لماذا علينا الحديث عن تحيّز العلوم الاجتماعية

ينشرون أفكارًا غير مثبتة على أنّها حقائق، لا يمكن التشكيك فيها، فتنتشر بدورها في المجتمع والإعلام وتؤثر على سياسات الدول. والعلوم الاجتماعية أكثر....

لا جدال في أن جودة الحياة ارتفعت بشكل عام وبوتيرة سريعة خلال القرن الأخير بفضل التقدّم العلمي في شتى المجالات مما نتج عنه تلقائيًا إيمانُ الناس بالعلم. والجميع بات يتحدث عن الأدلة العلمية في نقاشاتهم، ويستندون إليها لإثبات أفكارهم وآرائهم، يستوي في ذلك العلماء والعوام. 

حتى من يسعى إلى نشر الإشاعات بين الناس، يكفيه إضافة العبارة السحرية التي تشبه ختم الاعتماد «أثبتت الدراسات أنّ….»، فما من طريقة أسهل للتأثير في الناس وإقناعهم من عرض أدلة علمية لا يستطيعون مجادلتها.

لا أنوي الحديث عن ناشري الشائعات في مجموعات الواتساب تحت غطاء العلم، بل عن مؤسسات علمية وعلماء ينشرون أفكارًا غير مثبتة على أنّها حقائق لا يمكن التشكيك فيها، فتنتشر بدورها في المجتمع والإعلام وتؤثر على سياسات الدول. والعلوم الاجتماعية أكثر المجالات العلمية التي تنتشر فيها هذه الظاهرة.

غلبة التوجه اليساري على العلوم الاجتماعية 

يعتقد كثرٌ من الناس أنّ العلم يقف دومًا على الحياد ولا مجال فيه للتحيز، لكن الواقع يُظهر غير ذلك. فكما تسيطر على الناس أفكارٌ معينة كل فترة تاريخية، يتأثر العلماء أيضًا بأفكار زمنهم وبلدانهم، مما يؤثر بشكل مباشر على إنتاجهم العلمي.

لكن العلوم لا تتأثر بالتحيز على الدرجة ذاتها، فالرياضيات والفيزياء أكثر مناعة ضدَّ التحيز لأسباب واضحة، إذ يدرسان حقائق مجردة أو موضوعية لا علاقة لها- مباشرة على الأقل- بالقيم والقناعات الشخصية.

في المقابل، تدرس العلوم الاجتماعية الإنسان والمجتمع، وتتناول تعريفات الإنسان السويّ والمجتمع السليم، وتبحث في طرق العيش المثلى وغيرها من المباحث المتعلقة بالإنسان، فهي الأكثر عرضة للتأثر بالقيم السائدة، أي الأقل مناعة ضد التحيز. 

فمن الأفكار التي سادت بين العلماء في السابق، وتقبلوها كحقائق بديهية، التصنيف العلمي للأعراق البشرية وتعميم صفات محددة عليها: الأبيض ذكيّ، والأسود بليد وكسول، أو هذا عرقٌ متفوق والآخر متخلّف. كذلك اعتبار الإناث أقل مرتبة وقيمة من الذكور.

ولو كنا نعيش حينذاك لقبل أغلبنا تلك الأفكار على أنها حقائق علمية، مع أنها مجرد خرافات وتصورات سادت في المجتمع وتسربت إلى المجال العلمي. ما يدل على أن العلم في أي زمان ومكان ليس بريئًا من تحيزات عصره، سواء كانت تميل إلى اليمين أو اليسار.

تكمن مشكلة العلوم الاجتماعية اليوم في افتقارها للتنوع الفكري وغلبة التوجه اليساري حاليًا في دراساتها، ما يشكل دائرة مفرغة يسودها رأي واحد. أي لا وجود لبيئة متوازنة تحقق الاعتدال وتوفر الاختبار والامتحان الحقيقي للفرضيات المطروحة ونتائجها.

احتكار الحقيقة في العلوم الاجتماعية

وتناول عالم النفس الاجتماعي، جوناثان هايدت، التحيز في كليات العلوم الاجتماعية وغلبة الرأي الواحد فيها وأثر ذلك على مخرجاتها. واستشهد بإحصائية تفيد بأنّ نسبة أصحاب التوجه اليميني إلى أصحاب التوجه اليساري في مجال العلوم الإجتماعية حاليًا واحد إلى أربعة عشر، على عكس ما كان عليه عليه الوضع في السابق، وأن النسبة آخذة في التضخم.

أي مقابل كلّ أربعة عشر عالمًا ذو توجه يساري هناك فقط عالِم يميني واحد، وهذا يفسر التشكيك في مصداقية هذه المجالات بين الحين والآخر، إمّا بسبب فضيحة تزوير نتائج من أجل إثبات أفكار أيديولوجية معينة، أو بسبب القيمة الأكاديمية المنخفضة جدًا لـ75% من أبحاثها، التي لم تُقتبس أو يُستشهد بها قط.

لا أقصد مهاجمة اليسار أو إطراء اليمين. فلا شك لديّ أن لكليهما نوايا متوافقة مع منظوريهما المختلفين للعالم. لكنّ الإنسان بطبعه متحيز ويميل إلى تجاهل ما يثبت خطأه، أو يلوي أعناق الأدلّة لتتوافق مع أفكاره. وفي رأيي، يكمن الصواب دائمًا في الوسطية والاعتدال.

ففي حال كان الفكر اليميني المحافظ هو السائد في هذه المجالات، لغلب على النتائج طابع التحيز ذاته. والتاريخ مليء بنماذج مشابهة تحول فيها العلم إلى ما يشبه البروباقندا، كما حدث في ألمانيا النازية اليمينية والاتحاد السوفيتي اليساري.

قلة فقط تحاول التصدي لهذا التحيز، المقصود منه وغير المقصود، وتحاول تحقيق التوازن في هذه العلوم والوصول إلى الحقيقة، لكن صوتها لا يكاد يُسمع. بل كثيرًا ما يجري إسكات تلك القلَّة وحرمانهم من منصات التعبير ومن وظائفهم تحت غطاء مختلف الاتهامات. وهكذا وصل الحال بالكثير من كليات العلوم الاجتماعية لتصبح كنائس تحتكر الحقيقة، فتلعن من لا يتماشى مع أفكارها، وتحدد ما يُسمح ولا يُسمح بالبحث فيه. 

إحدى الأمثلة على الأفكار التي تحولت إلى حقائق لا تقبل التشكيك، من دون دليل علمي، موضوع المثلية الجنسية كأمرٍ وراثي يولد المرء به ولا يمكن تغييره.

تحريم البحث في مفهوم المثلية  

في كتاب «جنون الحشود» (The Madness of Crowds)، يستنكر الكاتب الإنقليزي دوقلاس موراي، الذي يعرّف نفسه كمثليّ ومن المحافظين الجدد، اعتماد فكرة الوراثية كحقيقة في الأوساط العلمية والإعلامية والسياسية رغم عدم توفر الدليل الدامغ بشأنها بعد. فلا يوجد سوى بحث واحد توصَّل إلى هذه النتيجة وعلى عيّنة صغيرة جدًا، ومن كرّروا الدراسة لم يتوصلوا إلى النتائج نفسها. 

ويقول دوقلاس إنَّ استخدام حجة الوراثية تهدف إلى كسب تعاطف الناس تجاه المثليين، وفعلًا نجحت الطريقة في كسب التعاطف. لكن ماذا لو اكتشفنا أنَّ الأمر ليس وراثيًّا؟ هل سينتهي التعاطف؟ وإنْ کان بالفعل وراثيًّا، فهل لنا أن نستأصل الجين الذي يتسبب في ذلك؟ ولِم لا؟

كل شيء ممكن، يقول دوقلاس. فقد نكتشف يومًا أنَّ الأمر حقًّا وراثي متعلق بالجينات، أو بالبيئة والتربية، أو بكليهما. لكن النقاش بالطبع لا ينتهي هنا، فهذه النتائج تولد أسئلة جديدة لا يُسمح لأحد حاليًا التساؤل بشأنها، وإلا وصم برهاب المثلية حتى لو كان نفسه مثليًّا. وتجاهل هذه الأسئلة أو تأجيل طرحها لا يفيد أحدًا، بل لربما يؤدي لعواقب وخيمة.

وهکذا أصبح الموضوع بمجمله محرّمًا على البحث، ويخشى الباحثون الاقتراب منه خشية المخاطرة بوظائفهم وسمعتهم. لأن من بحث فيه وتوصّل لنتائج مغايرة هوجم وأجبر على الاعتذار.

كروبرت سبيتزر الذي نشر ورقة بحثية عن نتائج علاج تحويل الميول على عينة محدودة من المثليين السابقين في 2003، وتشارلز روسيلي الذي أجرى تجارب هرمونية على الخراف تؤثر على ميولها الجنسية ضمن أبحاث حول استيلاد القطيع، فهوجم وأجبر على إنهاء أبحاثه بتهمة فتح الباب على كون المثلية مرضًا يُعالج.

إقفال الباب أمام البحث والدراسات والنتائج، التي غالبًا ما تأتي متضاربة وغير نهائية، يفرض علينا تقبل نسخة واحدة من الحقيقة، وإلا وُصمنا بالسوء.  Click To Tweet

فصل البيولوجيا عن الهوية الجندرية 

مثال آخر على الحقائق العلمية التي تُدرس في مناهج العلوم الاجتماعية وتُروج في بعض المنصات الإعلامية: عدم وجود فارق على الإطلاق بين الذكور والإناث، كالفوارق الفيزيائية والهرمونية أو النفسية، وأثرها على التفضيلات والاهتمامات.

وإنْ كان هناك من فرق، فلا بدّ أنه وهم أو بناء اجتماعي. الغريب أنّ الدراسات بشأن الفوارق بين الجنسين سواء الجسدية أو النفسية أو غيرها موجودة وكثيرة، لكن يتم تجاهلها ببساطة من أجل إثبات -أو تحقيق- المساواة التامة بين الجنسين.

فأنت ذكر لأن أهلك قرروا أنك ذكر، وأنثى لأن أهلك قرروا أنك أنثى، وليس لأنك ولدت كذلك. وفق هذه الحقيقة العلمية السائدة فالهوية الجندرية ما عادت مرتبطة بالبيولوجيا، وتستطيع الآن تعريف نفسك بجنس مخالف للذي ولدت عليه دون عناء إجراء عملية تحويل جنس. كل ما عليك فعله أن تقول «أنا أنثى»، وتطلب من الجميع مخاطبتك بضمير المؤنث.

في وقتنا الحالي هذا ما يُقبل ويدرّس ويروج له في الإعلام، بل وتتغير السياسات بناءً عليه. كالسماح للذين ولدوا ذكورًا ويتبنون هوية امرأة- حتى لو لم يجروا عملية تحويل جنس بيولوجية- بدخول دورات مياه النساء، والمشاركة في مسابقاتهن الرياضية وكسب الميداليات.

امتلأت الكثير من مواضيع الدراسة الجدية بالتناقضات والثغرات وابتعدت كلّ البعد عن الجدية العلمية. فمثلًا لِم التحويل من ذكر إلى أنثى إذا لم يكن هناك فارق بينهما؟ وإذا لم تكن هناك فوارق، فما طبيعة التغيرات التي يتحدث عنها العابرون أو العابرات جنسيًا في نفسياتهم وطرق تفكيرهم بعد تلقيهم للعلاج الهرموني؟

يتجاهل بعض العلماء الاجتماعيين هذه الأسئلة من أجل هدف يرونه أسمى: تحقيق المساواة التامة. وحتى تتحقق المساواة والعدالة يجب أن يكون بالإمكان لأي أحد أن يصبح أي شيء يريده، وكل الحواجز البيولوجية والقدراتية وغيرها مجرد أوهام اجتماعية.

لكل شخص أن يبني هويته بنفسه

يبدو هدفًا نبيلًا في البداية، فمن يكره المساواة والعدالة؟ لكنّ حُسن النية لا يعني بالضرورة حُسنَ النتائج. فلربما تضر المساواة التامة بمن يفترض بها مساعدتهم.

ربما تعني تنافس النساء والرجال في المسابقات الرياضية التي من الواضح أن للرجال فيها- بشكل عام لا يشمل الجميع طبعًا- التفوق الجسدي من ناحية الطول والكتلة العضلية وبنية العظام وغيرها، ما يحرم غالبية النساء من الترشح لتمثيل الفرق أو للفوز بالجوائز، وهو ما بدأ يحدث تدريجيًا بإشراك العابرات في ألعاب النساء. فنعود إلى مربع البداية حيث يفوز من ولدوا ذكورًا بكل شيء.

بدأت الفكرة تتغلغل في بعض الدول عن طريق الإعلام وفي المدارس: لا فوارق ولا تفاوتات عقلية أو جسدية أو جنسية بين البشر، بإمكان أي شخص أن يصبح أينشتاين لو «شد حيله»، وبإمكان النساء أن ينافسن الرجال في الرياضات العنيفة، وللطفل أن يصبح أميرة ترتدي الفساتين لو رغب. لك أن تعرّف نفسك كذكر إن وُلدتَ أنثى، وكأنثى إن وُلدتَ ذكرًا، وللأب أن يصبح أمًّا، وللأم أن تصبح أبًا.

لكن بناءً على هذا المنطق، ألا يحق لي تعريف نفسي بأني في الحادي والعشرين رغم أني في الثلاثين؟ أليس العمر أيضا بناءً ووهمًا اجتماعيًّا كالجنس؟ أو ربما أعرّف نفسي كزرافة، طالما أن ليس للبيولوجيا أية أهمية في تحديد صفات أساسية في الهوية. 

هذه الاحتمالات حصلت. رجلٌ في الخمسين ترك عائلته وتحول إلى «طفلة في السادسة»، اسمه ستيفونكي، وأخرى تعرّف نفسها ككلب، وأخرى بيضاء تعرف نفسها كسوداء، وغيرها من الأمثلة الحقيقية الغريبة المتطرفة التي جاءت نتاج فكرة أن ليس للبيولوجيا علاقة بالهوية بتاتًا. 

«لكل شخص أنْ يبني هويته بنفسه»، تلك هي الفكرة التي تبثها وتضخها العلوم الاجتماعية في المجتمع من أجل مآرب أيديولوجية- طيبة النية في أصلها- لكن لا علاقة لها بالحقيقة من قريب أو بعيد، ولا يُعرف أين وكيف ستنتهي. 

تكييف معتقدك وفق القيم الجديدة

لا تتوقف العلوم الاجتماعية على إجراء الدراسات وإظهار النتائج، بل تفرض قِيمًا معينة على المجتمع، فتحدد لك ما السوي والطبيعي وما العكس. وتغير تصنيفاتها وتعريفاتها كلّ عقد أو عقدين، فلا تعود تعرف ما الطبيعي الجديد، وتضطر للسكوت أو التزام الحذر الشديد في كلامك.

ولربما تتفاجأ وأنت تتحدث باستهجان عن سفاح المحارم بتعرضك للهجوم والوصم بالكراهية والتمييز والتخلف. ولم لا؟ إذا كانا بالغين عاقلين ومتراضين ويستخدمان حبوب منع الحمل، فبأي حق لنا أن نقف بوجههما؟

ولا يحق لك حتى أن تقول «لكم دينكم ولي دين، لكم حرية فعل ما تريدون ولي حرية الإيمان بالخطيئة»، بل أنت مجبر على تكييف معتقداتك وتقبل القيم الجديدة ودمجها بها. وإن كان دينك يخبرك بأن اتباع الشهوات والغرائز فكرة ليست بالجيدة، فلا بد أنه مخطئ. فالعلم يرى موقفك كبتًا، وعليك في الحقيقة تقبل نفسك كما هي واتّباع غرائزك إلى أينما تريد، وإلا فمصيرك الشقاء.

المثلية والتحول الجنسي وزواج المثليين وتبنيهم الأطفال تقوم جميعها، برأيي، على نظريات وأفكار متحيزة أكثر منها أدلة وبراهين، ومع ذلك هي أكثر ما يُروّج له في المجتمع والإعلام. وكأنما ثبت قطعيًّا صحتها وملاءمتها للمجتمع، ولا نتائج وخيمة لها في المستقبل.

حرية البحث عن الحقيقة

في عام 2017، أجرى جيمس لندسي، عالم رياضيات وناقد اجتماعي، تجربة مع بعض زملائه لإثبات مدى فساد مجال العلوم الاجتماعية، بالذات مجال دراسات الجندر. ففبرك بعض الدراسات التي لا تستند على أي حقائق، لكنها تتفق تمامًا مع الأفكار الأيديولوجية التي يُسعى لإثباتها وتبريرها. 

نجح لندسي وزملاؤه في نشر تلك الدراسات في مجلات علمية محترمة. ادّعوا في إحداها فحصهم الأعضاء الجنسية لعشرة آلاف كلب لإثبات وجود ثقافة الاغتصاب في المجتمع. وفي دراسة أخرى تهدف لنقد الذكورية والأبوية اقتبسوا عبارات من كتاب «كفاحي» لهتلر، واستبدلوا فيها كلمة اليهود بالذكور، وغيرها من تفاصيل مضحكة تسببت بفضيحة كبيرة باتت معروفة باسم «دراسات التظلّم» (Grievance Studies Affair).

إن كنا نسعى إلى الحقيقة فعلينا أن نكون أحرارًا في طرح الأسئلة والبحث والنقاش. علينا البحث في العديد من الأسئلة، خصوصًا بشأن أفكارٍ تُبنى عليها تشريعات ويسعى الخارج إلى فرضها علينا بحجة كونها حقائق علمية. الأمثلة كثيرة، لكن الأمر يشبه المشي في حقل ألغام قد ينفجر أحدها في أي لحظة.

لذلك تكفينا الأمثلة السابقة للحصول على فكرة جيدة عن حال «العلوم» الاجتماعية، وكيف انتهى بها الحال إلى تكييف الحقائق حتى توافق الأفكار والقناعات المسبقة، بدلًا من أن تفعل العكس.

العلمانيةالعلوم الاجتماعيةالعنصريةالهويةالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية