إنريكي.. الوداع الذي لم يتمنَّه قطُّ

ودع لويس إنريكي قطر خالي الوفاض صامتًا كما هو. لمَّح للصحفيين أنه يريد الاستمرار في منصبه، لكنه لا يعرف ماذا سيحدث في المستقبل.

على أرض قطر، هناك كأس وحيدة ومئات القصص. يتمنى أبطال القصص جميعهم نهاية سعيدة رفقة الكأس، إلا رجل وحيد يملك قصة مختلفة. قصته أكثر عمقًا من كأس من ذهب ومجد شخصي؛ فهو يتمنى أن يقف فوق منصات التتويج لا ليُخلِّد اسمه للأبد كما يتمني الجميع، بل ليخلد اسم صغيرته الراحلة «زانا لويس إنريكي».

منذ بداية كأس العالم قطر 2022 لاحظ الجميع التغير الذي طرأ على المدرب لويس إنريكي، الذي كان يُنظر إليه منذ وقت ليس ببعيد على أنه أحد أكثر المدربين توترًا على الإطلاق. أعلن أنه سيبث فيديوهات مباشرة عبر منصة «توِتش» (Twitch) في أثناء البطولة، وخلال تلك الفيديوهات تحدث عن أمور فنية وشخصية وسياسية، بل ووعد أنه سيصبغ شعره إذا فازت إسبانيا بكأس العالم. لكن هذا التغير الحقيقي لم يبدأ في قطر.

بدأت القصة في مارس 2019 عندما قرر إنريكي مغادرة معسكر المنتخب فجأةً قبيل مباراته مع منتخب مالطة، انتشرت الأخبار حينئذٍ عن إصابة ابنته زانا بمرض خطِر. أيام قليلة وتأكد الخبر، تعاني زانا نوعًا نادرًا من سرطان العظام. اعتذر إنريكي عن عدم الاستمرار في منصبه نظرًا إلى تلك الظروف، إلا أن زانا لم تتمكن من الصمود أكثر من خمسة أشهر، ثم توفيت في أغسطس 2019.

عاد إنريكي مرة أخرى مديرًا فنيًّا لمنتخب إسبانيا، لكن بوجه مختلف تمامًا. بدت علامات السنين على وجهه أوضح، شيء من الحزن الممزوج بحكمة من اختبر الفقدان بلا أمل في العودة أصبح ملازمًا له. قرر ألا يستسلم للحزن الذي ربما يفقده صوابه وأن يعود لحياته مدركًا أن تلك التجربة ستجعله شخصًا آخر. 

كان أكثر ما تغير في إنريكي المدرب أنه أصبح أكثر جرأة بشكل ملحوظ. فقد قرر الاعتماد على لاعبين شباب، حتى إنه شارك بقائمة لاعبين هم أقل رابع معدل أعمار بين منتخبات البطولة. تحول منتخب إسبانيا مع الوقت إلى فريق جديد بالكامل ذي نزعة تنطوي على مغامرة حتى الرمق الأخير.

صباح الخير، اليوم كما يعرف الجميع سنلعب ضد ألمانيا. لكن هذا اليوم أيضًا خاص جدًّا لي، لأن زانا الصغيرة كانت ستبلغ من العمر 13 عامًا، أينما كنتِ، أتمنى لكِ يومًا سعيدًا.

كانت هذه كلمات إنريكي قبل مباراته ضد منتخب ألمانيا. كلمات حزينة من أب أصبحت قصته مزيجًا بين بحث دائم عن المستقبل كما هو حال كرة القدم، وماضٍ لا يمكن نسيانه أبدًا. لا يمكن أبدًا أن تنظر إلى قصة إنريكي دون أن تكون زانا جزءًا منها. لقد عاد هذا الرجل ليقف وسط الملايين لكنه يبدو أحيانًا وحيدًا للغاية.

هو لم يعلن ذلك صراحةً أبدًا، لكنك لن تقص أبدًا قصة إنريكي وطموحه للبطولات إلا وأنت تتخيل أنه يفعل كل ذلك من أجل ابنته الراحلة. تلك الفتاة التي غابت عن العالم ولم تغب عن قلب لويس أبدًا. يحتاج لويس أن يخلد ذكرى زانا إلى الأبد، ربما سيتحقق ذلك بيد تحمل كأس العالم ويد أخرى تحمل صورة زانا وعليها وشم بالحرف الأول من اسمها.

يومها فقط سيبكي إنريكي، سيعبر نهر الصمت الذي آثر الغرق فيه طواعية لسنوات. سيرتدي قميص إسبانيا مطرزًا فوقه حروف زانا بلا رقم، بل بعلامة اللانهائية، حيث تبقى في قلبه للأبد. سيشعر الجميع حينئذٍ أن قصة هذا الرجل تبدو أكثر حزنًا رغم مشاهد الفرح. لكن هذا لن يحدث في قطر.

ودع لويس إنريكي قطر خالي الوفاض صامتًا كما هو. لمَّح للصحفيين أنه يريد الاستمرار في منصبه، لكنه لا يعرف ماذا سيحدث في المستقبل. لم يُصرِّح لأحد أنه لم يحقق حلمه إلى الآن، فهذا الحلم خاص به وحده ولا يخص أحدًا غيره. لكنه ربما نظر إلى السماء وقال: حاولت يا زانا ولن أكف عن المحاولة.

قطركأس العالمكرة القدم
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية