لماذا نتباكى على إغلاق المكتبات؟ 🤗

ليس من المعقول حكر عملية اكتساب المعرفة على المكتبة في زمن تعددت فيه وسائل الإتيان بالشيء نفسه.

المكتبات في الحيّ / Getty Images
المكتبات في الحيّ / Getty Images

لماذا نتباكى على إغلاق المكتبات؟

حسين إسماعيل

لما فتحت إكس قبل بضعة أيام ورأيت تايملاني يضج بالتأسي على حال الثقافة والكتب في حاضرنا بحثت مباشرة عن منبع السالفة. خمنت أنه أحد الأسباب المتكررة، كتذمر مثقفٍ ستيني على عدم تلقيه دعوة حضور محفل ما، أو امتعاض مبطن من شهرة روائي لم يتسول حراس الأدب الرفيع، أو حتى ندب الحضور الهزيل لندوةٍ ثقافية أقيمت بجانب مقهى يصطف عشرات من أهل الرياض أمامه. 

لم يكن السبب الفعلي أيًا من ذلك. ما دشن حفلة البكاء الجماعية هذه المرة هي تغريدة إحدى المكتبات المعروفة معلنة فيها، أسفًا، إغلاق أبوابها للأبد. لم يستغرق الأمر سوى بضع ساعاتٍ حتى انفجرت التغريدة اقتباسًا ولايكًا وبوكماركًا، وأُضرمت نيران الأسى مطالبةً بتشريع ما من شأنه صيانة مثل هذه الصروح ضد مد الثقافة الاستهلاكية. 

تنهدت بعمق مقاومًا شياطين حلطمتي. قد يتصور قارئ المناحة أن المكتبة أُغلقت قسرًا أو أن دورها التنويري حورب لدرجة أنها غدت غير قادرة على الاستمرار. كلّا، فما حدث هو أنها أغلقت لأن مالكها أراد تغيير نشاطه التجاري كما قيل. وفي حين استطعت كبح نفسي في بادئ الأمر دون كتابة أي ثريدات أو تغريدات، أجد نفسي تلح علي الآن لمشاركة تساؤلي: طيب، وبعدين؟ إلى متى تظل سعة الحياة حبيسة صورة بالية للقراءة والمعرفة؟ 

لا يتوجه السؤال طبعًا لأولئك الذين شكلت المكتبة المغلقة جزءًا من نشأتهم، أو مثلت فضاءً يلتجئون إليه ضد نوائب الدهر، فغصة نهاية الحكاية هنا ذات أبعاد نفسية لا تسعها سطور التدوينة. لا يتوجه السؤال كذلك للذين كانوا يقصدون المكتبة جسديًا أو إنترنتيًا لابتياع ما لم يجدوه عند غيرها. كلنا نحزن حين نفقد من سلاسل إمداداتنا سلسلة مهمة، سواء تعلق الأمر بالكتب أو بألواح البروتين.

أقول «وبعدين؟» لأولئك الهائمين في خيالات عالمٍ يجعل كل ما يرتبط بالكتب والقراءة حلمًا ورديًا. تعرفونهم طبعًا. أولئك الذين تصبح القراءة عندهم شعيرةً تستوجب ارتداء أحسن الملابس وتحضير مشروب حار وسماع الست، الذين يتجنبون تدنيس صفحات الكتاب بالشخبطات والهايلايت، والذين لا يذكرون اسم قابرييل ماركيز دون إلحاقه بـ «الروائي العظيم» رضي بورخيس عنه.

ينفجع هؤلاء الحالمون بأخبار إغلاق المكتبات؛ لأنها في أعينهم منزهة عن نقائص عالمنا، ذلك أنهم لا ينظرون إليها أصلًا بصفتها بزنسًا يخضع كما يخضع غيره لقوى خارج نطاق الكتب ومحتواها، ومِن ثمّ يطنشون كل الجوانب التي من شأنها تشويه الصورة المثالية بأذهانهم. إياك مثلًا التساؤل أمامهم عما إذا استطاعت المكتبة مواكبة التغيرات التقنية، أي ما إذا كانت قد وفرت قناة يمكن من خلالها عرض الكتب وبيعها عبر الإنترنت، أو منصة تتجاوب فيها مع العملاء واستفساراتهم. وإياك أيضًا التساؤل عن آليات تسويق المكتبة وفعاليتها في الوصول إلى الشرائح المستهدفة، فضلًا عن تحليل موقعها من الإعراب بين المنافسين أو القيمة المضافة التي يقدمونها.

يعد الحالمون كل هذه الأسئلة سوقية لا تليق بالمكتبة أو بالكتب أو بالقراءة؛ فالمكتبة مستودع المعرفة، والكتب حوامل الثقافة والتراث، ومِن ثم فإن كل إغلاق لمكتبة يعني انقطاع تاريخ فكري، يعني شرخًا في جسد ثقافة شعب كامل، أمرًا شبيهًا بحرق الكتب أو إغراقها في الأنهار. ويزداد الطين بلة حين يقدّم أصحاب المكتبة أنفسهم على أنهم مثقفون ينامون ويستيقظون على عبق الكتب. ينقلب الموضوع حينها طعنة في خاصرة المشهد الثقافي على يد المؤامرات المحلية والأجنبية. 

أقول «وبعدين؟» لهؤلاء الحالمين على أمل استيقاظهم يومًا خارج خيالات العالم القرائي ودهاليزه، على أمل إدراكهم أن رحابة الحياة أوسع من ضيق قناعاتهم. لا ينبغي جعل العادة معيارًا تُحاكَم على إثره المتغيرات، حتى وإن أدى تعاقب الزمان إلى رسوخها في أذهاننا كما لو كانت أصل الأشياء. إذا ارتبط اقتناء الكتب يومًا بفضاء مادي اسمه المكتبة فليس من المعقول حكر عملية اكتساب المعرفة على هذا الفضاء في زمن تعددت فيه وسائل الإتيان بالشيء نفسه. تغيّر الوسيلة لا يعني بالضرورة تغير الغاية؛ فيمكنني الذهاب إلى المطعم وتسلّم الطلب بنفسي، أو طلبه من أحد التطبيقات، لكن في النهاية سآكل الطعام نفسه وحيدًا أمام التلفزيون.

تحيط هالة القداسة المسبغة على الاعتياد بالكثير من الممارسات المعرفية المشابهة: سبيسات لا حصر لها عما إذا كان الكتاب الرقمي قد قضى على الورقي، أو ما إذا كانت تجربة شراء الكتب إنترنتيًا مماثلة للتجول في أروقة المكتبات، أو ما إذا كان الاستماع إلى الكتب الصوتية «قراءة» فعلية أم لا. قد تكون السوالف في هذه الموضوعات تزجية وقت لطيفة، سوى أنها لن تغير حقيقة أن التغيرات باتت جزءًا من واقع أعقد من تفضيلاتنا الشخصية.  

ربما يتحمس قارئ ويردّ بأننا نعيب مكتباتنا والعيب فينا، أو يعدّد فضائل تصفّح الكتب والتأكد من جودتها قبل شرائها (مع أن التقنية تتيح اليوم ذلك)، وسيكون محقًا لو ذكّرنا بما قد يحدث عندما نضع ثقتنا وأموالنا في متجر بيع كتب ينتهي به الأمر بسرقة أموالنا لدفع رواتب موظفيه المتأخرة قبل إعلان الإفلاس. أعلم ذلك لأنني ما زلت أفضّل اقتناء الكتب الورقية من المكتبات بنفسي، ولأني ممن طارت نقودهم لمّا سرقها المتجر إياه. ومع ذلك لا مفر من تجاوز فكرة فضاء المكتبة وقداستها، وهذا التجاوز هو ما سيتيح لنا فرصة طرح أسئلة مختلفة عن دور المكتبة اليوم ضمن صناعة النشر والكتب وسياساتها. تعرفون ما أقصد: الأسئلة التي تنبني على أهداف المكتبة الربحية حيثما كانت.


فاصل ⏸️


  1. ظفرت الشاعرة الرومانية آنا بلانديانا بجائزة الأميرة أستورياس للأدب لعام 2024 (Premio Princesa de Asturias de las Letras) عن مجمل أعمالها. تعد الشاعرة من أهم الشعراء في رومانيا وأوربا ولها العديد من الدواوين الشعرية والقصص القصيرة والمقالات ذات الطابع الإنساني. تُرجمت أعمالها إلى أزيد من 20 لغة ونالت جوائز عدة أبرزها جائزة «الإكليل الذهبي» (Golden Wreath Awards) التي تمنح ضمن مهرجان أمسيات ستروقا الشعرية في جمهورية مقدونيا والتي سبق أن مُنحت لعدد من كبار الشعراء أمثال بابلو نيرودا ومحمود درويش. 

  2. أعلن معهد الشارقة للتراث إطلاق النسخة الخامسة من جائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافي تحت شعار «تراث ثقافي.. تواصل إنساني»، التي تهدف إلى تقدير جهود المحافظة على التراث الثقافي وتوثيقها على الصعيد المحلي والعربي والدولي. وتركز الجائزة في ثلاثة حقول رئيسة تتمثل في تكريم أفضل الممارسات صونًا للتراث الثقافي، وتكريم الرواة وحمَلة التراث، وتكريم الباحثين البارزين في مجال التراث الثقافي. 

  3. أعلنت إدارة معرض الرياض الدولي 2024 فتح باب التسجيل لمشاركة دور النشر في دورة العام الحالي من المعرض، التي ستقام من 26 سبتمبر إلى 5 أكتوبر 2024. ويُعدّ المعرض فرصة استثنائية لدور النشر لعرض أحدث إصداراتها في بيئة ثقافية غنية والتواصل مع قاعدة جماهيرية واسعة من داخل المملكة وخارجها. يُغلَق التسجيل يوم الأحد 16 يونيو 2024. 

  4. توفي الخميس 30 مايو 2024 المترجم المصري عاصم عبد ربه عن عمر ناهز 71 عامًا. ترجم الراحل العديد من الكتب وأبرزها رواية «رحلة إلى آخر الليل» للروائي الفرنسي لويس فرديناند سيلين، وروايتي «الطاعون» و«الغريب» للروائي والفيلسوف ألبير كامو. 


توصيات النشرة من أبرار القرني:

إذا سُئلت عن كتابي المفضل أو ما أفضل كتاب قرأته بلا تردد فسيكون جوابي هو «التحول»، ويُعرف أيضًا بـ«المسخ» أو «الدودة». كتاب التحول من الكتب التي تركت أثرًا كبيرًا داخلي. يتحدث الكتاب عن الإنسانية وما يحددها، ويفصل في الاختلاف وتقبل المجتمع لاختلافاتنا، ويتطرق أيضًا إلى العائلة والنبذ والاغتراب في وسط مألوف. يُلخّص الكتاب هذا المعنى: عندما لا تكون قادرًا على تقديم ما يشفع لك بالبقاء حسب الظروف المنفعية الصادمة في الحياة فمن الأفضل لك المغادرة.

  1. العمى، خوزيه ساراماقو

الكتاب الورقي / قودريدز

كنت أظن منذ الصغر أن الفرق بين البشر والحيوانات هو العقل، ولكن بعد قراءتي رواية «العمى» أيقنت أن الفاصل بيننا وبين أن نصبح كالحيوانات هو الأخلاق والقيم والقوانين. يقودنا ساراماقو في روايته إلى رحلة بث في أعماق نفس الإنسان وطبيعته، وماهيّة الخير والشر. يتحدث في الرواية عن تفشّي وباء مجهول الأصل؛ إذ يصاب الناس بالعمى فجأة واحدًا تلو الآخر ما عدا امرأة واحدة أصبحت الشاهد الوحيد على هذه الكارثة. يقول ساراماقو إن فكرة الرواية انبثقت من هذا السؤال: «كيف سيكون الحال لو كنا كلنا عميانًا؟ وكان جوابي عن هذا التساؤل في الرواية: نحن فعلًا عميان في الحقيقة».

  1. ربما عليك أن تكلم أحدًا، لوري قوتليب

الكتاب الورقي / الكتاب الصوتي / الكتاب الإلكتروني / قودريدز

نبحر في هذا الكتاب مع لوري قوتليب في رحلتها للعلاج النفسي، ونختبر شعورها بصفتها معالجة بدورها تتعرض للعلاج، فتأخذنا وراء كواليس عالم العلاج النفسي. تطرح لنا لوري قصص مرضاها بعد موافقتهم مع مراعاة تغيير أسمائهم ودمج الأحداث، بهدف الكشف عن إنسانيتنا المشتركة حتى نتمكن من رؤية أنفسنا بشكل أوضح.

«ربما عليك أن تكلم أحدًا» يطرح لنا الوجه الآخر من العاطفة للمعالج النفسي، فيجول بين حياة الطبيبة النفسية ومشاهداتها وأفكارها، وبين حياة مرضاها وقصصهم وتساؤلاتهم.

  1. حفلة شاي في قصر سندريلا، أروى خميّس

الكتاب الورقي / الكتاب الصوتي / قودريدز

عندما بلغت أختي الصغرى الرابعة عشرة أردت أن أهديها كتابًا، فكان «حفلة شاي في قصر سندريلا» لأروى خميّس خياري الأول. حفلة شاي أقامتها سندريلا في قصرها ودعت أبطالنا من قصص الأطفال: بيتر بان وعلاء الدين وبياض الثلج وريبونزل وغيرهم. وفي الحفلة طرحت أروى تساؤلات على هؤلاء الأبطال. تبدو أسئلة الكاتبة للوهلة الأولى مشاغبة ومضحكة، لكن تكمن في مضمونها تساؤلات وجودية حول العديد من القصص والشخصيات الخيالية التي تشكل إرثًا معرفيًا لدى أجيال متتالية من الشعوب المختلفة.

تدفعنا الكاتبة إلى التخيل والتساؤل وتطوير التفكير النقدي عند الأطفال، خصوصًا خلال القراءة. أبطال القصص يعلمون أنه ليس من المهم الحصول على أجوبة بقدر أهمية إثارة التساؤلات ومناقشة الأفكار.

نشرة إلخنشرة إلخلغير المثقفين، الذين لا يربطون بين القراءة واحتساء القهوة، ولا يصوّرون أعمدة كتب تتجاوز أطوالهم نهاية العام. نشرة تصلك كلّ أربعاء تضم مراجعات للكتب، توصيات، اقتباسات… إلخ.