كلكم متشابهون و«سمعوني صياحكم»

المتعصبون يعيشون وهمًا غريبًا لم تنجح أي دراسة حتى الآن في فك طلاسمه، وهو الاعتقاد بأنهم يختلفون، وأن الجماهير الصفراء تختلف عن الزرقاء.

يشترك مشجعو أندية كرة القدم في رابط واحد يجمعهم جميعًا هو أن العلاقة بينهم وبين المنطق تكاد تكون معدومة. وأزعم أني أفرّق بين من يحبون كرة القدم ومن يحبون أندية كرة القدم؛ فمحب كرة القدم يحبها بصفتها منتجًا ترفيهيًا، يحب صخبها وجنونها والاستمتاع باللحظات السعيدة التي تمنحها له لعبة جميلة أو فوز فريقه المفضل. وميل المرء إلى فريق دون آخر يختلف عن الانتماء الذي يصل إلى درجة الولاء لناديه المفضل والبراء من الأعداء الذين قرروا طواعية أن يحبوا أندية أخرى دون مراعاة مشاعره وحالة العشق والهيام التي يعيشها.

أما مشجع النادي فإن لحظة النشوة لديه لا علاقة لها بفوز فريقه؛ لأن سعادته تكمن في خسائر الأندية الأخرى وفي الوهم الذي يخلقه لنفسه بأنه يتميز عن الآخرين وبأن هناك جينات مشتركة بينه وبين من يشاركونه الانتماء وصفات وراثية تجمعه معهم: كلهم أذكياء ولماحون وفطنون ونزيهون ويحبون العدل ويكرهون الظلم ويؤمنون بأن الآخر -والآخر هنا تعني في الغالب مشجعي النادي المنافس- يعاني من خلل في تركيبة عقله، إضافة إلى أن هذا الآخر يعاني من مشكلات أخلاقية تتعلق بالنزاهة والشرف والأمانة. 

إن فاز فريقه بأخطاء الحكام مثلًا فإنه يردد في نشوة للمعترضين العبارة الشهيرة «سمّعوني صياحكم»، ويؤصل بأن الفرق المحترمة تفوز أيًا كانت الظروف التي تواجهها، وأن التحجّج بأخطاء الحكام ثقافة الأندية المنافسة، ويحمد الله على أن هداه إلى الصواب واتباع الرشد؛ لأنه يشجع ناديًا لا يمارس هذه البكائيات. ولأن ذاكرة المشجع المتعصب ذاكرة ذبابة في معظم الأحيان فإنه عند الخسارة ينسى كل تلك المبادئ وينطلق ليمارس الصياح الذي قال عنه قبل بضعة أيام إنه ثقافة تخص الآخرين. 

المتعصبون يعيشون وهمًا غريبًا لم تنجح أي دراسة حتى الآن في فك طلاسمه، وهو الاعتقاد بأنهم يختلفون، وأن الجماهير الصفراء تختلف عن الزرقاء، وأن الخضراء لها تقاليد وعادات تختلف عن الجماهير البنفسجية. 

ومن باب الإنصاف فإن المتعصبين الرياضيين فئات ودرجات، ليسوا كلهم فئة واحدة، ولكن الفئة التي تمتاز من غيرها بأن المنتمين إليها هم أصحاب أقل درجة (IQ) بين مشجعي كرة القدم هي فئة الإعلامي المشجع، فمعدل الذكاء لدى هذه الفئة يساعده بالكأد للبقاء على قيد الحياة، ولكنهم على رغم ذلك يتصدرون المشهد الرياضي ولهم برامج وقنوات ولقاءات متلفزة وحساباتهم على مواقع التواصل هي الأكثر نشاطًا وتفاعلًا. ولله في ذلك حكمة؛ فهو يمنع من جهة ويعطي من أخرى. 

في القضايا الرياضية التي يتداعى لها هؤلاء الإعلاميون ليقدموا الفتاوى لجحافل المشجعين من خلال البرامج التلفزيونية تستطيع ببساطة أن تعرف ما سيقولونه دون أن تبذل أي مجهود. كل واحد منهم سيقول الرأي الذي يصب في مصلحة ناديه، وليس لديه أي مشكلة في الظهور في اليوم التالي ليقول رأيًا مختلفًا في قضية مشابهة؛ لأن أطراف القضية تغيرت. وسبب عدم شعوره بالحرج في مثل هذه الحالات ليس الوقاحة أو احتقار عقل المشاهد، بل يفعل ذلك بشكل لا إرادي وفي حدود ما تسمح به إمكاناته العقلية. 

النصر
بطاقة صفراء / Tenor

قرار الحكم أو اللجنة أو الهيئة أو اتحاد كرة القدم صحيح وعادل ونزيه إن كان في مصلحة فريقه، والقرار ذاته خاطئ ومتخذه متآمر يفتقر إلى النزاهة إن كان في مصلحة الفريق المنافس. واللاعب الذي يتعاقد مع فريقه هو «خير من تمشي به قَدمُ»، أما الذي ذهب للنادي المنافس «فقد ضل سواء السبيل». 

وفي دراسة قمت بها بنفسي وأشرفت عليها توصلت إلى حقيقة أن مشجعي الأندية الأربعة المدللة هم أكثر جماهير كرة القدم بُعدًا من المنطق، والعدائية التي يبدونها في الدفاع عن قناعاتهم تشبه كثيرًا العدائية التي ينتهجها النباتيون والمؤمنون بنظرية الأرض المسطحة: إيمان قوي وغريب بفكرة غير منطقية. 

والحقيقة أن دراستي المشار إليها آنفًا لم تستطع الوصول إلى السر وراء غياب العقل عند الحديث عن الأندية الرياضية، فتجد الرجل عاقلًا رزينًا شجاعًا كريمًا مثقفًا عالمًا ما تكلم في موضوع إلا سحرك بمنطقه ووعيه وسعة اطلاعه، ولكن الأمور تتبدل حين يصل الحديث إلى الفريق الذي يشجعه، فيتحول ذلك العاقل المتزن إلى شيء آخر لا علاقة له بالعقل ولا المنطق ولا الرزانة. ولا تتفاجأ بأن ذلك الذي كان يحدثك عن النظريات العلمية والفلسفة والمنطق والعلوم ويخرّج الأحاديث وله تجلّيات في الفقه واللغة والتفسير يرد عليك حين تأتي على سيرة ناديه وينهرك في غضب: «سمّعني صياحك».

وقد قلت كلامًا مثل هذا لأحد الأصدقاء فقال لي: إنك تتحدث عن نفسك. فلم أعتب عليه؛ لأنه مشجع لإحدى الفرق الأربع المترفة؛ لأنه لو كان عاقلًا بما يكفي لعرف أني لست متزنًا في كل أحوالي ولا علاقة لي بالثقافة والمثقفين، إضافة إلى أني أشجع فريقًا لا يريد من مشجعيه إلا أن يتحسسوا نعمة أن يبيتوا مظلومين غير ظالمين، نحن الذين بلغ بنا الزهد والورع أننا نخاف من أن يفوز فريقنا فتتغير طباعنا ونطغى في الأرض ونُكثِر فيها الفساد. 

السعوديةالمجتمعكرة القدمالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!