بارتلبي: متلازمة رفض أوامر المدير

تبقى البارتلبية صامدة كوجه عذب من المقاومة في مواجهة الإجهاد المعنوي والذهني والجسدي الذي يعاني منه الموظف.

لوحة «عذاب العمل الإبداعي» للفنان ليونيد باسترناك / Getty Images
لوحة «عذاب العمل الإبداعي» للفنان ليونيد باسترناك / Getty Images

بارتلبي: متلازمة رفض أوامر المدير

إيمان العزوزي

ربما استيقظتَ اليوم ورغبةٌ مُلِحّة تجتاحك في البقاء في المنزل وعدم الذهاب إلى العمل أو الجامعة، وفضَّلتَ «ببساطة» ألّا تغادر السرير وأن تقضي يومك في تأمل السقف أو التنزه أو قراءة هذه النشرة. وربما طردتَ كل تلك الأفكار الحسنة النية التي تدعوك إلى الإنجاز والمضيّ على خطى العصاميين المفترضين والمشاهير، واستسلمتَ لعذوبة عبارة «لا أريد» التي تسيل بخفة وسلاسة من لسانك دون أن يعوقها شيء. 

هل تقلقك هذه الأعراض؟ اطمئن، أنت بخير، كل ما هنالك أنك تعاني من «البارتلبية» في مراحلها الأولى.

دعني أوّلًا أعرفك إلى صديقي بارتلبي، الذي عُرفت المتلازمة باسمه، وأسال مداد كثير من الأدباء والفلاسفة، الذين حاولوا، كلٌّ حسب فهمه وتخصّصه، الاستفاضة في شرحها وتأويلها والتناصّ معها. ودعني أؤكد بدايةً أنني لا أملك الإجابة الدقيقة عن هويته، فهو رجل ظهَر فجأة في زمن ومكان يبدوان مثاليين، من أجل سرد قصة أمريكية تصف الحلم الأمريكي، حيث يحيا البطل حياة مثالية بين مكتبه وسيجار آخر اليوم، لكن كلمة «بطل» قد تبدو عبثية في محضر بارتلبي.

فالمفترض في البطل التقليدي أن يتقدَّم في الفعل، إلا أنَّ الفعل لدى صاحبنا يتناقص إلى أن ينقرض تمامًا، وعلى رغم هذه الرؤية التي تعارض كل ما عهدناه من أبطال الروايات الكلاسيكية، يملك بارتلبي سمة كونية إنسانية تطرأ على البال إذا مررنا فجأة بأفكار «شاطحة» متمردة تدفعنا نحو المقاومة السلبية التي لا تتطلب مواجهةً أو عنفًا.

كتب هرمان ملفل «بارتلبي النسَّاخ» عام 1853، وعلى رغم أنها لا تحظى بشهرة عمله الأضخم «موبي ديك» فإنها على غرار بقية أعماله قدَّمَت رؤية ثاقبة حول مجتمعه. عنوَن ملفل القصة باسم شخصيته (بارتلبي) وأضاف عنوانًا فرعيًّا (قصة من وول ستريت) ليكون عتبةً ومؤشرًا يوجه القارئ وينبّهه على أن وجود الشخصية والحدث في أهم شارع ماليّ في أمريكا أدَّى دورًا محوريًّا في إيجاد جو الاغتراب والغموض الذي يعيشه البطل داخل القصة. 

اقتحم بارتلبي فجأةً مشهدًا مكتبيًّا روتينيًّا يجمع محاميًا بموظفيه، ولفت اهتمام الجميع بجسده النحيل ووجهه الصامت والشاحب الذي تحمل ملامحه حيادًا لافِتًا. أُعجب المحامي بجدّيته في العمل وانكبابه المحموم على النسخ دون كلل أو ملل، لكن المشهد سرعان ما يتغير في اللحظة التي نطق فيها بارتلبي إحدى أشهر العبارات الأدبية: «أفضِّل ألّا أفعل ذلك»؛ فينقلب وضع المكتب رأسًا على عقب، من حالة هادئة إلى عبثية غير مفهومة.

تُحكى القصة من وجهة نظر المحامي وعلى لسانه بضمير المتكلم، ومن خلال عينيه سنتعرف على بارتلبي، ويتقلص الحوار بين الرجلين إلى درجة الصفر، مصرًّا على عبارته اليتيمة «أفضل ألّا..». على طول صفحات العمل تلتصق هذه العبارة بالمشاهد كنغمة شاذة في لحن حزين يتردد صداها في آذاننا، تشدنا إليها قَسرًا، على رغم رغبتنا في تغييرها.

في البدء تثير فينا العبارة الدهشة والذهول، ثم نضحك مما تحمله من سخرية لاذعة. سنُعجب بتمردها المفرط على الأوامر والروتين والتكرار الذي يتماهى وأحجار الجدار الإسمنتي الذي يواجه نافذة بارتلبي، لكنْ مع توالي المشاهد وصمود العبارة وإلحاحها سنقف في صف المحامي ونستشيط غضبًا؛ محاولين فهم هاجس الرفض لدى هذا الرجل النحيل. ليتحول الغضب آخر القصة إلى الخوف من جدّيتها.

ما يميز رفض بارتلبي أنه يقترن بالاختيار، فهو يختار الرفض في مواجهة أوامر الرئيس الذي يعوله ويكسبه رزقه. يختار أن يقول «لا» في موقف يجب فيه الرضوخ الذي تتبناه عبارة أخرى تتكرر بدورها في العمل مع موظف آخر كردّ تلقائي إذا خاطبه المحامي «احتراماتي سيدي». تقف العبارة البارتلبية على الحافة بين الرفض والقبول، فهي عبارة ملتبسة وغامضة ومتحفظة، تُراوح بين الجد والهزل، بين العذوبة والصفاقة، عبارة تدعو إلى الحياد، تدعو إلى الانسلاخ من العالم وسلطته الهرمية التي تزداد توحشًا كل يوم. عبارة تمنح الحق في التوقف بمعناه الوظيفي الصرف ومعناه المجازي المتخيل لكل شخص أمام إكراهات الحياة.

حالة بارتلبي فارقة في تأثيرها، لكونها تمنح خيار الرفض مرفقًا بخيار أهم، هو عدم تسويغ هذا الرفض. يحاول المحامي ومعه القارئ أن يستجلي مسوغات بارتلبي، ويدفعه ويستفزه لتقديم ما يفسر رفضه الثابت الغامض، لكن بارتلبي الهائم على وجهه في عالم غير هذا العالم لم يتأثر بكل هذه المحاولات، بل أبقى على عبارته نقية واضحة، تواجه عبثيتها عقلانية المحامي وفضوله وتدفعه في النهاية إلى الاستسلام.

تعتبر «البارتلبية» اليوم مفهومًا سائدًا في سوق العمل يتبناه الموظف في سياق ما يعرف بـ«الاستقالة الصامتة» (Quiet quitting)، وتتمثل في أدائه الحد الأدنى من الأعمال المطلوبة منه. وقد حاولت كثير من الدراسات ،على غرار محامي قصتنا، أن تقف على الأسباب المستترة التي تدفع الموظف إلى تبني هذا النوع من السلبية، واختلفت حول الأسباب، ولم توفّق في إيجاد حلول تجمع بين مصالح الموظف ورب العمل. 

بل جرى العكس تمامًا، انتفض هذا الأخير باحثًا عن حل يناسب مصالحه وأخذ ترياقه من الداء نفسه، فعرفت سوق العمل نهجًا جديدًا في الطرد يتمثل في «الإقالة الصامتة» (Quiet Fired) أي فعل كل ما من شأنه أن يدفع الموظف إلى المغادرة الطوعية. 

هكذا تبقى البارتلبية صامدة كوجه عذب من المقاومة في مواجهة الإجهاد المعنوي والذهني والجسدي الذي يعاني منه الموظف، صرخة تحاول إعادة التوازن من جديد بين العمل والحياة.


  1. توفي يوم الجمعة الماضي الكاتب الألماني مارتن فالزر عن عمر السادسة والتسعين. ويُعدّ فالزر أحد أهم الروائيين المعاصرين في ألمانيا، وحصد أهم جوائزها الأدبية. تُرجمت بعض أعماله إلى العربية، مثل رواية «جواد هارب» ورواية «رجل عاشق».

  2. أعلنت إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية في أبوظبي فتح التسجيل للموسم الحادي عشر من برنامج «شاعر المليون»، ويُعدّ البرنامج أكبر منافسة للشعر النبطي، حيث تصل جوائزها إلى 15 مليون درهم، وتحظى بمتابعة واسعة.

  3. أُسست شركة ناشئة في أمريكا باسم «Bindery» فكرتها تحويل المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي إلى ناشرين. تعرض الشركة عناوين المؤلفات الجديدة على المؤثرين، ويختارون منها العناوين التي يرغبون في دعمها وتسويقها على المتابعين. وبعدها تتولى الشركة النشر، مع حصول المؤثر على 25% من مبيعات الكتاب.

  4. أعلنت هيئة الشارقة للكتاب فتح المشاركة في الدورة الثانية من «جائزة الشارقة لحقوق النشر» تكريمًا للمساهمات الرائدة في حفظ حقوق النشر. وسيجري الإعلان عن الفائزين بالجائزة خلال فعاليات مؤتمر الناشرين الذي يسبق معرض الشارقة الدولي للكتاب في نوفمبر المقبل.


  1. بارتلبي وأصحابه، إنريكه بيلا ماتاس

    يرصد الكاتب في عمله مجموعة من الكتّاب يعانون «قفلة الكاتب»، لكن هذه القفلة اختيارية وليست نتاج غياب الإلهام. مستعينًا بشخصية ملفل (بارتلبي النساخ)، يضفي الكاتب على هذه القفلة مسحة مرضية يسميها «البارتلبية»، وأهم أعراضها الإصرار على الرفض وكلمة «لا».

  2. في مدح الكسل ومقالات أخرى، برتراند راسل

    مجموعة من المقالات المتنوعة أهمها المقالة الأولى «في مدح الكسل»، تناول فيها راسل معنىً جديدًا للكسل يختلف عن المعنى القَدحي الذي تحاول المجتمعات المادية فرضه على مواطنيها. يُعلي الكتاب من قيمة الكسل في مواجهة العمل، ويشجع على الفراغ والبطالة والانغماس في ما يستهوي الفرد من هوايات، بعيدًا من طوفان العمل الذي لا ينتهي إلا بعد سلب الإنسان فرصة الحياة، مؤكِّدًا أن من شأن الكسل وساعات العمل القليلة أن تمنح المجتمعات التقدم الذي ترجوه، ويسهم في رفع جودة الحياة و إحياء الحضارة الإنسانية.

  3. أبلوموف، إيفان قونتشاروف

    تعد هذه الرواية من أهم الروايات الكلاسيكية الروسية في القرن التاسع عشر. يعيش بطل الرواية «أبلوموف» معظم أيامه في منزله متكئًا على أريكته، وقلّما يخرج من بيته أو يؤدي أي عمل غير الاسترخاء، مستغرقًا في شرود مستمر ومستمتعًا بكسله. من اسمه اشتُقّ مصطلح «الأبلوموفية» الذي يشير إلى نزعة الكسل والتراخي التي تعوق الفرد عن المضي قدمًا في حياته. وعكس ملفل الذي واجه من خلال بطله بارتلبي الآلة الأمريكية وجموح ماديتها، كشف قونتساروف من خلال بطله الكسول خطر الكسل وتأثيره السلبي في المجتمع الروسي.

  4. مباهج وشجون العمل، آلان دو بوتون

    يناقش الكاتب البريطاني آلان دو بوتون العلاقة المركبة من الحب والكراهية تجاه وظائفنا وسيطرتها على حياة الإنسان، مؤكدًا أهمية إعادة النظر فيها بطريقة مختلفة لتأثيرها فينا، حيث نقضي معظم أوقاتنا فيها.

الإنسانالعملالكتبمراجعات
نشرة إلخنشرة إلخلغير المثقفين، الذين لا يربطون بين القراءة واحتساء القهوة، ولا يصوّرون أعمدة كتب تتجاوز أطوالهم نهاية العام. نشرة تصلك كلّ أربعاء تضم مراجعات للكتب، توصيات، اقتباسات… إلخ.