«جناية حب»: من الرواية إلى المسلسل


«طاش ما طاش» كان عملًا ناجحًا لسنوات طويلة، واستمر تأثيره لأجيال. لم يكن السبب الرئيس الإنتاج الفني الضخم، بل أصالة العمل وقربه من الناس. «شارع الأعشى» مثلًا في موسمه الأول كان يجسّد ذلك، ونجح نجاحًا باهرًا، لكن في موسمه الثاني تحوّل إلى الضد تمامًا؛ مسلسل تركي بامتياز.

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

محاولة تشريح «جناية حب»

علي حمدون

للأحداث الكبرى والتوترات الاجتماعية تبعات مركبة قد تنعكس أحيانًا في تعزيز التلاحم بين الناس، وقد تُضعفه في أحيان أخرى. وفي هذا السياق، قد تظهر حالة يمكن وصفها بـ«الهوية غير الثابتة»، حيث يجد بعض الأفراد أنفسهم في موضع تأويل أو قراءة مختلفة بسبب تشاركهم مع الآخرين في بعض السمات الثقافية أو الاجتماعية. وغالبًا ما تتشكل هذه القراءات تحت تأثير ما يُعرف بـ«الانحياز التوكيدي»، حيث يميل الإنسان إلى تفسير الوقائع بما يوافق توقعاته السابقة. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه السمات المشتركة إلى عدسة يُعاد من خلالها فهم المواقف والعلاقات، فتُنتج خطابًا احترازيًّا يحاول تفسير الوقائع أو استباقها.

وجاء هذا التمهيد بغرض شرح سببين، أولهما: فهم القالب الذي وُضعت فيه شخصية البطل «عامر»؛ العاشق الصامت، والمواطن الأقلّوي الثائر بسرّية تتوافق مع تهمة التقيّة، كما نستشفّ من ملصقات مكتبه في المجلة لجيفارا وماو تسي تونق وغيرهم، وهي الشخصية التي قام بدورها الممثل بشار الشطي بكل اقتدار في مسلسل «جناية حب». وثانيهما: إدراك عملية تقليم براثن حبّه المكبوت بسبب عراقيل ظرفية وترسبات مرحلية أسهمت في تصعيب اقترانه بزوجة صديق عمره «نادية»، التي قامت بدورها هيا عبدالسلام بامتياز؛ حيث كانت احتمالية رفض أهلها له قائمة على هذا الشرخ الطائفي، الذي استحال شكلًا آخر ليتجسد في هيئة «نواف» زوج «نادية»، الصدع الذي اتسع بما يكفي ليبتلع المتحابين. 

وهكذا، تُفصح القصة عن مأساة زوجٍ يكتشف خيانة صديق عمره مع شريكة حياته، فيقرر في لحظة سخط استعادة ما يراه كرامةً مهدرة عبر الانتقام تحت ذريعة «جريمة الشرف»، ليغلق الدائرة على مصير الجميع.

ولكن يبقى هذا الاكتشاف من منظوره المضلل، فكما استشهدت الروائية بثينة العيسى، التي استُلهم المسلسل من عملها، في توطئة كتابها بعبارة التطيلي الأعمى: «فانظر بعقلك إن العين كاذبة.. واسمع بقلبك إن السمع خوّان»، يستعين المخرج سعيد الماروق لاستكشاف الحقيقة بالتعدد الراشموني، عبر رؤية الحادثة من خلال وجهات نظر متباينة لا تقتصر على عين «نواف» الكليلة. ويتجسد هذا التعدد بنهج بنيوي فريد، حيث حملت حلقات المسلسل أسماء شخوصها لتشهد كل حلقة على الواقعة وتداعياتها بأعين أصحابها: «نادية»، و«نواف»، و«عامر»، وصولًا إلى وجهات نظر مكمّلة مع «هدى» زوجة شقيق «نواف»، و«فاطمة» أخت «عامر»، وانتهاءً بـ«مناير» ابنة «نادية» و«نواف».

في الحلقة الأولى نلتقي «نادية»؛ تلك الشابة المتزوجة، والكاتبة التي تحاول اجتراح شكل من أشكال التحرر في عالم متكتل بمحافظته. 

فما شكل تلك الجرأة المرتبكة وهي تحاول الانبجاس لتعبّر عن فوضاها الخزينة؟ وكيف يتجلّى التعقيد حين يحاول فك خيوطه المتشابكة بنفسه؟

يأتي الجواب محاولًا التملص من الاحتجاب المربك، من خلال صوتها الداخلي الذي ينبثق مع كل لحظة صمت وموقف، ومن خلال السرد اللاخطّي الذي يرتدّ بنا بين الماضي والحاضر. نفكك من خلاله طبيعة علاقتها الملتبسة بكل من الصديقين «عامر» و«نواف»، ونفهم الجذور التي أدّت إلى هذا الارتباك.

هنا نفهم أن «عامر» زميل دراستها هو الرجل الذي تبناه زوجها «نواف» كأنه «هارونه»، كفل له الإيواء العائلي واستأمنه على ماله وزوجه، ليكون «عامر» هو الوحيد في عالم زوجته المرمّم لحلمها بوصفها كاتبة قد يتسنى لها يومًا ما أن تكون روائية. 

ولنفترض أن «نادية» ستكون روائية فقيرة الخيال، بذات النبرة التي اختارت بها بثينة العيسى أسماء شخوصها، وصاغت بها مصائرهم بصوتها العليم حين قررت في قولها: «وليكن هذا الزوج اسمه "نواف"». كون «نادية» لا تملك النضج الكافي لتستجلب قصصًا من خارج محيطها، فإنها تستمد قصصها من زيف عاطفتها في محاولة توصيف مشاعرها المتلبكة. 

والتعبير عن نيّتها في كتابة رواية تتمحور حول ثلاثة أبطال: رجلين وامرأة، حيث تعتقد هذه المرأة أن صديق زوجها مغرم بها. لندرك من خلال فكرها تورطها العاطفي ومحاولتها منح هذا الارتباك شرعية أدبية. وذلك على الرغم من إدراكها المناقض لفكرة روايتها، وهي أن أمامها ثلاثة عشر عامًا لتتمّ الأربعين وتكتب روايتها المنشودة؛ لإيمانها أن الرواية لا تُكتب قبل الأربعين، لأنها مثل النبوة! ولا يُعلم إن كانت تقصد هذه الرواية بعينها أم رواية ملغزة أقل وضوحًا.

وفي المشهد الذي أفصحت فيه «نادية» عن مشروعها، تجلّت عبقرية السيناريست بلال فضل، الذي فاوض ببراعة بين عمق النص والحيز الدرامي، إذ جعل إفصاحها لـ«عامر» حصرًا، لتستشفّ توتره وتستقرئ حقيقة مشاعره. فهي تدرك ذكاءه وقدرته على فك شفرة التلغيز، وأن الصديق الذي تظنه المرأة واقعًا في غرامها ليس إلا إسقاطًا مباشرًا عليه، وفخًّا لاستدراج مشاعره المكتومة.

أما في الرواية، فقد كانت «نادية» تخبر زوجها وصديقه معًا عن مشروعها -الذي يتمحور حول امرأة ورجلين يشبهانهما تمامًا- في أثناء تجوُّلها معهما في الشاليه، بينما كانا منشغلين بالنقاش حول مجموعة الخمسة وأربعين الرديفة لتكتل نواب المعارضة وعودة البرلمان. حيث ظل «نواف» حينها يستبعد فكرة الإسقاط عليهما، غارقًا في انشغاله السياسي رغم وضوح التلميح. وهنا تكمن براعة السيناريو في تسريع وتيرة المواجهة وحصرها، وهذا ما حدث فعليًّا في نهاية الحلقة، حين تحوّل مشروع الرواية إلى جريمة، لتنكشف الخيانة بوضوح تحت عين «نواف».

ومن هنا يمكن فهم ملامح وعي «نادية» العاطفي الذي بدا كأنه تشكّل مما قرأته. فالكتب طعام الفكر، أي المادة التي يتغذى بها العقل وتتكون منها رؤيته للعالم. غير أن «نادية» لم تستخرج من قراءاتها وعيًا ناضجًا بقدر ما غذّت بها أوهامها. فمنذ الحلقة الأولى نَلمح رفّ مكتبتها الممتلئ بالروايات الرومانسية، أبرزها «نادية» ليوسف السباعي، عن فتاة تقع في غرام طبيبها، ولذلك بدا «عامر» بالنسبة إليها أشبه بذلك الطبيب؛ شخصًا تتفاعل معه بوصفه حالة وجودية، مفسّرًا تشبيهاتها وموجهًا عواطفها المكتوبة.

وتظهر أيضًا رواية «ميرامار» لنجيب محفوظ، التي تهرب بطلتها «زهرة» من قريتها بحثًا عن حياة مختلفة. وربما هنا يتجلّى أثر القراءة الأولى في تشكيل الوعي العاطفي، إذ كثيرًا ما يبحث القارئ المبتدئ عن نفسه في الشخصيات التي يقرؤها، كما يقول أورهان باموق. وهكذا بدت «نادية» كأنها تجمع بين شيء من هذه وشيء من تلك. وليكن هذا تأويلي. 

أما في الحلقة الثانية، نتعرف على الزوج «نواف» (حسين المهدي) في محبسه وهو يدفع ثمن جريمته، حيث نراه ممعنًا في إسباغ المواقف تفاصيل كاذبة، مستغرقًا في تفكّرٍ مضنٍ حول جفوة زوجته، مستشفًّا بلاهته أمام ملاطفاتٍ فطن لها متأخرًا كانت تدور بين زوجته وصديق طفولته اللعين «عامر»، حيث كان يظنها -بصفاء نية- لا تتجاوز حدود الأخوّة. هذا الإدراك المتأخر لم يولّد ندمًا، بل غذّى دوافعه الإجرامية، وجعله خلف القضبان متعطشًا لدم «عامر» الذي لم يتسنَّ له سفكه بعد.  

ليحالفه الحظ بوقوع الغزو العراقي للكويت، حيث تحرر السجناء كافة بعد غياب الحراس، في واقعةٍ وصفتها بثينة العيسى: «مثل صراصير أُفلتت من قنينة حبّال». في مشهد استطاع ترجمته المخرج سعيد الماروق، وتغلب من خلاله على معضلة «ضعف الإيهام بالواقع»؛ إذ كان الوجود البشري في السجن مكثّفًا بوجوه متعددة، رغم قصره، مستعينًا بطبقات بصرية تعزز الإحساس بالمكان والزمان، لإقناع المتلقّي بأن العالم يمتدّ خارج حدود الشخصية الرئيسة. ولعلّ النجاح الأبرز هو إقناعنا؛ كوننا مجتمعًا ما زال يتمتع بقوامته الذكورية بما شاهده «نواف»، بلغة بصرية وموسيقا تصويرية، وإظهار زاوية ظنّية، تعزز من خيانة «نادية» التي حين نحكم عليها قد ننصفها وقد نظلمها من دون قصد منا، من فرط تعقيد الموقف! 

بينما ما حدث وما كان سبب سخط «نواف» الذي كان متصالحًا مع خياناته الصغيرة، في الحقيقة يشبه ما حدث في فِلم «Last Night» الصادر عام 2010، الذي ناقش فكرة جدلية: ما الأشد وقعًا؟ أهي الخيانة الجسدية العابرة التي يتبعها الندم؟ أم الحب الخفي لشخصٍ لم يمسّ الجسد لكنه استلب العقل؟ وهذا ما حدث للزوجين في الفِلم؛ إذ خاض الزوج خيانةً جسديةً وندم عليها، بينما ظلّت زوجته تحب صديقها القديم، لكنها اختارت الوفاء لزوجها.

ولا أعلم إن كان هذا التبرير الذي أحاول استشفافه ينطبق عليه قول لينين: «المثقفون أقدر الناس على الخيانة، لأنهم أقدر الناس على تبريرها». وأعوذ بالله من قدرتي على ذلك. لكن هذا ما حدث أيضًا في «جناية حب»، في كل الزوايا التي شاهدنا منها قصة «نادية»، سواء بعين «هدى» التي استنكرت خطبة «نواف» لها، وبعين «فاطمة» وهي تشهد على محاولات أخيها، بل وحتى في عين «مناير» المتفحصة لطفولتها، عدا منظور «نادية»، كون ذاكرتها ماتت برفقتها وسط فورة انكشافات عدة توقفت عندها.

ولعل ما أدهشني في هذا العمل، واستدركته بعد الانتهاء من مشاهدة الحلقة الأخيرة المعنونة باسم «7 أرواح»، هو مرونة المخطط البنائي والدرامي في الحلقات كافة، وتشرُّب الطاقم التمثيلي حساسية القصة؛ حيث استطاع كل ممثل أن يتسيّد حلقته، بدايةً من هيا عبدالسلام وصولًا إلى روان مهدي. ولعلي أخصّ غادة الكندري التي جسّدت شخصية «فاطمة» شقيقة «عامر» بكل إتقان، مجسدةً مقولة: «وما كانت أختك لترميك في البئر يا يوسف»؛ بما قدمته لأخيها من عطفٍ باذخ، وتضحيةٍ استثنائية، ومشاعر صادقة حاولت بها جاهدةً انتشاله من عتمة قدره المحتوم.  

لا يخلو العمل من بعض الملاحظات التي قد تتجلى أكثر فأكثر مع إعادة المشاهدة، إلا أن الدهشة التي قدّمتها منصة شاشا في هذه العودة اللافتة للدراما الكويتية للعام الثاني على التوالي جعلتنا نتغاضى عن بعض الرتوش، لنبقى أمام تجربة درامية تستحق التوقف عندها.


أجمل من الفِلم ومشاهدته، نقده والحديث عنه والقراءة حوله؛ ولذا يجتمع عشّاق السينما دائمًا في نشرات أو منصات أو سينمات.
مبادرة «سينماء» توفّر قاعدة نقد ودراسة وورش تغطّي مساحة كبيرة من الأفلام، بأدوات نقدية متمكّنة ونظرات ثقافية متمعّنة.

ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».


Paterson» (2016)»
Paterson» (2016)»

📰 أخبار وإعلانات سينمائية

  • تطوِّر شركة «Warner Bros» فِلمًا طويلًا مستوحًى من عالم «Game of Thrones»، من كتابة بو ويليمون المعروف بعمله في «House of Cards». ومن المتوقع أن يركّز الفِلم على فتوحات الملك «إيقون الأول تارقاريان» لقارة ويستروس الخيالية، قبل أحداث المسلسل الأصلي بنحو 300 سنة.

  • بدأ تطوير فِلم رعب جديد ضمن سلسلة «The Exorcist» بإشراف المخرج مايك فلاناقان، مع انضمام ساشا كالي إلى فريق التمثيل. يُحضَّر العمل بوصفه قصةً مستقلة داخل عالم السلسلة، وليس تكملة مباشرة للأجزاء السابقة. على أن يُطرح في دور العرض بتاريخ 12 مارس، 2027.

  • أعلنت شركة «Paramount Pictures» بدء تصوير الجزء الرابع من سلسلة «Sonic the Hedgehog». سيشهد الفِلم ظهور شخصية «إيمي روز»، مما يشير إلى إضافة جديدة إلى عالم السلسلة السينمائية. 

  • أنهى فِلم «Goodbye Girl» تصويره هذا الشهر في مدينة نيو أورلينز. الفِلم من نوع رومانسي كوميدي، ويشارك في بطولته كلٌّ من كيرنان شيبكا، وكول سبرواس، وناتاليا داير وديفيد إياكونو. ويتهيّأ الفريق حاليًّا لمرحلة ما بعد الإنتاج استعدادًا لعرضه المستقبلي.

📺 عروض المنصات الرقمية

  • على «Netflix»، يُعرض اليوم مسلسل «Vladimir»؛ دراما كوميدية نفسية تدور حول أستاذة جامعية تقع في هوس تجاه زميل جديد في العمل، مما يعقّد حياتها الشخصية والمهنية ويضعها في مواقف صعبة ومعقدة، في قصة تمزج بين الصراع الداخلي والرغبات الإنسانية.

  • وعلى «Prime Video»، يُعرض مسلسل «Young Sherlock»، الذي يكشف مغامرات شيرلوك هولمز في شبابه في أثناء سنوات دراسته في جامعة أوكسفورد، حين يجد نفسه متورطًا في أول قضية قتل حقيقية، ليشرع في رحلة تحقيق مشوقة تكشف مؤامرة عالمية، وتكوّن شخصيته المستقبلية بوصفه محققًا عبقريًّا.

  • على «+OSN»، يُعرض المسلسل الكوميدي «Rooster» بدءًا من 9 مارس. يروي المسلسل قصة كاتب روائي مشهور يدخل عالم الأكاديميين بعد دعوته لإلقاء محاضرة، ليجد نفسه في مواقف طريفة ومحرجة مع ابنته وزملائه في الجامعة.


ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠

كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع

«ادخار سمارت».


فِلم «Certified Copy»
فِلم «Certified Copy»

اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد من فِلم «Certified Copy» الصادر عام 2010.

يحكي الفِلم عن الكاتب البريطاني «جيمس ميلر»، الذي يصل إلى توسكانا في إيطاليا لتقديم كتابه في معرض، وهناك تلتقيه «إيلي»، امرأة فرنسية تدير معرضًا فنيًّا وتعيش يومًا مثقلًا بابنها ومسؤولياتها اليومية. يبدأ لقاؤهما بنقاشٍ فكري حول الأصل والنسخة في الفن، ثم يتدرج إلى منطقة شخصية أكثر حساسية.

في هذا المشهد يجلس الثنائي في مقهى، ويروي «ميلر» قصةً تعود إلى خمس سنوات مضت، حين كان في فلورنسا لحضور مؤتمر وأقام في فندق كان يرى من نافذته امرأة تخرج كل صباح وتمشي في الشارع الذي يطل عليه الفندق، ثم تتوقف عند زاوية الشارع وتلتفت إلى الخلف لتتأكد أن طفلها الصغير ما زال يتبعها. يسير الطفل خلفها ببطء، ولا يحاول اللحاق بها، ويتكرر المشهد أكثر من مرة؛ ثمة مسافة دائمة بينهما، هي في المقدمة وهو خلفها.

يقول «ميلر» إن أكثر ما لفت انتباهه أن الاثنين لم يمشيا جنبًا إلى جنب قط، ولم يكن بينهما شجار، بل مجرّد مسافة صامتة. ثم رآهما مرة أخرى في ساحةٍ عند تمثال، حيث كان الطفل جالسًا على الدرج ينظر إلى التمثال وبعد لحظات وصلت الأم، فكانت هذه المرة الأولى التي يراهما «معًا» فعليًّا. كانت الأم تشرح لطفلها أن ما أمامهما «نسخة» من التمثال الأصلي الموجود في الأكاديمية، لكن الطفل كان ينظر إليه بانبهار!

تستمع «إيلي» إلى «ميلر» ثم تقول إن القصة تبدو مألوفة، وتلمّح إلى أنها ربما كانت تلك الأم، وأنها لم تكن بخير في تلك الأيام. يتغير وزن المشهد عند هذه اللحظة، وتصبح القصة مثالًا يشرح فكرة الكتاب، واحتمالًا يمسّ حياتها. وحتى إن لم يكن، فهي تمنح القصة معنى شخصيًّا لأنها ترى في تلك المسافة ما يشبه حياتها.

يتحول الحوار من نقاش عن الفن إلى احتكاك غير معلن حول علاقة محتملة بينهما. ولذا يُعَد هذا المشهد «مشهد ذروة» الفِلم ونقطة الانعطاف الأوضح فيه؛ فكل المؤشرات توحي بأن اعترافًا على وشك أن يُصرَّح به، وأن الذاكرة ستُضيء ما ظل معلقًا بينهما. لكن الفِلم يختار الاتجاه المعاكس، ويتضاعف الالتباس بدل أن تنكشف الحقيقة. بعد هذه اللحظة، يبدأ الاثنان في مخاطبة بعضهما كما لو كانا زوجين منذ سنوات، كأن الذاكرة التي كادت أن توضّح العلاقة أصبحت ستارًا يحجبها أكثر، وتذهب السردية إلى منطقة أشد غموضًا، ويصبح ما بدا اعترافًا محتملًا بوابةً لالتباس أكبر.

عبدالعزيز خالد


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

في عام 1993، كان الأرستقراطي الفرنسي فيليب بوزو دي بورقو، مدير دار الشمبانيا «Pommery»، يعشق الطيران الشراعي. وفي أحد الأيام، أقلع بمظلّته فوق جبال الألب، ورغم خبرته الطويلة في التحليق، وقعت حادثة عنيفة أدّت إلى إصابته بالشلل الرباعي.

ثم جاءت الضربة الثانية: فقد زوجته التي كانت تصارع السرطان عام 1996، ليجد نفسه وحيدًا تمامًا! وبعد سنوات من الرعاية الرسمية، قرر البحث عن مساعد شخصي جديد، حتى تعرّف على شاب فرنسي من أصول جزائرية يُدعى عبديل سيلو، ومع أنه لم يمتلك أي خبرة طبية وكان تاريخه ممتلئًا بالمشكلات الصغيرة، فإن صراحته وعفويته ميّزته عن الآخرين.

تعلّم عبديل الرعاية من الصفر: كيف يلبسه، وينقله، ويعتني بجسده. ومع مرور الوقت، كان شيء آخر يحدث بهدوء؛ فقد توطدت علاقتهما لتصبح أكثر من علاقة مريض بممرض، فبرزت بينهما صداقة غير متوقعة بين عالمين متباعدين.

وفي عام 2003، وثّق المخرج جان - بيير ديفيلرز قصتهما لاحقًا في فِلم وثائقي بعنوان «À la vie, à la mort». شاهد الوثائقي المخرجان أوليفييه ناكاش وإريك توليدانو، وتأثّرا بقدرة القصة على الجمع بين الألم والضحك، فتواصلا مع فيليب لتحويل تجربته إلى فِلم سينمائي.

وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» من فِلم «The Intouchables»:

  • مع أن دريس الحقيقي كان شابًا جزائريًّا، فإن المخرجين غيّرا جنسية الشخصية في الفِلم إلى سنقالية، لأنهما كانا قد استمتعا بالعمل مع عمر سي في فِلم «Tellement proches»، وأرادا بشدة أن يؤدي هو هذا الدور. كما أن عمر كان لديه تجربة حقيقية في العيش داخل الضواحي الفرنسية الفقيرة، تمامًا مثل شخصية «دريس» في الفِلم.

  • خلال التحضير، ذهب فريق العمل إلى منزل فيليب بوزو دي بورقو -الذي يستند إليه الفِلم- في المغرب. رأوا هناك الحياة الحقيقية التي عاشها فيليب بعد إصابته، وأعطاهم كثيرًا من التفاصيل غير المعروفة في الوثائقي الأول. وكانت هذه الزيارة نقطة التحول الأساسية في طريقة كتابة الفِلم وتهيئته. 

  • المشاهد التي طُلب فيها من عمر سي حمل فرانسوا كلوزيه كانت تحديًا جسديًّا كبيرًا. لذلك أعدّ عمر نفسه سابقًا عبر التدريب في الجيم وتقوية ظهره قبل التصوير، كما ركّز على إنهاء هذه المشاهد في وقت مبكر من جدول التصوير ليتمكّن بعدها من التركيز على المشاعر الداخلية.

  • خلال مشهد مطاردة السيارة في بداية الفِلم، نفَّذ معظم الحركات الخطرة سائق محترف متخصص في المشاهد الخطرة، لكن في بعض اللقطات كان عمر سي من يقود السيارة بنفسه فعلًا.

  •  بعد عرض الفِلم، تلقّى المخرج إريك توليدانو أكثر من 3000 رسالة شُكر من أشخاص ذوي احتياجات حركية حول العالم، حيث عبّروا عن امتنانهم لأن الفِلم قدّم مشاعرهم الإنسانية بصورة غير مثيرة للشفقة. 

عهود أبو خيرة

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام