منظّمات العلب الفارغة!

أنا سعيد بأني لم أحرق صوري، ولم أكسر أشرطة الكاسيت مساهمة في الحفاظ على كوكب الأرض وحمايته من الاحتباس الحراري، والانبعاثات الكربونية.

أنا أسمعك / Giphy

أهلًا بك صديقًا لنا،

وصلتك الآن رسالتنا الأولى على بريدك الإلكتروني.

إذا لم تجدها ابحث في رسائل السبام وتأكد من اتباع الخطوات التالية في حسابك على خدمة بريد «Gmail» حتى تُحررها من التراكم في فيض الرسائل المزعجة.

* تعبّر النشرات البريدية عن آراء كتّابها، ولا تمثل رأي ثمانية.
13 ديسمبر، 2022

في المراحل المبكرة من حياتي كنت أشعر بأني ضائع ومشتت -لم يتغير هذا الأمر في المراحل المتأخرة- ولهذا كانت تستهويني فكرة الانتماء إلى أي شيء. وفي تلك الأيام كانت الصحوة مغريةً، والتحق كثير من الرفاق بذلك القطار، ولطالما حدثوني عن الرحلات والاجتماعات و«الكشتات» لإغرائي. ويحثونني على الالتحاق بالركب، لكني لم أستطع، ولم أستسغ تقبل أن أكون شيئًا لا يشبهني.

الالتزام بلباس وشكل معين فكرة تخالف إعداداتي، وستعرض كامل النظام الذي يعمل به عقلي -على افتراض وجوده- إلى الانهيار. فضلًا عن أن مجرد التفكير أن عيسى الأحسائي وأم كلثوم سيختفيان من يومياتي يبدو مخيفًا ويقتل الفكرة في مهدها. وحين أطرح هذا التخوف لمن يحاول إقناعي كان الأمر يزداد سوءًا، وزاد الطين بلة أني كنت أملك كاميرا في وقت كان امتلاكها ترفًا وسفهًا وضلالًا مبينًا.

تجنبني الرفاق، لأني في نظرهم حينها بقعة سوداء تفسد ثوب الالتزام الأبيض الذي كانوا يرتدونه؛ ما جعل الضياع والتشتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

ومضت الأيام واستطعت أن أحتفظ بأشرطة الكاسيت ولم أكسرها كما كان رائجًا، وما زلت أحتفظ حتى اليوم بكثير منها، وحين يراها أبنائي يعتقدون أنها أدوات استخدمت في بناء الأهرامات. وما زلت أحتفظ بصور لتلك المرحلة من حياتي، وعند العودة إلى تلك الصور بين الحين والآخر أكتشف أن شيئًا لم يتغير، أنظر إلى حياتي نفسها فأجد أنها لا تختلف عن الصورة، واقفة في المكان نفسه، لا يتحرك فيها شيء مهما أطلت النظر إليها والتفكير فيها.

وحين أتفكر وأتدبر الآن لا أشعر بالندم على شيء، وأني لم أكن يومًا إلا أنا، آخذ من الجميع وأرد من الجميع. لكني لا أخفي سعادتي بأنه لم تكن هناك منظمات تهتم بالتغير المناخي، ولم أسمع حينها بأصحاب نظرية الأرض المسطحة، ولم يكن هناك نباتيون في محيطي، باستثناء غنم والدي وبقرة جارتنا وثلة من الحمير السائبة في ضواحي قريتنا.

ومنبع هذه السعادة أني لا أضمن الآن أنها لو كانت موجودة حينها لكنت واحدًا من كبار أصحاب نظرية الأرض المسطحة، أو مقاتلًا شرسًا من أجل محاربة التغير المناخي، لأن هذه المنظمات لا تؤثر على الأشياء التي أحبها ولا أريد التخلي عنها. وهذا ما كنت أبحث عنه، وأعني الانتماء الذي لا يكلفني التضحية بأي شيء. نجوت بأعجوبة وشاء الله ألا أعلم بوجود هذه الأشياء إلا بعد أن وصلت إلى مرحلة لا أريد فيها الانتماء حتى إلى نفسي.

أما النباتيون فلم تكن الفكرة واردة حينها حتى ولو علمت بوجودهم، لأننا كنا في كثير من المناسبات نتعاطى «المفطحات» في وجبة الإفطار، وترويج فكرة النباتيين في مجتمع كهذا تشبه فكرة الاحتفال بالأهداف في ملعب الخصم. ثم إن أي نظرية أخلاقية أو فلسفية أو اجتماعية تؤدي إلى إقصاء المندي والحنيذ ستكون نظرية متهافتة لا يعتد بها، ولا يُتسمع إلى من يؤمن بصحتها.

Giphy 17
نباتي بالفطرة / Giphy

يصير النباتي نباتيًا لأن لديه خياراته، ويملك ترف الاختيار، أما الجائع فإنه يأكل أي شيء. والذين يظنون أن الكوكب الذي تحمل الإنسان سيغص بعلبة بلاستيك، يسيئون الظن في قدرة تحمل الأرض الصابرة المحتسبة التي ستتحمل الإنسان حتى يُنفخ في الصور. فالكوكب الذي تحمل النباتيين، ومؤيدي نظرية الأرض المسطحة، ودجالي الطاقة ومشجعي بعض الأندية لن يقضي عليه أي شيء آخر.

والاعتقاد بأن الإنسان سينقذ كوكب الأرض فكرة هوليودية، لأن للأرض طريقتها في معالجة الأمراض التي تصيبها دون أن تحتاج إلى تدخل استعراضي من البطل الأبيض الخارق، الذي سيهزم الانبعاث الكربوني والغازات الدفيئة في آخر الفلم. 

أنا سعيد بأني لم أحرق صوري، ولم أكسر أشرطة الكاسيت مساهمة في الحفاظ على كوكب الأرض وحمايته من الاحتباس الحراري، والانبعاثات الكربونية، وسعيد من أجل الأرض، وأثق بقدرتها على مواجهة مشكلاتها، وأنا على ثقة أيضًا بأنها سعيدة هي الأخرى لأنها نجت من كارثة أكبر من الاحتباس الحراري، ماذا لو كنت مدافعًا عن نظرية الأرض المسطحة، أو منتميًا إلى حزب الإخوان النباتيين.


اقرأ المزيد في الرأي
مقال . الرأي

لماذا تصرف مئة ريال في محلات «أبو ريالين»؟

نجاح محلات «أبو ريالين» يثبت لنا أن التسويق وفهم طرق الزبائن في الشراء يمكّنك من بيع أي شيء، ولو كانت «قراشيع» عديمة الفائدة.
أنس الرتوعي
مقال . الرأي

لماذا أحبُّ علبة غدائي

أنا أكره الطهي، فقد رأيت إلى أي حد كان يرهق أمي. ويرعبني الوقت والجهد الذي يتطلبه لنصف يوم، كل يوم، فيما كانت تستطيع فعل شيء آخر تحبه.
إيمان أسعد
مقال . الرأي

سناب شات تصنع مستقبلي

نقطةٌ حمراء صغيرة على مبوبة الذكريات في سناب شات كفيلةٌ بإثارة اهتمامنا وتهييج نوستالجيّاتنا: أين كنا في مثل هذا اليوم قبل عام؟
حسين الإسماعيل
مقال . الرأي

كيف تخسر كل مالك في الأسهم؟

الأصل في الربح السريع هو الزوال السريع، فالأشياء العظيمة تستغرق وقتًا. لهذا إذا تداولت، فتداول بمالك ولو قل، وعليك بالصبر ثم الصبر.
تركي القحطاني
مقال . الرأسمالية

ضريبة التوصيل المزدوجة

سهَّلت علينا تطبيقات التوصيل الحصول على «البرقر» الذي نريد وقتما نريد، إلا أن لتلك السهولة ضريبة إضافية نتحملها نحن.
ثمود بن محفوظ
مقال . الثقافة

أربعينية تودِّع السينما

مع عودة صالات السينما بعد انقطاع أكثر من عام نتيجة الجائحة، تغيب شريحة من المشاهدين فقدت حماس المشاهدة السينمائية بعد عثورها على خيارٍ آخر.
إيمان أسعد