جنون الجماعة، وقراءة لمسلسل حكاية الأمة

من مسلسل حكاية الأمة إلى ألمانيا النازية مرورا بآية الله الخميني، كيف تؤيد الجماعات جنون السلطة؟ وماهو محرك جنون الجماعة؟

يناقش المسلسل الأميركي و المستوحى من رواية حكاية الأمة (handmaid’s tale) لـ مارغريتآتوود، إنخفاض نسبة الخصوبة في وقتٍ ما من المستقبل، والذي خلقَ فوضى عارمة أدت إلى استعباد النساء الخصبات، وتوزيعهن على منازل القادة لإنجاب الأطفال للدولة. تم استحضار نصوص مخترعة من الإنجيل، والدعوة للعودة إلى مملكة الله التي دمرتها مملكة أميركا الآثمة فوقع العقاب الإلهي بحرمان البشر من التكاثر، فجاءت دولة ”جلعاد“ وأزاحت أميركا، تم استحداث نظام الجواري، وتمت معاملة الإماء كأرحام تمشي على قدمين، لا اعتبار لحياتك السابقة، اسمك السابق، مهنتك السابقة.

كل النساء ومن ضمنهن النساء اللاتي كان دورهنَّ مهمًا في إقامة دولة جلعاد. تم استبعادهن من كافة المهن، لا يمكن لأي امرأة أن تمتلك ذمة مالية أو حسابًا بنكيًا، وكل النساء عقيمات كن أو خصبات يتوقع منهن إنجاز قدرهم البيولوجي لا أكثر ولا أقل.

عندما تبدأ قصة “حكاية أمة” ستعتقد أنها خيالية جدًا، ووحشية لدرجة أنه من المستحيل أن تحدث على أرض الواقع، بعد عدة حلقات ستبدأ بالتصديق، الإنسان يفعل كل شيء وأي شيء إذا ما وقع تحت ظروف مشابهة، فضلًا عن كل فظائعه في أفضل حالاته، وأغنى أزمانه.

خوف البشرية من الانقراض، وخوف الحكومة من ضَعفِها بسبب عدم قدرة دولتها على إنتاج الأطفال دفعها لاستحداث نظام تكون النساء الخصبات فيه مُنتجات للأطفال بفاعلية، وسلع تجارية يتم تبادلها مع الدول الأقل خصوبة، تسليحهن بنصوص دينية مستحدثة تشرع عملية الاغتصاب الجسَدي والنفسي للجواري.

كيف يوافق الأغلبية على شيء مجنون تمامًا؟

صمت طويل وإذعان وإيمان، بعد سلسلة من الثورات الشعبية، والأحكام العرفية، واستعمال القوة، وبذلك يتقبل المجتمع شيئًا مشابهًا، ويؤمن به، ويبدأ بالدفاع عنه ثم يدعو له بطول الاستمرار والاستقرار.

في ألمانيا عام 1933 وافق البرلمان على “قانون التمكين” بأغلبية 444 صوتًا مؤيدًا مقابل 94 صوتًا معارضًا. قانون التمكين أطاح بسيادة القانون وأرسى لنوع جديد من السلطة الممنوحة لهتلر وحزبه. عمليًا منح هذا القانون النازيين الحق في اتخاذ ما يرونه مناسبًا في تحقيق المصالح العليا للشعب الألماني ضد أي شخص يعتبرونه عدوًا للرايخ (ألمانيا النازية). تمت الإطاحة بالاشتراكيين، واعتقالهم اعتقالات واسعة، الدولة النازية أخذت شكلها وشعاراتها الجديدة، واجتمعت سلطات الدولة في يد واحدة، هي يد هتلر.

برلمان ديموقراطي قائم على سيادة القانون، يطيح بالديموقراطية، وسيادة القانون وسط شعبية هتلر الواسعة وهتافات الشعب المشجعة، كيف يوافق الأغلبية على شيء مجنون تمامًا؟ كيف يدفعون دفعًا كجماعة لابتكار هذا النوع من القرارات والخضوع لها والتصويت بكامل إرادتهم.. ويبقى سؤال العقل في هذه اللحظة، أليس فيكم رجل رشيد؟

لماذا تجن الجماعة، وما هي محركاتها؟

محرك جنون الجماعة

الخوف:

الخوف محرك المحركات، وقد يدفع بالإنسان إلى أقصى حالات التطرف والجنون والإقدام على مالا يُعقل. لذلك تحرص الديكتاتوريات على خلق العدو حقيقيًا كان أو وهميًا، والدعوة للتكتُل في مواجهته، وإبراز زعيم مخلص في الوقت المناسب لشعب خائف سيدفع الجموع دفعًا للبكاء بين يديه وتسليمه مقاليد السلطة جملة وتفصيلًا.

علاوة على أنه طبيعي، ومُبرر ويصنع أخلاقياته الخاصة بأسبابه الخاصة. في “حكاية أمة” كان الخوف من الانقراض والتلوث هو دافع جنون الجماعة في استعباد النساء الخصبات وتبرير ذلك بشكلٍ كامل.

وفي أميركا المعاصرة اليوم، روج دونالد ترمب لعدو خارجي، ممثل في المهاجر غير المرغوب فيه، وبناءً على ذلك قام باتخاذ قرارات غير منطقية باسم الأمن القومي. فمظاهرات اليمين البديل (alt-right) وغيرها من مظاهر الكراهية التي تعم أميركا بدأت من محرك ”الخوف“، الخوف من خسارة ماقد يُخسر، وعلى رأسها سلطة الرجل الأبيض.

الوقوع في دوامة الصمت:

تخلق وسائل الاتصال الجماهيرية دوامة من الصمت، وتمثل رأي الأغلبية وتقلل أو تجرم ما يعارضه أو يقابله، ويؤدي ذلك إلى تأييد معظم الأفراد للاتجاه الذي تتبناه وسائل الإعلام بحثًا عن التوافق الاجتماعي.

يصف الباحثون هذه الحالة:

الأفراد المعارضون لهذه القضية أو ذلك الاتجاه، يتخذون موقف الصمت تجنبًا لاضطهاد الجماعة وخوفـًا من العزلة الاجتماعية وربما يتمدد الأمر للخوف من (العزل من الوظيفة… إلخ)، وبالتالي إذا كانوا يؤمنون بآراء مخالفة لما تعرضه وسائل الإعلام، فإنهم يحجبون آراءهم الشخصية، ويكونون أقل رغبة في التحدث عن هذه الآراء مع الآخرين، وبذلك يكون السكوت في هذه الحالة علامة الرفض لا الرضا.

الإحباط

الخسارة المعنوية والشعور بالهزيمة الناتج عن خسارة أرض أو حرب أو موارد أو حتى الملل من الصراع الدائر والرغبة بإنهائه بقوة، تدفع جنون الجماعة ومن يقودها على وجه الخصوص إلى اتخاذ تدابير للوقوف في وجه هذه الحالة وتعويض ذلك لاسترجاع الحالة المعنوية. فالانضواء تحت شعارات تعالج حالة الإحباط هذه، قد تكون النازية، أو الفاشية وفي حالات أفضل حركة استقلالية.

جنون الجماعة، وقراءة لمسلسل حكاية الأمة
آية الله الخميني

الغضب

قبل عام 1979 حكم الشاه إيران، الذي كان طوال فترة حكمه مُجددًا للإرث الزردشتاتي الفارسي وديناته الوثنية. ومحاولًا لمحو المقدسات الإسلامية ونبذ القومية الإسلامية، التي مثلها الفتى القادم من محافظة قُم، آية الله الخميني الذي نال احترام الشعب الإيراني وكان أثيرًا لديه.

ضمن سياق محاولات الشاه الآنفة لمنع السلطة الدينية والأخذ بزمام الأمور، قام بنفي الخميني، ترك هذا النفي أثرًا بالغًا في الأوساط المعارضة. وعلى الرغم من طغيان الشاه، وتمادي حرسه السفّاك في خلق ديكتاتورية إيرانية إلّا أن المحرك الحقيقي للشعب الإيراني كان استهزاءه بمقدساتهم واستهدافه لها.

فحين نُشرت مقالة مهينة بحق آية الله الخميني في إحدى الجرائد، كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير. وبذلك تأجج الغضب الجمعي للدفاع عن المقدسات وآية الله الخميني، الرمز الديني والقائد الأول للثورة الإسلامية، ونتج عنها النظام الحديث لجمهورية إيران الإسلامية.

الشعور باللاجدوى

قد يكون أقل الأسباب، ولكن يبرز في مناطق الصراع وخطوط الحرب للدول الواقعة بين طرفي نزاع دون أن يكون لها تدخل فيه.

فحين يشعر المجتمع بعدم جدواه وعدم رئيسية دوره في الصراع القائم، وشكّه فيما سيفيده في الوضع الراهن، سيؤيد أي تحرك يثبت موقفًا يقوي الهوية أو يجعل المجتمع يشعر بأهميته وعدم هامشيته. وغالبًا ما يكون الشعب هو وسيلة الضغط التي تطلب من القيادة القيام بأي فعل.

في نهاية الموسم الأول

 تقودنا أحداث مسلسل حكاية أمة إلى محاولة تمرد الإماء كجماعة، لإنهاء الجنون الحاصل عليهن. أما قانون التمكين فإنه لا يجد اليوم مكانًا في ألمانيا الحديثة. وحين خلق ترمب العدو الخارجي، قوبلت تصريحاته بكثير من الانتقاد وبوعي بما يحصل على الرغم مما حصل. مظاهرات يقودها جنون الجماعة تواجه بمظاهرات عكسية لإثبات أن الحقوق للجميع، وأنه لا مجال لاتخاذ قرارات هستيرية لهذه الأسباب.

تختبر الجموع نتائج جنونها، وجدوى أفعالها بمرور الوقت. وقد تأخذ خطوة إيجابية لإنهاء ذلك، وقد لا تتعلم الدرس. قد تنضج فتصبح واعية بما يحصل وبالتالي تمنعه من الحصول، وقد تحاول تجاهل ما حصل وأن ترسله إلى مزبلة التاريخ، التي نعلم جميعا أنها غير موجودة. وأن جاز لنا أن نسمي جزءًا من التاريخ مزبلة، فإنها هي ذاتها التي نعيش فيها. ولو كنّا نريد أن نجعلها مكانًا أفضل، فإنه محتوم علينا أن نعيش بوعي أكبر، وأن لا نجعل البشرية تصطدم بنفسها في كل منحنى، لأنها كانت غافلة عن حالة الجنون التي تعتريها.

الأفلامالسياسةالسلطة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية