يطرح تطبيق الديموقراطيّة الكثير من الأسئلة ويشعل الرأي بين الرفض والتأييد، لطالما روّجت الديموقراطيّة بوصفها الحل النهائيّ أو القيمة العليا التي يصل إليها المجتمع أثناء تطوّره. غير أن الديموقراطيّة حين تطبق عمليًّا، وتؤخذ نظريًّا، فإنّها كأيِّ شيء آخر تكون بين كفّتي الفشل والنجاح، فصحيح أن الديموقراطيّة بحدّ ذاتها مختلف على تفاصيلها ومعاييرها، إلا إن مظاهرها تختزل غالبا في صناديق الاقتراع.

يعتبر العالم الحديث أن الديموقراطيّة هي الإجابة الأخيرة لكل مشاكل العالم، وتتخذ بعض الحكومات نفسها سفيرة لهذا النظام، كما قد يتمُّ فرض تطبيقه، أو الانتقاص من دولة ما لأنها ليست “ديموقراطيّة”.

الديموقراطيّة جواب جيد، لكنه ليس نهائيًّا، إن القول بأنّها نهائيّة يُعدُّ غرورًا، لدى الإنسان القدرة على تحسين الوضع دائمًا للأفضل وجعل حياة الفرد ذات قيمة ومعاملتها كشيء ثمين.

تطبيق الديموقراطيّة الشكليّ لا يقودنا إلى شيء ولا يوصلنا إلى نتيجة في إقامة دولة متوازنة القوى، وأن يكون الفرد فيها جزءًا محسوبًا من اللعبة لا مُتفرّجًا عليها.. ونجاحها مرهون بما للفرد من حقٍّ في أن ينتقدهُ ويتساءل عنه، ويُسائل.. دون أن يُمنع صوته أو يُمنع وجوده أو تُغيّب عنه الحقيقية، أي بإسقاط قيمة الرقابة التي هي حقيقة جزء من منظومة القيم الديموقراطية.

للمفكر السوريّ عبدالرحمن الكواكبي اقتباس مثيرٌ للاهتمام: “إنّ الحكومة من أيّ نوع لا تخرج عن وصف الاستبداد. ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والاحتساب الذي لا تسامح فيه”.

نجاح أيّ نظام هو مدى قوة الأجهزة الرقابية، وحرية الصحافة، وقوة النقد الشعبيّة

الديموقراطيّة على حسناتها لا تستطيع تقديم نموذج متكامل بنموذجها البسيط، إنّ التحسين الذي يطرأُ على الديموقراطية نستطيع إجراءه على غيره من النظم، كون القيمة المهمة في نجاح أيّ نظام هو مدى قوة الأجهزة الرقابية، وحرية الصحافة، وقوة النقد الشعبيّة، أي مدى تعزيز قيمة الرقابة في هذه المجتمعات. يقول وليّ وليّ العهد محمد بن سلمان في مقابلته على قناة العربية معزِّزًا لدور الرقابة في المجتمع السعودي إنّ الشفافية وتوفير المعلومة للمواطن والشركات الخاصة ليكونوا جزءًا من الحوار داخل وطنهم داعم قويّ للرقابة والقرارات الحكومية.

إنّنا دائمًا نحلم بنظام أوحد كامل، إنما يكفينا نظام متكامل، يحقّق القيم المهمة، والقواسم المشتركة بين أي نظام ناجح، دون الاستماتة في تصدير نظام ما بالقوّة، أو محو نظام آخر بالقوّة أيضًا، أو جعله مُغريًا بطريقةٍ دعائيّة، وتصويره كحلم لكلّ الشعوب باختلافاتها.

إن الزهوّ الديموقراطيّ يتنامى بطريقةٍ تحجب أيّ حقيقةٍ تُقلّل من قدره، يقول الكاتب الأميركيّ جوزيف سامويل ناي (Joseph Samuel Nye) في كتابه القوّة الناعمة: “فالقيم السياسيّة، كالديموقراطيّة وحقوق الإنسان يمكن أن تكون مصادر جذبٍ قويّة، ولكنّ مجرّد إعلانها لا يكفي“. ويُقصدُ بهذا تنفيُذ هذه القيمة في السياسة الخارجيّة لأميركا.

الغراب الذي ضيّع المشيتين

علينا أن نتفهّم أنّ الديموقراطيّة هي قيمة عليا لهذه المجتمعات، لكنّ استنساخها قد يجعل النظام ناقصًا، فلا هو ديمقراطيّ حقًّا، ولا هو أبدع نظامًا متينًا يتمتّعُ بالرقابة والمساواة، مثل الغراب الذي ضيّع المشيتين، فالأجدر لكلّ مجتمع أن يبتكر أشكالًا جديدةً توائمه، ويستوحي كل خلاقٍ من غيرها ليستمر بالتقدُّم. وهكذا فإنّ الإنسانيّة في تقدُّمٍ دائم وفي حراكٍ مستمرّ لا تتوقف مشدوهةً عند فكرة، ثم لا تستطيع تخطيها، فهذا منافٍ لطبيعتها ويصمُّها بالجمود.

إنّ الديموقراطيّة هي من أوصلت الفاشيّة للحكم في ألمانيا وإيطاليا عبر مؤسسات المجتمع المدنيّ وحكمت عبر صناديق الاقتراع.. والديموقراطيّة مررت قوانين ظالمة باسم الأغلبية وبشكل شرعي، وبتصويت برلماني، مثل قانون الفصل بين البيض والملونين في القرن الماضي في الولايات المتحدة.

وبمثل هذه الهفوات يستحيل النظام إلى كابوس، يهتمُّ بالغالب ويجذبُ الأغلب ويتركُ البقيّةَ على الكفاف في الحقوق والمساواة، فيكون القانون على الهوى لا على الحق والمنطق الذي قد يغيب عن الأكثريّة وتصيح به الأقليّة.

وهو مايمكنُ معالجتُهُ عن طريق وضع تشريع أعلى تُسنُّ القوانين في حدوده، كالدستور، أو الشريعة كما في بعض الدول الإسلاميّة، غير أن الخلطة يجب أن تكون متكاملةً، بكل تعقيداتها وأن يكون المزيج متوازنًا، فصحيح أنّ الشعب قد ينتخب ويدفع مرشّحًا للفوز، ويختاره بملء إرادته، إلا أنّ هذا المرشّح إن لم يجد لفساده مُعقِّبًا، ولا لفعله مُحاسِبًا، وإذا اختزل بيده القوّة والمنصب الرفيع فستكون الديموقراطيّةُ أضحوكةً يُتندّرُ بها في كلِّ مناسبة، وكأنّ المرشّح الفاسد يتلوه مرشّح أكثرُ فسادًا.

إن جهازًا منتخبًا قد يُمنى بالفشل، إذا لم توجد مساحةٌ للنقد، وإذا احتُكِرَت الصحافة، وأفلت أصغر إداريٍّ فاسد من المساءلة والعقاب.

القيمةُ المهمّة التي إذا فقدها أيُّ نظامٍ فإنّ مآلهُ أن يصبح فرديًّا مطلقًا يستبدُّ بالاستقلال في الرأي

وهنا تظهرُ قيمةُ الرقابة، إنّها المحكُّ الحقيقي، وهي القيمةُ المهمّة التي إذا فقدها أيُّ نظامٍ فإنّ مآلهُ أن يصبح فرديًّا مطلقًا يستبدُّ بالاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة، والتي ما إن يكتسبها نظامٌ حتى ترتقي به، ذلك أن الرقابة تضع المسؤولين تحت عين المجهر، وتبحث في مواضع الخلل وتُقوّم اعوجاجهُ وتتصدّى للمصالح والمحسوبيّة.

فكيف تتحقق الرقابة؟

  • الصحافة الحرة.

أجمل ما جاءت به الديموقراطيّة، ولكن يتمثّلُ تأثيرها في ترويج الأخبار اعتمادًا على الرأي الشعبيّ أو حكمة الجمهور وهو ذا جودة عالية إلا أنّهُ كأيّ منتج لا بُدّ له من أن يرى بعين ناقدة، ذلك أن خطف الصحافة، ومنع الصحافيين الأحرار هو ظاهرة متفشّية قد لا يتصدى لها إلا النقد والكثير من التمحيص.

  • النقد الشعبيّ البناء.

ولأن الحريّة وحدها لا تكفي فيجب أن يكون للشعب الأدوات النقديّة والوعي الكافي به، وهنا يأتي دور النظام، والثقافة العامة، والتعليم.

  • طريق التمثيل السياسي.

وهو أن يجد كل مواطن في الأجهزة التشريعيّة والاستشاريّة من ينتمي له عرقيًّا أو إثنيًّا أو دينيًّا، وحتى فكريًّا، ويمثِّلُهُ بذلك.

  • الأجهزة الرقابيّة المستقلة.

وحتى تكون الرقابة مرتكزة على أساسّات وقوانين تخصُّ الدور الرقابيّ وتكافح الفساد في المصالح الحكوميّة فالضرورة تُحتّم وجود جهاز الرقابة المستقلّ إلى جانب الرقابة الداخلية، الذي يكون له صلاحيّات بالمحاسبة والتأديب والترافع إلى القضاء نيابة عن الصالح العام، على أن يحافظ على استقلاليته ونزاهته.

وأخيرًا، إن الإبداع في ابتكار حلول جديدة، بمرونة ولياقة تناسب سرعة هذا الوقت مع الحفاظ على القيم الأساسيّة مثل الرقابة، والشفافيّة، والحريّة، مع عدم إغفال خلفيّة المجتمع وثقافته التي قد تكون متعمّقة بالتاريخ ولديها حس دينيّ عاليّ مثل الشعوب العربيّة تتطلّبُ جهدًا استثنائيًّا وفهمًا عميقًا وهو ما ينظر للجيل الجديد المنفتح عالميًّا والراغب بالتقّدم داخليًّا بأنّه قادرٌ على جعل ذلك ممكنًا في أقرب وقت.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.