«النفس المطمئنة».. خليجي بنَفْس هوليوودية
فريق ثمانية في مؤتمر النقد السينمائي الدولي🎞️


«النفس المطمئنة».. خليجي بنَفْس هوليوودية
عهود أبو خيرة
من المفارقات أن يكون الرعب من أقل الأنواع حضورًا في الدراما الخليجية، رغم أننا نملك من حكايات الجن والسحر والمسِّ ما يكفي لإرعاب أجيال كاملة. فالموروث الشعبي الذي لم يبخل علينا بمثل هذه القصص، لا يزال حضوره على الشاشة خجولًا، ولعل مسلسل «عندما يكتمل القمر» من أبرز المحاولات التي تحضر في الذاكرة.
لهذا، كان الإعلان عن مسلسل «النفس المطمئنة» كافيًا لإثارة فضولي، خصوصًا أنه يأتي من منصة «شاشا» التي رفعت سقف التوقعات خلال هذا العام. فمن «أعوام الظلام» إلى «جناية حب» وسلسلة «وحوش»، راكمت المنصة تجارب عززت الثقة بخياراتها الإنتاجية، وزادت الترقب لما ستقدمه هذه المرة في عالم الرعب. فقد بدت المقومات مهيأة لتقديم تجربة رعب خليجية مختلفة، لكن أين وقع الخلل؟
نعرف أكثر مما ينبغي
بعد ثماني سنوات يعود «طلال» (يعقوب الفرحان) برفقة زوجته وابنته من الولايات المتحدة إلى بيت عائلته في الكويت، إثر وفاة والده المفاجئة. لكن محاولته كشف ملابسات الوفاة تقوده إلى نبش ماضٍ اعتقد أنه أغلق صفحته منذ زمن، وتحديدًا علاقته بحبيبته السابقة «حصة» (هيا عبدالسلام)، التي تركها ليتزوج بأخرى. غير أن «حصة» لم تتقبل أن تنتهي الحكاية بقرار منه وحده، فاختارت الانتقام منه ومن عائلته بالسحر.
حتى هذه اللحظة، تبدو القصة شديدة الجاذبية، ولا أخفي أنني انبهرت بفكرتها عندما قرأتها للمرة الأولى. فهي تستحضر إلى الذهن عددًا من الأعمال التي تناولت هوس امرأة بحبيبها، وكيف يمكن للحب، حين يتجاوز حدوده، أن يتحول إلى رغبة عمياء في التملك والانتقام. لكن «النفس المطمئنة»، رغم امتلاكه هذه الفكرة الثرية، لم يذهب معها بعيدًا بما يكفي، ولم يستثمر إمكاناتها النفسية والدرامية كما تستحق.
نبدأ من «حصة»، التي يقدِّمها المسلسل منذ البداية فتاة طيبة ومظلومة، فنفهم جرحها ودوافع انتقامها قبل أن تتاح لنا فرصة الخوف منها. وهنا تمنيت لو أن العمل أخفى عنا هذا الجانب من شخصيتها، وجعلنا نراها بعيني «طلال»؛ امرأة مهووسة ومخيفة، فننحاز إليه ونترقب ما قد تفعله به، قبل أن تتكشف جراحها وتتغير نظرتنا إليها. ويذكِّرني هذا بمسلسل «Baby Reindeer»، الذي رغم ابتعاد حكايته عن عالم السحر، نجح في جعلنا نعيش هوس «مارثا» وملاحقتها البطل من منظوره، فنخشى تصرفاتها قبل أن نتعرف تدريجيًّا إلى تعقيدات شخصيتها.
وإذا كان المسلسل يريدنا أن نتعاطف مع «حصة» منذ البداية، كان بإمكانه أن يذهب بهذا الانحياز إلى مداه بأن يجعلنا نرى «طلال» بعينيها بأبشع صورة ممكنة؛ رجلًا هجرها بإرادته وحطَّم أحلامها، فنصدِّق روايتها ونتبنى غضبها، قبل أن نكتشف أنه تزوج بأخرى تحت ضغط والده ولحمايتها، فنعيد النظر في أحكامنا عليه.
هذا النوع من الحكايات يزداد إثارة حين نعيش الصراع من منظور إحدى الشخصيتين، ونرى الأخرى بعينيها، دون أن نملك الحقيقة كاملة. عندها يصبح انحيازنا جزءًا من التجربة، وتكتسب كل حقيقة جديدة القدرة على زعزعة أحكامنا. لكن «النفس المطمئنة» اختار أن يمنحنا معرفةً شبه متوازنة بالطرفين منذ البداية؛ نعرف جراح «حصة»، ونفهم ظروف «طلال» ومبرراته، ويحرص العمل على إظهار الجانب الطيب في كليهما. وهنا تكمن إحدى أبرز مشكلات البناء الدرامي: كشف المسلسل أوراق شخصياته مبكرًا، دون أن يمنحنا منظورًا نتورط فيه عاطفيًّا بما يكفي، فأصبحنا نراقب الصراع من مسافة آمنة، بدلًا من أن نعيشه من الداخل.
ورغم ملاحظاتي على كتابة الشخصيات، فإن الأداء التمثيلي كان من أبرز نقاط قوة المسلسل. فقد أتقنت هيا عبدالسلام تجسيد «حصة» بما تحمله من ألم ورغبة في الانتقام، بينما نجح يعقوب الفرحان في نقل خوف «طلال» وارتباكه. وامتد تميُّز الأداء إلى بقية أفراد الأسرة، إذ حظيت كل شخصية بمساحتها الخاصة، وكان لكل فرد دور يتجاوز مجرد الوجود في محيط البطل.
رعب هوليوودي في بيت خليجي
تخيَّل أي فلم رعب شاهدته في حياتك؛ امرأة تقف خارج المنزل برداء أسود، طفلة بشعر طويل تظهر بصورة مخيفة، رسومات لطفلة تكشف مكانًا لم تزره، شخص يرى في المرآة من يقف خلفه، والقائمة تطول. جميع هذه العناصر حضرت في «النفس المطمئنة»، حتى بدا كأنه يجمع أشهر مشاهد الرعب الهوليوودية في مسلسل واحد.
وما يزيد الأمر غرابة أن المسلسل لم يستمد رعبه بما يكفي من فكرته نفسها، ولا من الموروث الثقافي الذي تنتمي إليه الحكاية. فهناك تفاصيل ومواقف ارتبطت بالخوف في ذاكرتنا الشعبية، وقد يكون وقوعها في سياق مألوف أشد رعبًا من أي ظهور مفاجئ. خصوصًا أن العمل يتمحور حول السحر، وهو من أكثر الموضوعات حضورًا في الموروث الخليجي؛ من الماء المقروء عليه، ومشاهد الرقية ومحاولات إخراج الجن ممن يُعتقد أنهم ممسوسون، إلى العلامات والأشياء الغريبة التي يتداولها الناس بوصفها دلائل على وجود سحر في المنزل أو إصابة أحد أفراده به. جميعها تفاصيل كان يمكن توظيفها لصناعة رعب يستمد من ذاكرة المشاهد، بدل أن نطبع «الرعب الهوليوودي» ونضعه في أعمالنا.
وهذا لا ينتقص من التجربة الإخراجية، التي جاءت متقنة إلى حد كبير، لكن الإفراط في استعراض المهارات الإخراجية وحشد صور الرعب الهوليوودية المألوفة أفقد كثيرًا من المشاهد وقعها، بعدما أصبحت متوقعة رغم براعة تنفيذها. وامتد هذا الحرص على الإبهار إلى تصميم المواقع، فالمنازل والبيئة المحيطة بالشخصيات افتقرت إلى الملامح المعمارية والتفاصيل المعيشية التي تمنحها هوية خليجية واضحة، حتى بدت أقرب إلى بيوت أفلام الرعب الهوليوودية منها إلى البيوت الكويتية. ويتجلى ذلك في بيت الساحرة، الذي بدا مستعارًا من أحد تلك الأفلام، بتصميمه وطقوسه التي تعلن الرعب منذ اللحظة الأولى، مع أن منزل من يمارس السحر قد لا يختلف ظاهريًّا عن أي منزل عادي، وربما كانت تفاصيل صغيرة تكشف ما يجري داخله أشد رعبًا من المبالغة في جعله مخيفًا.
ولم تكن الهوية البصرية الفرصة الوحيدة التي لم يستثمرها المسلسل، فمن أكثر الأفكار التي أعجبتني بداية تدهور حالة «طلال» النفسية تحت تأثير السحر، وما يصاحبها من هلوسات وشكوك في أقرب الناس إليه. وهي فكرة تحمل إمكانات هائلة للرعب النفسي، لكن العمل اكتفى بالتطرق إليها بصورة محدودة، دون أن يطوِّرها دراميًّا كما تستحق.
فقد كان يمكن أن تتصاعد هلوسات «طلال» حتى يفقد ثقته بحواسه وبمن حوله، ويبدأ باتخاذ قرارات خاطئة بدافع الخوف، وربما يؤذي عائلته وهو يظن أنه يحميها. وهنا تصبح زوجته وابنته طرفين فاعلين في الصراع، تحاولان حماية نفسيهما من الرجل الذي يفترض أن يحميهما. وهي فكرة تذكِّرني بفلم «The Shining»، الذي يستمد جانبًا كبيرًا من رعبه من تحوُّل الأب تدريجيًّا إلى مصدر تهديد لعائلته. وكان يمكن لـ«النفس المطمئنة» أن يستثمر هذا الجانب من الرعب النفسي، فيصبح انتقام «حصة» أكثر قسوة حين تدفع «طلال» إلى تدمير علاقاته بأقرب الناس إليه بيديه.
أربع حلقات من الترقب
يتكوَّن المسلسل من أربع حلقات فقط، وهي خطوة إيجابية تستحق التشجيع، خصوصًا أن هذه الصيغة تتيح تقديم حكايات مكثفة دون إطالة غير ضرورية. لكن الحلقة الأولى جاءت بإيقاع بطيء، وهو أمر يمكن تفهُّمه باعتبارها تمهيدًا لعالم القصة وشخصياتها. غير أن البطء امتد إلى الحلقة الثانية، مع اعتمادها الكبير على الفزع والهلوسات التي تطارد «طلال» دون تقدُّم ملموس في الأحداث. أوحى هذا التمهيد بأن المسلسل يتبنَّى أسلوب الرعب بطيء الاحتراق (Slow Burn)، الذي يراكم التوتر ويزرع التفاصيل الصغيرة، تمهيدًا لنهاية صادمة تعيد تفسير ما سبقها.
ولعل ما عزَّز هذا التوقع أن الحلقتين نجحتا، رغم بطئهما، في إبقائي متأهبة لكل صوت غريب يسمعه «طلال»، أو خيال يلمحه، أو ظاهرة يعجز عن تفسيرها. وربما ساعد على ذلك أنني معروفة بخوفي من أفلام الرعب أصلًا! لكن مع تكرار هذه المشاهد، بدأ الفزع يفقد أثره، وأصبح توقيت حدوثه متوقعًا. وبدل أن يقود كل مشهد إلى اكتشاف جديد، ظل التوتر يدور حول نفسه، بينما تتراكم الأسئلة بانتظار إجابات تمنح هذا التمهيد معناه.
لكن تلك النهاية لم تأتِ بالقوة التي وعد بها التمهيد. فبعد كل هذا الترقب والإيقاع البطيء، اندفع المسلسل نحو نهايته على عجل؛ فجاء الحل سريعًا، والروابط بين الأحداث غير ممهدة بما يكفي لتبدو مقنعة، وافتقرت المواجهة الأخيرة إلى التصعيد الذي يمنحها ثقلها الدرامي أو يجعلها مفاجأة صادمة. وهنا بدا أن الحكاية ربما كانت أنسب لفلم سينمائي، إذ كان بالإمكان تكثيف أحداثها في ساعتين، بإيقاع أكثر إحكامًا وتصاعد يحافظ على التوتر حتى النهاية.
الخلاصة؟
رغم الفرص الدرامية والبصرية التي لم يستثمرها «النفس المطمئنة» كما تستحق، تُحسب له جرأته في خوض نوع لا يزال حضوره محدودًا في الدراما الخليجية، وتبنِّيه صيغة الحلقات القصيرة. ويُضاف إلى ذلك الأداء التمثيلي المتمكن لهيا عبدالسلام ويعقوب الفرحان، إلى جانب الإخراج الجيد، وإن استعار كثيرًا من صور الرعب الهوليوودية المألوفة. ولعل ما تحتاج إليه التجارب المقبلة هو ثقة أكبر بحكاياتنا ومخاوفنا المحلية، وقدرتها على صناعة رعب يحمل هويته الخاصة.

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.