ارتباطًا وثيقًا بالبيئات والمهن. إذ سميت أهازيج البحارة بـالنهمة، وهو الغناء الذي يواكب سير العمل في السفينة، ويتناول تيمات البحر والبحارة. وهناك الفن الهجيني وغناء أهل الإبل وحداء السواني، وهي عملية استخراج الماء من الآبار اعتمادًا على الجمال، وغيرها أغاني البناء والفلاحة والطحن والصيد.

ويعود تطور الأهازيج في دول الخليج العربية إلى تطور البيئة الحاضنة وديموغرافية المنطقة. 

الفنون الشعبية 

تشترك بعض أقاليم الجزيرة العربية في أنواع مختلفة من الفنون كالرزفة والسامري اللذين يعدان من أشكال الشعر النبطي المنتشر بين نجد والكويت والبحرين وقطر والأحساء. ويعدّ شعرًا أدائيًا مقتصرًا على الرجال، حيث تقف مجموعتان في صفين متقابلين للغناء.

كذلك فن الزهيري الذي يعد أحد أنواع فن النهمة المنتشر بين الأحساء والكويت والبحرين وقطر والعراق. بينما يعود فن الكسرة إلى مدينة ينبع. أما المجرور ففنٌ شعبيٌّ ظهر في منطقة الحجاز واشتهر في مدينة الطائف، يبدأ بالتحية، ويجمع بين الشعر والغناء والرقص؛ ويقام في المناسبات والأعياد والمهرجانات الثقافية والتراثية. والزامل فن غنائي جماعي من نجران، يلقي فيه الشاعر أبياته ويكررها حتى يحفظها الجمهور، فيرددها من بعده بصوتٍ جهوري.

وتشترك مكة المكرمة والمدينة المنورة بفن المجس وهو موال حجازي. كما تتميز أقاليم أخرى بأنواع مختلفة من الفنون الوافدة التي استقرت في الحجاز والأحساء ونجران ومكة المكرمة مثل فن المزمار، وهو فن راقص تستخدم فيه آلة المزمار القادمة من الحبشة.

واستقدم الوافدون إلى الحجاز من اليمن وعمان فن الدان. وسُمي فن الطنبورة الراقص كذلك لاستخدام آلة الطنبورة الوافدة من الصومال إلى الأحساء؛ مثلما وفد فن المرافع إلى نجران. والصهبة، تلك التواشيح والقصائد المغناة، والدور، ذاك الفن الغنائي الذي يؤديه مغنِ رئيس، ويشاركه الكورال في بعض أجزائه، مع مرافقة بعض الآلات الموسيقية، فهما صِنفان استُقدما من مصر إلى مكة المكرمة.

ساهم انتقال الفنون الغنائية التي تشمل الأداء والغناء والحركة بمختلف أنماطها ورقصاتها المصاحبة، في تطور الفنون الغنائية الناشئة في أنحاء السعودية. وتطور الوافد منها مُتخذًا صورًا مختلفة من الأداء والتواتر، يتناسب مع مكان استقرارها الأخير. مما جعل الفنون الغنائية جزءًا من العناصر الثقافية والمكونات الحضارية التي ساهمت في خلق قالب «الأغنية السعودية» لاحقًا.

تجارب التسجيل الأولى في السعودية

في القرن الواحد والعشرين دخلت المجتمعات حالة جديدة، ساهمت في تطور فن الغناء. حيث أتاحت وسائل نقل الأغنية وأجهزة تسجيلها، تسجيل أغنية تناسب عصرها وتتماشى أكثر مع المؤثرات المحيطة.

بدأت تجارب التسجيل الأولى في السعودية، عندما قامت القنصلية الهولندية في جدة عام 1905 بتقديم أول تسجيل فني، وثقت خلاله بعض التسجيلات الارتجالية لأصوات الحجيج، ترافقها نماذج غناء جماعي لفن الصهبة. وكان من بينهم صوت الفنان حسن جاوة.

بينما أتت التجربة الثانية من الحجاز، للشريف هاشم العبدلي في العشرينيات، عندما سجل خمس أغانٍ في القاهرة، بعضها لفن المجس الحجازي وهي أغنية «سبتُ بذاتِ المحيا» و«صاح في العاشقين». كما سجل أغانٍ أخرى من فن الدانة تحت عنوان «ترفق عذولي» و«بات ساجي الطرف».

والدانة فنٌ يبنى على لحن الدانة الحجازي. أما الأغنية الأخيرة فكانت لفن المجرور وهي «إلهي سألتك». واعتادت مجموعة من فناني الأحساء والرياض السفر إلى البحرين والكويت لتسجيل أعمالهم منذ منتصف الخمسينيات، حتى ظهور الأسطوانات في نهاية العقد.

لتنشأ لاحقًا بعد توفر أجهزة التسجيل، مجموعة من الاستوديوهات في الرياض والأحساء، احتفظت بمجموعة من تسجيلات تلك الحقبة، كتسجيل شادي القصيم صالح الدوسري وشادي الرياض سعد اليحيا وفرج الطلال وفتى حائل سالم الحويل ووحيد الجزيرة فهد بن سعيد.

أما من الأحساء، فنذكر عبدالرحمن الهبة وعايد عبدالله وعبدالله العماني وفرج المبروك وطاهر الأحسائي ومطلق دخيل. ومن الحجاز، احتُفظ بتسجيلات عبدالعزيز شحاته ومحمود حلواني ومحسن شلبي؛ ومن الجنوب، علي عبدالله فقيه.

ويذكر أن آلة العود كانت ممنوعة حتى عام 1953، حيث قام الملك سعود بفسحها بعد ذلك، سامحًا لبروز الفن واستمرار حركة التطور الفني.

قالب الأغنية السعودية قبل الإذاعة

يمكن وصف الأغنية السعودية قبل انطلاق الإذاعة عام 1961 بالشعبية الفلكلورية. حيث اعتمدت آنذاك على إعادة إنتاج الأغاني التراثية أو الفلكلور، ترافقها آلة العود وبعض الإيقاعات. واعتمد المطربون السعوديين أسلوب «أغنية اللحن الواحد» في تلحين أعمالهم.

ويؤكد الناقد الفني محمد سلامة هذا بقوله بأن «الأغاني قبل طلال مداح كانت في مجملها تراثية وفلكلور يعاد غنائها وإنتاجها، حتى بدأ طلال مداح بتقديم ألحان جديدة»

ويضيف سلامة بأن أغنية طلال أسهمت في « كسر الطابع المذهبي في الأغنية المحلية ونقلها إلى الأغاني المكبلهة التي تتكون من مقاطع مختلفة الأوزان والقافية، غير التجديد الذي أضافه في الإيقاعات والمقامات»

أي أن الأغنية السعودية قبل تأسيس الإذاعة كانت أغنية مذهبية بسيطة يمكن فصل أجزاء منها وغنائها على حدة. ويقصد بالمذهب مطلع الأغنية ومضمونها، ويتكون من عدة أبيات تنتهي جميعها بقافية واحدة. 

الأغنية السعودية الحديثة

في نهاية الثلاثينيات، التحق طارق عبدالحكيم -مؤسس أول مدرسة موسيقية حديثة في السعودية- بالجيش. وصدر قرار ابتعاثه بعد ذلك من وزير الدفاع وقتها، الأمير منصور بن عبدالعزيز، على حسابه الخاص لدراسة الموسيقا في مصر عام 1952.

ولكن البعثة لم تتم، حسب ما ذكر الناقد الفني علي فقندش، إذ «تعذر ابتعاث طارق عبدالحكيم لدراسة الموسيقا على حساب وزارة الدفاع، لموقف المؤسسة الدينية الرسمية من المعازف حينها، على الرغم من حاجة الجيش لفرقة موسيقية». ليعود عبدالحكيم بعدها ويؤسس أول مدرسة موسيقية للأمن العام عام 1954.

يصف فقندش الأغنية السعودية قبل طارق عبدالحكيم وعبدالله محمد بأنها «أغنية جماعية ومذهبية، قبل أن يضيفا لها الكبلهة والألحان المتنوعة». كما طور طارق النشيد السعودي، وأسس أول فرقة رسمية في الإذاعة عام 1961. وهي الفرقة التي كانت تعزف السلام الملكي والمارشات العسكرية حينها.

وتنتمي معظم أعماله قبل تأسيس الإذاعة للموروث الغنائي المعتمد على النموذج المصري الشعبي والتراث اليمني. كما عُرف عبدالحكيم ملحنًا ومغنيًا من خلال أغانيه الشهيرة «يا ريم وادي ثقيف» و«عند النقا» و«يا لابس الإحرام». 

ولا يمكن أن نغفل دور مطلق الذيابي الملقب بسمير الوادي، الذي كان شاعرًا وملحنًا ومغنيًا، إلى جانب شغله منصب مذيعٍ منذ عام 1955.

سجّل سمير أغنياته بين شركات الأسطوانات والإذاعة منذ عام 1961، وجمعت ما بين الطابع البدوي والتقليدي. كما قدم مجموعة من الألحان لأصوات سعودية كطلال مداح ومحمد عبده وابتسام لطفي.

الأغنية السعودية الحديثة والملحن

تغير شكل الأغنية السعودية بعد تأسيس الإذاعة، حتى أصبحت أغنية مختلفة الشكل والقالب. ويعود فضل هذا التغيير إلى الملحنين السعوديين في الخمسينيات والستينيات.

فإلى جانب إلمامهم ومعرفتهم بمدرسة الغناء العربي، استوعب الملحنون التراث السعودي وأعادوا إحيائه، من خلال تقديم ألحان شعبية أو ألحان مدنية الطابع تواكب التطور العمراني والتغييرات الطارئة على الحياة الاجتماعية. 

ويرى المتخصص في الدراسات الثقافية وتحليل الخطاب الثقافي، الكاتب أحمد الواصل، بأن عبدالله محمد هو الأب الأول للغناء الشعبي، نظرًا لما قدمه من ألحان شعبية تغنى بها طلال. كما ساهم فوزي محسون وسراج عمر في تقديم ألحان حجازية الروح، مدنية الطابع، تنقل قصص حارات جدة. ورغم قلة ألحانه، ساهم عمر كدرس في تطوير التراث الحجازي.

ولا ننسى ألحان طارق عبدالحكيم التي اعتمدت على النموذج الشعبي المصري والتراث اليمني، وألحان طلال مداح المكبلهة العاطفية.

إن مرحلة تشكل انطلاق الفنانين ما بعد الإذاعة والتي يسميها الواصل بـ«المرحلة الثانية»، مرحلة مهمة للشعراء والملحنين السعوديين الذين استطاعوا مواكبة قالب الأغنية الحديث الذي أسس له طارق عبدالحكيم وطلال مداح.

تُعدّ الفنون والموسيقا أداة تعبير للواقع الذي يعيشه الإنسان، وتتطور متماشية مع تطور حياة الإنسان وأحلامه ونوع التحديات التي يواجهها خلال فترات زمنية مختلفة. فتتغير الكلمات والألحان من عصر لآخر، استجابةً للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تلحق بالمجتمع.

وقد طور الفنانون السعوديون الفنون الشعبية البسيطة، وخلقوا قالب أغنية حديث مميز. وساهم الشعراء والملحنون في مجاراة هذا التحول من خلال استلهام كلمات وألحان جديدة تناسب التطور الكبير الذي عاشته السعودية وقتها ومجاراة قوالب الأغنية الحديثة والمتطورة في المنطقة العربية. 


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×