«أعوام الظلام» يعيد تعريف الدراما الكويتية

أعادت شاشا من خلال أعمالها الرمضانية تعريف الدراما الكويتية بالكامل. وهو أمر لم يكن سهلًا، خصوصًا بعد سنوات ظلت فيها الدراما الكويتية مرتبطة بالسخرية المعتادة: «جاسم باق الشركة».
نايف العصيمي

«أعوام الظلام»: شهادة درامية مؤلمة تعيد تعريف واقعية الدراما الكويتية
فواز العدواني
في موسم درامي مزدحم وممتلئ بالمنافسة، تمكنت منصة شاشا من فرض نفسها قوةً إنتاجية هي الأبرز في رمضان 2026، ليس فقط من حيث الحضور، بل من حيث التأثير. ولم يكن تفوقها هذا قائمًا على الكم، وإنما على نوعية المشاريع التي قدمتها، وفي مقدمتها مسلسل «أعوام الظلام» الذي تحول سريعًا إلى أحد أكثر الأعمال تداولًا ونقاشًا. لم يُطرح العمل على أنه مسلسل تقليدي بقدر ما جاء مشروعًا يحمل بعدًا إنسانيًّا وتوثيقيًّا، مستندًا إلى قصة حقيقية لرجل عاش تجربة قاسية مع الظلم، وقرر أن يحول معاناته إلى شهادة مكتوبة، قبل أن تجد هذه الشهادة طريقها إلى الشاشة.
من كتاب إلى شاشة، قصة بدر المطيري أساس درامي
تعود جذور العمل إلى قصة بدر المطيري، الذي قدم روايته الخاصة عن سنوات السجن والاتهام، ونشرها في كتاب شكَّل الأساس الذي انطلق منه المشروع. لم تكن خطوة بيع الحقوق لمنصة شاشا مجرد اتفاق إنتاجي، بل كانت نقطة تحول، إذ تعاملت المنصة مع المادة الأصلية بجدية واضحة، واستعانت بورشة كتابة بإشراف الكاتبة مريم نعوم، وهو قرار يعكس وعيًا بأهمية المعالجة الدقيقة لمادة حساسة بهذا الحجم. هذا التعاون منح العمل تماسكًا سرديًّا ملحوظًا، فقد بدت الأحداث مدروسة والشخصيات مكتوبة بعمق، بعيدًا عن التبسيط أو الاستسهال.
تفوق واضح لحمد العماني، وبروز غير متوقع لعبدالله زيادة ونايف البحر
واحدة من الظواهر اللافتة المرتبطة بالمسلسل كانت الإجماع الشعبي المبكر على اسم حمد العماني لتجسيد شخصية «بدر المطيري»، وأذكر ذلك حتى قبل دخول المشروع مرحلة الإنتاج. هذا الإجماع لم يكن عبثيًّا، فقد أثبت العماني من خلال أدائه أنه الخيار الصحيح، فقدم شخصية مثقلة بالخذلان لكنها لم تفقد إنسانيتها، ونجح في نقل التحولات النفسية التي تمر بها الشخصية، من الصدمة إلى الغضب إلى التكيف القاسي مع واقع السجن. كما اتسم أداؤه بالهدوء والانضباط، مبتعدًا عن المبالغة ومعتمدًا على التفاصيل الصغيرة التي منحت الشخصية مصداقيتها.
إلى جانب العماني، برزت انتصار في أول مشاركة لها في الدراما الكويتية بحضور قوي وواقعي. فيما فاجأني حسن عبدال الذي فرض نفسه بأداء متماسك يعكس فهمًا واضحًا لطبيعة الشخصية التي يقدمها، بعيدًا عن جميع الأدوار التي شاهدته فيها مؤخرًا. عبدال ممثل متمكن، لكنه كان في حاجة إلى شخصية مكتوبة بصدق، ومخرج متمكن لإيصال ذلك الصدق على الشاشة.
أما المفاجأة الحقيقية فجاءت من الإعلامي عبدالله زيادة، الذي قدم أداءً غير متوقع كشف عن طاقة تمثيلية لافتة. حضوره لم يكن هامشيًّا، فقد شكَّل إضافة حقيقية إلى العمل، واستطاع أن يخلق لحظات لا تُنسى، دون أن يعتمد على الاستعراض، بل على الإحساس الداخلي للشخصية.
كما استطاع نايف البحر أن يبرز موهبته التمثيلية، خارج إطار الدراما السعودية، في خوض غمار تجربة قد تُسقطه في حفرة التكرار (شخصية المشاغب والمتمرد)، لكنه تمكن بإتقان من إبراز الجانب الإنساني لهذا التمرد وتمسكه بعادات مجتمع الشخصية البدوي مع خط سير الأحداث. شخصيًّا، كنت أتمنى أن أشاهد خط سير الشخصية التي قدمها البحر بشكل أطول قليلًا مما قُدم.
في المقابل، لم تخلُ التجربة من بعض الملاحظات، أبرزها أداء إيمان الحسيني، التي لم تتقن اللهجة البدوية كفاية، إذ طغت ملامح لهجتها الأصلية (البحرينية) على أدائها، ما خلق فجوة بين الشخصية وبيئتها المفترَضة، وأثَّر جزئيًّا في مصداقية بعض المشاهد، خاصة في عمل يعتمد كثيرًا على واقعيته.
محمد سلامة ورؤية إخراجية تصنع الحالة
بعد أن شاهدت أعمال المخرج محمد سلامة مع شاشا قبل عام، وأنا متحمس بشدة لرؤية ما سيقدمه في هذا العمل المنتظر. ومنذ بداية إعلان اسمه مخرجًا لهذا العمل وأنا على يقين بأنه سيخرج إلى النور بأسلوب متقن.
قدم محمد سلامة واحدًا من أبرز عناصر قوة العمل، فأظهر قدرة واضحة على التحكم بإيقاع السرد، ومنح المشاهد وقتًا كافيًا للتفاعل مع الحالة النفسية للشخصيات. كما اعتمد على لغة بصرية هادئة لكنها مشحونة، فَلم يلجأ إلى المبالغة، بل ترك الكاميرا تراقب وتوثق، وهو أسلوب يتناسب مع طبيعة العمل. وبرزت قوته خصوصًا في مشاهد السجن التي جاءت كثيفة ومقنعة، حيث نجح في خلق إحساس مستمر بالاختناق والعزلة، مستخدمًا المساحات الضيقة، والإضاءة المحدودة، وزوايا التصوير التي تعكس فقدان السيطرة.
لمحمد سلامة عملان مع شاشا أيضًا، وهما «ثالثهم الشيطان» و«الأم المتوحشة». ومن يشاهد إخراجه لهما، سيلحظ اختلافًا مغايرًا وجذريًّا عن «أعوام الظلام»، وهو دليل على تجديد سلامة لأدواته الإخراجية مع كل قصة.
دلالة العنوان وانعكاسه على بنية العمل
تميز تسلسل الأحداث، خاصة داخل السجن، بدرجة عالية من الواقعية. لم تعتمد المشاهد على الإثارة المصطنعة، وإنما اعتمدت على التفاصيل اليومية والروتين القاسي والعلاقات المعقدة بين السجناء. واستطاع العمل أن ينقل صورة مقنِعة عن طبيعة السجون في الكويت خلال التسعينيات وبداية الألفينيات، مقدمًا تجربة تبدو حقيقية ومؤلمة في آن واحد.
يحمل عنوان «أعوام الظلام» دلالة تتجاوز كونه اسمًا دراميًّا، فهو توصيف مباشر للحالة التي يعيشها البطل، ليس فقط بوصفها فترة زمنية، بل بوصفها حالة نفسية ممتدة. فالظلام هنا ليس غياب الضوء، هو غياب اليقين والعدالة وغياب القدرة على استعادة الحياة كما كانت. وينعكس هذا العنوان بوضوح على بنية العمل التي تركز على الأثر طويل الأمد للتجربة، وليس فقط على تفاصيلها الآنية.
البداية الرمزية القوية وتراجع العمق لاحقًا
رغم القوة الواضحة في المعالجة البصرية، قدَّم العمل في بدايته إشارة رمزية لافتة كان من الممكن البناء عليها بصورة أوسع. لاحظت شخصيًّا ظهور هذا الأمر بقوة في الحلقة الأولى، حيث يظهر مشهد حادث «بدر» واصطدامه بالجمل، فنراه ساقطًا يراقب الحيوان وهو يحتضر، في لحظة مشحونة بصريًّا ودلاليًّا تسبق مباشرة بداية الظلم الذي سيتعرض له.
لم يكن الجمل هنا مجرد عنصر درامي عابر، فقد حمل دلالة رمزية واضحة مرتبطة بالبداوة والجذور والبراءة التي تُصاب إصابة قاسية دون إنذار. هذا المشهد تحديدًا أوحى بأن العمل سيتبنى لغة رمزية موازية للواقعية؛ لغة تعكس الحالة الداخلية للشخصيات من خلال الصورة، لا الحوار فقط. إلا أن هذا التوجه لم يستمر بالوضوح ذاته في بقية العمل، فقد غابت الرمزية البصرية المشابهة، وحل محلها سرد أكثر مباشرة.
تبرز أهمية هذه الملاحظة خاصة لمن اطلع على شخصية بدر المطيري الحقيقية كما ظهرت في لقاءاته المطولة، من أبرزها ظهوره في بودكاست «محفوف»، الذي امتد عبر جزأين بإجمالي يقارب ست ساعات، وحقق ما مجموعه نحو سبعة عشر مليون مشاهدة. في ذلك اللقاء، يتضح أن بدر كان شخصًا شديد الحساسية والتأمل، يميل إلى التعبير بالكنايات والصور الشعرية، وهو جانب إنساني كان يمكن استثماره بصريًّا على نحو أعمق داخل العمل. إضافة طبقات رمزية أخرى تعكس تحولات الشخصية أو حالتها النفسية كان من شأنها أن تمنح التجربة بعدًا سينمائيًّا أكثر كثافة، خاصة أن البداية كانت تبشر بإمكانية تحقيق ذلك.
إلى جانب ذلك، يُلاحظ أن النصف الثاني من العمل، وتحديدًا بعد خروج «بدر» من السجن، اتجه نحو تسارع ملحوظ في تسلسل الأحداث، كأن السرد أصبح أكثر استعجالًا للوصول إلى الخاتمة. هذا التسارع قلل من المساحة المتاحة للتأمل في التحولات النفسية، التي كانت في النصف الأول أحد أبرز عناصر قوة العمل. كما أن بعض مشاهد السجن، رغم فعاليتها العامة، لم تخلُ من لحظات بدت أقرب إلى القوالب المعروفة دراميًّا، معتمدة على أنماط مألوفة في تقديم علاقات السجناء أو التوتر داخل الزنازين، دون أن تضيف زاوية جديدة أو غير متوقعة.
عمل مهم في مسار الدراما الكويتية وتكثيف ذكي
تكمن أهمية «أعوام الظلام» في كونه يمثل خطوة متقدمة للدراما الكويتية التي بدأت تستعيد قدرتها على تقديم أعمال جادة تتعامل مع الواقع بجرأة ونضج. كما أن اختيار تقديم العمل في ثماني حلقات فقط كان قرارًا ذكيًّا، فقد منح القصة تركيزًا أكبر، وأبعدها عن الإطالة غير المبررة التي قد تضعف تأثيرها. هذا التكثيف ساهم في الحفاظ على تماسك السرد، وجعل كل حلقة تحمل وزنًا دراميًّا واضحًا.
في المجمل، لا يمكن النظر إلى «أعوام الظلام» على أنه عمل ناجح جماهيريًّا فقط، هو عمل مهم فنيًّا، يعكس تحولًا في طريقة إنتاج الدراما الكويتية وتقديمها، ومسلسل يعتمد على الصدق والأداء وعلى الرؤية الإخراجية الواضحة، مقدمًا تجربة درامية ثقيلة ومؤثرة، تترك أثرها بعد انتهاء المشاهدة.
شخصيًّا، بعد صدور المسلسل بجميع حلقاته، لا أزال أشاهد ردود الفعل بمختلف أنواعها على منصات التواصل الاجتماعي، بل إنها أصبحت تزداد يوميًّا! حالة لم أشاهدها في موسم رمضاني من قبل.

هذا ليس فاصلًا،
بل إحالة من نشرة سينمائية إلى مكتبة سينمائية متنوعة المعارف والنقودات: «سينماء».
مبادرة تجد فيها الدراسة والمقالة والكتب، من أول تاريخ السينما إلى أحدث أفلام هذه السنة، ومن هوليوود حتى أطراف آسيا.
ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».



طرحت «A24» الإعلان التشويقي الأول لفِلم «The Backrooms»، تمهيدًا لعرضه في صالات السينما في 29 مايو.
طرحت نتفلكس الإعلان التشويقي الأول لمسلسل «Pride & Prejudice» الجديد، على أن يُعرض في وقت لاحق من هذا العام عبر المنصة.
حصل مشروع إحياء مسلسل «The X-Files» على طلب إنتاج حلقة تجريبية (Pilot) من منصة هولو. ويُعد العمل إعادة تقديم (Reboot) برؤية مختلفة يقودها رايان كوقلر كتابةً وإخراجًا للحلقة الأولى، مع مشاركة دانييل ديدوايلر في البطولة.
أُعلن رسميًّا انضمام كريستيان بيل إلى بطولة فِلم «Heat 2» إلى جانب ليوناردو دي كابريو. الفِلم من إخراج مايكل مان، ويأتي امتدادًا لعالم فِلم «Heat» الصادر عام 1995، مع أحداث تدور قبل سنوات من وقائع الجزء الأول، على أن يبدأ التصوير خلال أغسطس المقبل وفق الخطة الإنتاجية المعلنة.
من المتوقَّع طرح الموسم الرابع من مسلسل «Ted Lasso» في شهر أغسطس المقبل.
سيُعرض فِلم «Kiki’s Delivery Service» للمخرج هاياو ميازاكي بصيغة (IMAX) في صالات السينما للمرة الأولى بتاريخ 13 مارس المقبل.
.png)
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد المفصلي من فِلم «واحد من الناس» الصادر عام 2006، من إخراج أحمد نادر جلال.
«محمود» حارس جراجٍ بسيط، مؤمن بقيم الصدق والنزاهة التي تربّى عليها، متزوج حديثًا وينتظر مولوده الأول، بينما يثقل القلق المادي قلبه خوفًا من المستقبل. في ليلة، تنقلب حياته بالكامل حين يشهد جريمة قتل يرتكبها ابن رجل نافذ، ليجد نفسه فجأة الشاهد الوحيد، مُطالَبًا بالصمت تحت تهديدٍ مباشر بأن أي كلمة قد تضرّ بأحبّته.
في المشهد الذي يسبق المحكمة، يقف «محمود» أمام والده في واحدة من أكثر لحظات الفِلم إنسانيةً وصدقًا. الأب الذي ربّاه على المبادئ يعجز هذه المرة عن تقديم إجابة حاسمة. هنا لا تبحث الكاميرا عن حُكم أخلاقي بقدر ما ترصد ارتباك الإنسان حين تتصادم القيم مع غريزة البقاء. ماذا يفعل المرء عندما يصبح الصدق خطرًا حقيقيًّا على حياته وعائلته؟ لم يعُد الصراع بين خير وشر واضحين، بل بين مبدأ يؤمن به، وخوف فطري على من يحب. حتى الأب المتدين يبدو حائرًا، في محاولة لتوضيح فكرة أن الأخلاق سهلة في التنظير، لكنها مرعبة حين يُطلب منك أن تدفع ثمنها!
وعندما يقف «محمود» في المحكمة، بعد التهديد والترهيب وخطف زوجته لإسكاته، تبلغ الدراما ذروتها. صوته وهو يقول الحقيقة يحمل ارتعاش إنسان يدرك كلفة قراره. اختار الصدق لأنه أراد أن يعيش مع نفسه دون خيانة.
المفارقة الأذكى أن المشهد يدفعك إلى التواطؤ مع الخيار الآخر. في أثناء المتابعة، تتمنى سرًّا لو كذب، لو أنقذ زوجته، لو اختار النجاة بدل المبدأ. وهنا تكمن قوة المشهد؛ إذ يضعنا في مواجهة مباشرة مع قيمنا نحن، لا مع قيم الشخصية فقط: هل تستحق العدالة كل هذا الثمن؟ أم إن حماية من نحب تبرّر الانحناء للحظة؟
اختيار «محمود» الطريق الأخلاقي لا يمنحه خلاصًا، بل يفتح أبواب المأساة: تُقتل زوجته، ويُلفَّق له الاتهام، ويُزجّ به في السجن ظلمًا، وبذلك يهزّ العمل يقيننا السهل بأن الخير ينتصر دائمًا. قيمة المشهد الحقيقية أنه يكشف ثمن الصدق، ويتركنا أمام السؤال الأكثر قسوة: حين يُطلب منك أن تدفع الثمن كاملًا… هل ستظل صادقًا؟
عهود أبو خيرة

فقرة حصريّة
اشترك الآن


في الفترة بين 1954 - 1970، مرّت مصر بفترة حساسة سياسيًّا واجتماعيًّا تحت حكم جمال عبدالناصر، في ما يُعرف بالحقبة الناصرية، حيث فرضت الدولة نظامًا أمنيًّا صارمًا ورقابة مشددة على أي صوت معارض أو اختلاف سياسي. خلال هذه السنوات، كان كثير من المواطنين يُعتقلون بلا تهم واضحة، وأحيانًا لمجرد الشك أو القرب من أشخاص يُعدّون معارضين، وكان التعذيب النفسي والجسدي في السجون والمعتقلات أمرًا شائعًا، والظروف الإنسانية في الزنازين سيئة للغاية، ما جعل المواطن البسيط يعيش في خوف دائم من مصير مجهول.
في هذا السياق، برز الصحفي جلال الدين الحمامصي بوصفه واحدًا من أبرز الأصوات النقدية في الصحافة المصرية خلال السبعينيات، وعُرف بعموده التحليلي ونقده القوي للفساد السياسي والاجتماعي، ولم يتردد في تسليط الضوء على القضايا الحساسة التي كانت تمسّ الدولة وأجهزتها الأمنية. وفي عام 1976، أصدر الحمامصي كتابه «حوار وراء الأسوار»، الذي ركّز على الممارسات الأمنية في الحقبة الناصرية، وسرد تجارب الاعتقالات والتحقيقات القاسية التي مرّ بها بعض المواطنين.
ومن هنا، وجد المخرج حسين كمال وكاتب السيناريو فاروق صبري في نص الحمامصي مادةً خامًا قوية على مستوى التوثيق التاريخي، وخصوصًا الخبرات الإنسانية للشخصيات التي عانت الاعتقال الظالم، فاستلهما منه العمل الفني وحوّلاه إلى مادة درامية غنية قدّمت فِلمًا سينمائيًّا جريئًا يعكس الواقع بطريقة مؤثّرة.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «إحنا بتوع الأتوبيس»:
يُعدّ الفِلم فضحًا لممارسات التعذيب داخل السجون المصرية في الحقبة الناصرية. ولذلك عندما قدّم فاروق صبري السيناريو للرقابة، ظلّ معلّقًا نحو عشر سنوات حتى باتت الأجواء السياسية مهيّأة لإنتاجه.
كان عادل إمام يبكي فعليًّا من شدة تأثره بالمشاهد أمامه، رغم علمه بأن ما يراه ليس سوى تمثيل، في حين عاش بقية ممثّلي الفِلم أجواءً من الضغط النفسي الشديد في أثناء التصوير.
صوَّر الفِلم مشاهد تعذيب نفسي وجسدي صادمٍ داخل السجون، فقد جُهّزت هذه المشاهد لتقارب الواقع إلى أقصى حد، ما أثار حساسية الرقابة وأدّى إلى حذف بعض اللقطات وتعديل أخرى قبل السماح بعرضه.
كان كلٌّ من عادل إمام وعبد المنعم مدبولي في ذروة مسيرته الفنية، لكن الفِلم عُدّ اختيارًا جريئًا لهما، إذ قدّما أدوارًا سياسية شديدة الواقعية، خلافًا لما اشتُهرا به من الكوميديا أو الدراما الاجتماعية.
مع أن الفِلم حظي بحضور جماهيري كبير، فإنه أثار جدلًا وانتقادات من بعض المنتمين إلى التيار الناصري، الذين عدّوه تشويهًا للحقبة واختزالًا لها في القمع والتعذيب. ويرى الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة عين شمس، أن ما ورد في الفِلم يميل إلى تعظيم الأخطاء وتضخيمها مقابل تجاهل الإيجابيات، عادًّا الفِلم جزءًا من «المبالغات» لعدم وضع الأحداث في إطارها السياسي والتاريخي الأوسع.
عهود أبو خيرة

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.