هل السعوديون لا يعملون؟

لا ينفك البعض من ترديد جملة مفادها أنَّ السعوديين ليسوا بأصحاب عمل، ويأنفون من القيام بالأعمال التي تتطلب جهدًا بدنيًا.

أحد الأقوال المتداولة لتبرير تعذُّر عملية توطين الوظائف الزعم أنَّ السعوديين إما يحجمون عن العمل بها تأففًا أو أنهم غير قادرين أصلًا على أدائها لأن المهارة تعوزهم، ولا يناسبهم إلا الوظائف المكتبية ذات الرواتب الضخمة والطبيعة الإدارية التي تضمن لهم العمل تحت نسمات أجهزة التكييف!

فهل هذه المزاعم صحيحة؟ 

المهارات اليدوية للسعوديين تاريخيًا 

حسنًا، دعونا نلقي نظرة على الحصون المنيعة والقلاع المشيدة الصامدة منذ قرون في نجد وعسير والحجاز وشمال السعودية، التي يتجاوز عمر بعضها الألف عام كما في دومة الجندل وآطام المدينة المنورة. بنيت هذه البيوت المعقدة، وهذه القلاع الحصينة التي تتطلب مهارة فنية دقيقة، بسواعد أجدادنا وبموارد محلية استُغلت بذكاء.

أما إن ألقينا نظرة على أعداد القرى المتناثرة على سفوح الأودية وسهوب الجزيرة، ستدهشنا مساحة المزارع والأراضي المستصلحة وأنظمة الري الذكية المعتمدة على السناية. ولا يقتصر الأمر على القرى الواقعة على ضفاف الأودية أو في السهول الممتدة، بل حتى في قمم جبال السروات ذات التحدي الأصعب والأشرس، إذ نجدهم تمكنوا من تطوير أنظمة ري ذكية على هيئة مدرجات هندسية، مستفيدين ببراعة من كميات الأمطار النازلة موسميًا.

كل آثار التقنيات التي طورها أجدادنا بأيديهم ليسيطروا على الطبيعة ويتكيفوا معها، قامت بأيد سعودية. وفي الصناعة كانت لدينا مرافئ تصنع السفن وتصلحها على طول الساحل الشرقي. وكان لدينا مهنة احترافية كاملة تدعى القلافة، يسمى المعلم الماهر فيها «القلاف»، ويختص بصنع سفن جمع اللؤلؤ التي تدعى «السنبوك». صناعة كاملة لها فنياتها ومفرداتها وهرميتها كانت موجودة إلى وقت قريب.

إمبراطورية بترول بأيدٍ سعودية

أما إن كنت تظن أن تلك الآثار لأمة قد خلت، لها ما لها وعليها ما عليها، وأنَّ أبناءهم يختلفون عنهم جذريًا، فيسعدني أن أدعوك لمشاهدة هذا الفلم الوثائقي الذي أنتجته شركة أرامكو في نهاية الخمسينيات، والذي يظهر لك بالصوت والصورة إنجاز آبائنا الأبطال في تدشين البنى التحتية لصناعة النفط.

فعلى الرغم من أميتهم، وحداثة دخولهم عصر الدولة، تمكنوا بسواعدهم وعزيمتهم الصادقة من بناء أعظم إمبراطورية بترول على سطح الكرة الأرضية. شقوا الطرق وحفروا الآبار وبنوا البيوت وقادوا المركبات. والآن يؤدي أبناؤهم كل الأعمال الفنية التي تتطلبها هذه الصناعة، بدءًا من الجوانب الفنية الدقيقة، مرورًا بالجوانب الهندسية المعقدة، وانتهاء بالاستراتيجيات وسياسات صنع القرار.

السعودية والنرويج ما بين الثراء النفطي والضبط المجتمعي

زُرت النرويج لأول مرة عام 2013 استجابةً لدعوة من مركز الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة أوسلو الذي نظم حلقة نقاش عن التغيرات المحلية والإقليمية

22 يونيو، 2020

ليس هذا فقط، بل إذا حسبنا عدد براءات الاختراع التي يصدرها السعوديون وحدهم في العام الواحد (بدون تسجيل العلامات التجارية)، فستعادل السعودية تقريبًا مجموع ما ينتجه العالم العربي. ويمكن لزائر مقر شركة أرامكو السعودية أن يرى مبنى الإدارة الجنوبي الذي بني قبل أكثر من سبعين عامًا بأيد سعودية، ثم بإمكانه التعريج على مبنى البحث والتطوير المجاور له، ليرى العلماء السعوديين أصحاب 683 اختراعًا في عام 2020 فقط.

مع دخولنا في السبعينيات، غابت المهن الفنية والحِرَف عن الوعي العام ، وسادت قناعة أن هناك مكوّنًا ثقافيًا محليًا يمانع تلك الأعمال. وقد يعود السبب إلى التوسُّع في التوظيف الحكومي الذي أخرج عددًا كبيرًا من أصحاب المهن من سوق العمل للتوظف في الأجهزة الحكومية التي يغلب عليها العمل المكتبي. وقد يعود أيضًا إلى التوسُّع في الاستقدام خلال الطفرة الأولى، ليترك عددٌ كبير من المواطنين سوق العمل الخاص بعد مزاحمة الوافدين لهم.

ولكن في الواقع، لم تختفِ تلك الأعمال الفنية والمهن في حاضرنا، فهي لا تزال موجودة في أجزاء كثيرة من صناعة النفط والغاز وصناعة البتروكيماويات والمعادن والبنية التحتية من كهرباء وتحلية مياه وغيرها، وإن كانت لا تظهر إلى العيان.

ما الوظائف غير المرغوبة؟

غالبًا ما تُصنَّف الوظائف المهنية التي تعتمد بجزء ما على مجهود بدني أو العمل الميداني ضمن أكثر الوظائف التي لا يُقبِل عليها المواطنون، ولا يمكن بأي حال توطينها، بالإضافة إلى الأعمال ذات الرواتب المتدنية، سواء أكانت مهنية أم مكتبية. وهنا يجب أن نلتفت إلى سبب عدم رغبة المواطنين في تلك الوظائف، بحسب أصحاب هذا الرأي، لكي نقيّم مدى صحته.

أحد أول الأسباب، أنَّ الأعمال المهنية والميدانية مجهدة ومتعبة، والمواطنون بمختلف خلفياتهم ومستوياتهم المادية لن يقبلوا بأقل من وظيفة مريحة، ويفضل أن تكون مكتبية ولا تحتاج مجهودًا بدنيًا. ولكن من أرض الواقع، يشهد برنامج أرامكو للتدرج الوظيفي لخريجي المرحلة الثانوية أو حملة الدبلوم إقبالًا عاليًا يتزايد سنويًا. 

يقدم البرنامج تدريبًا لفترة تمتد ثمانية عشر شهرًا، ثم ينضم المتدرِّب للعمل بالشركة بحسب التخصص. وتغلب المسارات المهنية في البرنامج مثل: (ميكانيكي حفر، لحّام معادن، فني صيانة تكييف الهواء، فني كهرباء)، وغيرها من المهن التي تتطلب العمل في المعامل والمصانع، وفي أماكن نائية بأوقات عمل تمتد إلى 12 ساعة متواصلة، أو ورديات عمل متغيرة نهارية أو ليلية. ولا تعاني الشركة هنا من قلة المتقدمين، بل أن الإقبال والمنافسة كبيران جدًا، وتفوق أرقام المتقدمين المقاعد المتاحة بأضعاف.

الواقع المادي هو العذر لا الثقافة

لا يخفى على القراء أنَّ سبب الإقبال هو سمعة شركة أرامكو السعودية والمميزات الوظيفية التي تقدمها؛ من راتب مقبول ورعاية صحية وبرنامج تملك مسكن وغيرها. وهناك من يتعذر بأن أرامكو تستطيع جذب تلك الأعداد لأنها تستطيع توفير الظروف والمميزات والمقابل المالي بينما غيرها لا يستطيع. فهل نقارن مؤسسة صغيرة بأكبر شركة نفط في العالم؟!

قبل أن أتحدث عن المقدرة، أود القول إنَّ عذر عدم الإقبال على الأعمال بسبب «الثقافة» سقط سريعًا، فأصبح العائق الآن هو الراتب أو المميزات أو ظـروف العمل. لذا من المهم جدًا الوصول إلى نقطة اتفاق هنا: المانع الوهمي غير الملموس «الثقافة» غير موجود، وما نتحدث عنه واقعيًا هو الظروف المادية التي تحقِّق التوطين، وتلك الأمور لدينا القدرة على إحصائها وتقييمها ومعالجتها.

خلق وظائف تناسب المواطنين

لدى شركة سابك وشركتها التابعة وشركة معادن والشركة السعودية للكهرباء وغيرها من الشركات الكبرى برامج مشابهة لبرنامج أرامكو السعودية لخريجي المرحلة الثانوية والدبلوم، وتشغل أعدادًا كبيرة نسبيًا في أغلب الوظائف، حتى المهنية والفنية والميدانية منها. 

لكن إذا نزلنا درجة في سلم خلق القيمة، سنجد الأعداد تقل في الشركات الخاصة المتعاقدة مع تلك الجهات. وإذا ابتعدنا درجة أكثر إلى المورّدين أو شركات تقديم الخدمات، سنجد أرقام المواطنين تقل أكثر وأكثر حتى تكاد تنحصر في بعض الأعمال الإدارية، مع وجود توطين «وهمي» لتحقيق الحد الأدنى من شروط وزارة العمل.

هناك من يطالب بخلق وظائف جديدة تناسب المواطنين ورغباتهم ومتطلباتهم المادية، بعيدة عن وظائف القطاع الخاص «الرديئة» بحسب وصفهم. ولكن إذا استمعت إلى وصف «الوظيفة المناسبة» ستجدها تصف الدخل المادي والمميزات وبيئة العمل، وليس نوع العمل أو مكانه أو قطاعه. فكما أصبحت جميع الوظائف الميدانية والمهنية في شركة أرامكو والشركات التي ذكرتها مرغوبة بمجرد توفير تلك العوامل، نستطيع تحويل جميع الوظائف الموجودة في سوق العمل إلى مرغوبة ومناسبة.

المهمة هنا ليست صعبة. فـ:

بينما تعني كلمة «البطالة» في كل الدول عدم توفر وظائف في الاقتصاد كافية للباحثين عنها، مما يعني الحاجة للنمو الاقتصادي لخلق وظائف أكثر، فالوظائف في سوقنا موجودة، والتحدي الحقيقي هو في عملية الإحلال وتغيير السياسات والتشريعات، فكيف يمكن ذلك؟ Click To Tweet

لا مكان لأنصاف الحلول

تعمّدتُ كتابة مقالات تتناول جوانب أخرى من توطين سوق العمل قبل هذه المقالة. إذ حتى نفهم لماذا تبدو الوظائف المتوفرة بالملايين في سوق العمل غير قابلة للإحلال، علينا أولًا فهم وضع سوق العمل الحالي. 

ففي مقالة «لماذا يفشل التوطين الجزئي؟»، بيّنت كيف يحافظ التوطين الجزئي على هيكلة سوق يعتمد في بنيته على عمالة وفيرة ذات مهارات منخفضة. ولهذا يظل المردود المادي للوظائف منخفضًا وبيئة عملها رديئة لا ترى في الموظفين أصولًا منتجة، ولا ترى أنَّ الاستثمار في تدريبهم والمحافظة عليهم يرفع الإنتاجية ويزيد الأرباح.

وأوضحتُ في مقالة «هل التوطين في السوق السعودي يرفع تكلفة المعيشة؟» كيف تتسبب كثرة منافذ البيع، وتفكُّك الأسواق مع انتشار المؤسسات التي تديرها العمالة الوافدة، في ضعف المبيعات للفرع، وبالتالي انخفاض الرواتب. وكيف أنها لا تمكّن الشركات من الاستثمار في الأتمتة والتقنية، فترفع قدرتها على استقطاب موظفين بمهارة أعلى، ودفع رواتب أفضل حين تتخلص من الممارسات البدائية والاعتمادية على كثرة اليد العاملة.

كما أنَّ أحد أسباب انخفاض الرواتب والعجز عن توفير بيئة عمل جاذبة يعود إلى محدودية السوق أحيانًا وضعف القوة الشرائية. وذلك سيتغير مع التوطين وارتفاع الإنفاق الاستهلاكي كما ذكرت في مقالة «التكلفة الحقيقية لاستقدام العمالة الوافدة».

وسيكون ارتفاع تكلفة بعض الخدمات أو عقود التنفيذ للمشاريع الحكومية والمشاريع الخاصة الكبرى واقعًا، ليتمكَّن السوق من توفير الرواتب والمميزات المناسبة لتوظيف المواطنين. وهي تكلفة معقولة وصحية إذا جرى تقييم الأمور بنظرة اقتصادية لا مالية كما طرحت في «هل أولوية التوظيف في السوق السعودي للأكفأ أم للمواطن؟»

برأيي سيصبح التوطين الكامل واقعًا مقبولًا وأمرًا بديهيًا للجميع لدى تجاوزنا «النقطة الحرجة». فحاليًّا يشكّل الأجانب 77% من موظفي القطاع الخاص، ومتى انخفضت النسبة إلى ما دون 50%، ستصبح بعدها عملية التوطين أسهل.

فمستهدف «التوطين الكامل» تحقيق تغيُّر جذري لسوق العمل الحالي، وعودة لهيكلة اقتصاد صحي ومنتِج يعكس أرقام النمو الاقتصادي بارتفاع في القوة الشرائية وتحسّن مستوى المعيشة. وكلما زادت سرعة وتيرة التوطين في كل المهن، تلاشت الحجج ضده أسرع. 

السعوديةالعملالمجتمعالرأي
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية